الرئيسية » شخصيات كوردية » أنثى الترجمة الكردية – جانا سيدا، وحديث تبديد – ذاكرة الجسد- 1 –

أنثى الترجمة الكردية – جانا سيدا، وحديث تبديد – ذاكرة الجسد- 1 –

كرة الثلج:

جانا سيدا( تولد 1976) الشاعرة الكردية، وإن شئت، فالمترجمة الكردية أيضاً، وإن شئت أكثر من هذا وذاك، فالساعية إلى أن تكون محاورة فالحة في حقول أدبية وثقافية مختلفة.
تتحدث بلغة الشعر، حتى وهي تحاول التعبير عن موضوع فكري، كما هي الصياغة القولية لكلامها، مثلما أنها، من خلال لغة الشعر، وباعتبارها مرآة ذاتٍ ما، لا حدود لإطارها،ولعمقها، والتعريف بذاتها، كما لو أن القرائنية تجمع فيها بين الشعر والنثر، بين محاولة ومقاولة تماماً.
غير أن هذا أول القول، وجانا، مازالت تستشرف أفقاً للكلام، أفقاً شبابياً، وأن كل عنفوان يلوّن أي تصريح لها، يرتد إلى هوى شبابي، اندفاعته، دون التقليل من يقين ما، هو يقين الشعر الذي، وكما هو تصوري عنها، يظل حمَّال الكثير مما تشير إليه، بصدد الشعر وما يتجاوزه وظائفياً، فهي ذاتها تقول ( ما زلت في البدايات)، في حوار سابق معها.
تلك هي الحداثية ذاتها، باعتبارها مهماز الجسد المدمج بسرَيان طاقة الرغبة في التحليق، في خلاصة القول الشعري، ضراوة دق الإسفين بين معنى متهالك كثيراً في إرثه القولي الشعري: الكلاسي، ومعنى مرتق ٍ جموح خياله كثيراً، في مثابرة إرثه القولي الشعري الراهن والقادم أكثر.
إنها لعبة كرة الثلج، ولكنها معكوسة هنا، إذ المتدحرج، هو كمال الأرض، الفضاء، وما بينهما، والثابت المتحرك، هو جسد الشاعر- الشاعرة، كما لو أن الطبيعة هي التي تسطّر في الجسد.
هكذا يتهيأ لي الكلام/ وأنا إزاء كلام آخر، لكائن، تناط به مهمة ( تاء المربوطة)، لتحلق بها، حيث الأنثى، تحيل ( تاءها) إلى داخلها، تمحوها، كينونة أفعوانية، تلامس حدود مكانها بانسيابية، لا يُشك في أمر اعتدادها بزحفها الجسدي المنفتح في المكان الفضائي، وأنا أريد التحدث، عن هذا الجسد، في تجليه الأدبي، وما وراء الأفق المتجلي، من رنين رغبة في تجاوز المقيَّد فيها.
أنا في حوار، وبحوار، مع داخلة في حوار صريح ما، وآخر قائم( فاللغة كلها حوارية، بكل مسمياتها، وكائناتها)، وجانا تتقدم بين غسق أنوثة يترحَّم عليها، وشفق أنثى يصار إليها.
أريد التحدث في/ عن نصها، وإن بدا مفهوم النص صدَعياً، فخياً أكثر، لما للمفهوم من قوى ردع مضادة، لأنه يبرز استقلالية قيمته، أكثر مما يجب، وكل موضوع شريك بناء نصي، في الحد الأقصى من التباري الإبداعي، لا بل يعرض ” بضاعته” تاركاً التسمية لسواه.
جانا، كما تعيش مغامرة الشعر رحابة طياتية، تقدم اسمها في معرض الكلام في الترجمة، قاطرة خلفها، تاريخاً،تاريخ الثقافة الذي تنتمي إليه، بكل مقوماته وتقويماته، بآلامه وآماله، من الداخل والخارج، لا يمكن غمطه حقَّه من الرموز النافذة، قوة لاشعوره، في إيقاع المتشكل من الكلام عندها، وهي لا تنسى أنها أنثى، أنها كردية، وإن نست، أو تناست، فاللغة شاهد حي هنا!
أسمّي هنا: ما يلفت نظري فيما فاهت به، في حوارها، هو صراحتها،عبر تسميتها لأشيائها التي تعنيها، وتعني الآخرين، في الشأن الثقافي الكردي المتعدد القوامات، وهي ما زالت تبحث عن صوتها أكثر، فيما تبحث عنه ثقافياً، مثلما أن ما باحت به( هكذا أحدد)، يمثل الوجه الآخر من مأساة اللغة التي تفاوض بها عليها، تعرّف بذاتها، وتتعرف بها، حيث أنها، لم تتحدث عما قامت ، عما أنجزته ( أعتبر ترجمتها لرواية أحلام مستغانمي ” ذاكرة الجسد” إنجازاً إبداعياً، أو انعطافة أدبية، وجسارة أنثى، تحاول الخروج من قمقم التاريخ الذكوري، وبكل شفافية الجسد المختلف ثقافياً، مهما كان الموقف من الترجمة هذه)، بقدرما أحالت القارىء، أو المستمع إلى ” ذاكرة جسد:ها” كردياً، وما رافق الرواية العربية هذه، من سيَر أقلام متفاوتة الأبعاد دلالياً، والتفافات، ومكاشفات، واهتمامات لا تخفى، بقدرما ذكَّى الاهتمام الصاعد والمتشعب، نشوةَ الذات الأخرى، وهي تمارس ترجمتها، أن تكون جانا، أحلامَ مستغانمي الكردية، بذات الصيت المدوّي، كما هو المقروء في حوارها الذي ترجَمتُه، وسيُقرَأ لاحقاُ هنا، وربما نبَّهت لغة الحوار المتلفزة( جانب العراضة النفسية، ولو لاشعورياً)، إلى ما يُبقي جسد الأخرى في الخلف، من ” جسدها” الاعتباري، وهي تبورم( من البانوراما)، مشهديات السرد الذاتي الخاصة بترجمتها عملياً.
إن محاولة استشراف ما سعت إليه جانا، وما استطاعت إنجازه، على صعيد فعل الترجمة، أظنها، بادية، من خلال بنية القول، باعتباره خطاب الذات الناطقة، وصورة الذات الدهليزية هذه، في مرآة، الكاتبة، قبل كل شيء، انطلاقاً من اعتبارها شاعرة، بالدرجة الأولى، لأنها تعيد مجمل ما تشير إليه إلى نسَب شعري، تنهمُّ به، وإن لم تحدده بدقة أحياناً، وهي الصورة التي برزت في ذروة المكاشفة، من جهة لفت النظر، إذ لا تخفي ذات المتكلمة التماعةَ الصورة بأناها الشخصية، وهي تضع كل ما يخص الثقافة التي تننتمي إليها، في نطاق مرصدها التقويمي، أو في سلة الأنا المتدلاة في زحمة الكلمات المنطوقة، كما هو المستشَف قراءةً.، وحيث يمكن المقارنة بين الوارد الوصفي والشعروائي في ” ذاكرة الجسد” وما تخلل مجموعة من نصوص جانا الشعرية، حيث أحيل، على الأقل، إلى ( ست قصائد- متأخّر الجرح- مهاباد- أمي، أسرار، أرض أخرى..الخ، ومراجعة ديوانيها: الليلة الأخيرة، و: يد المساء، ستكون مثمرة أكثر هنا، وهما غير متوفرين عندي)، من جهة التشابه، أو التأثر، أو حتى الاختلاف طبعاً.
الترجمة تُقرَأ من خلال النص الحواري، مثلما النص الحواري، يستعجل القراءة، لتبيان مدى التفاعل بين الحالتين، ولو أن المعني الحِرفي، بلغة الخطاب المتشكل حوارياً، يتلمس حراكاً نفسياً عابراً لحدود الذات الشخصية، لأن ثمة منبرية، ثمة استحكامات في المعنى المباشر.
وهنا تكمن الخشية، وبدقة أكثر، تُسمي الخشية الآخرَ، في حركة ذهاب وإياب، إذ كل إحالة إلى موضوعة الترجمة، تحثُّ القارىء على قراءة النص المترجَم، وكل قراءة لجانب من النص المترجم/ تعيده إلى المنطوق به في النص الحواري، إلى فاعله، وذمَّته، وبينيات صور الذات.
على خط التماس:
على خط التماس، ثمة رؤية للكثير من الحدود غير المحمية، للكاتبة: الشاعرة والمترجمة، من خلال اللغة، وأنا أتحدث تحديداً، عما أسميه بـ( وعي الذات الكردية)، من خلال فعل الترجمة: فعل اختيار، واختيارفعل في التعامل والتفاعل، حيث أن جانا، لا تني، تذكّر بالجانب الإرشادي المزعوم، في مسعاها، أي بما تعتبره قفزة في المجهول التاريخي، كردياً طبعاً، والذي استطاعت وحدها طيه رمزياً بترجمتها.
على الأقل، من خلال الكم الوافر، والمقلق مباشرة من المفردات، التي تقلل من فاعلية المعتبَر فتحاً أدبياً وثقافياً، لأنها احتوت تاريخاً كاملاً، وهي تشير إلى دور الترجمة في التاريخ، وما كان عليه التاريخ( في العصر العباسي)، وما برزت به من خلاله المرأة( إيزابيل الليندي)، ومن يكون المترجم الفعلي، ومن هو الأجدر في التذكير به …الخ. إن هذه القائمة من المفردات العربية، وهي التي تتخلل، نصها الحواري، وعلى لسانها، ودون التدقيق في مدى دقتها اللغوية:
(temam kopyayê-xizmet-hedekî-cumleyek-famkir-cesaret-mudaxele-mehele-fikir-edebiyat-nesir- dereceye- tesîr-alem-zewq-muhûm- yanî-hewce-xeter-elimînî-wesîfe- feyde- tade-cînsiyet-bahsa-macbûr- lazim..
هي أشبه بشاهد قضائي فوري التدخل غالباً، في مقاربة الملتبس، و تعليم المفارقات الحاصلة!
ترتد إلى اللغة، وهذه ترتد عنها، في الشأن الضروري لها، إذ يتحول اعتماد مفردات دون أخرى، أحياناً، تجنياً على اللغة، ومكراً بها بالذات، وهي تشدد على اللغة( لغتها هنا)، كما لو أن التسمية مبارحة المكان، طلبٌ للأفضل، وهي تنقلب إلى مراوحة، أو مسافحة لذات اللغة، وتضييقاً عليها.
ماذا يعني استعمالها للقائمة اللافتة والمخيفة من المفردات الآنفة الذكر، سوى ما لا يراد الكشف عنه تصدعاً، أو عنفاً من الداخل على الداخل، عنف قهري يوجه مسيرة لغتها.
وحين تعتمد مفردة Erdangarî، مقابلاً للجغرافياً، رغم أن الجغرافيا، مصطلح مفهوم ومعتمد، ولا يسيء إلى جوهر اللغة، مصطلح عام، ومثلما أن مفردة kopî، وتعني المسودة، أو النسخة المصوَّرة، تجد مقابلها في الكردية، وهي تعرف ذلك، أي n destnivîsî، وكل ذلك يقلل من قيمة الرأسمال اللغوي الذي تتحدث فيه، أو ما تراهن عليه، وهي تشدد على أهمية التفاعل مع اللغة، وإتقانها، وفي الترجمة ثمة اللغتان، في الوقت الذي تكشف لغة الحوار، عن بؤس ملحوظ في الصياغة، عدا المتداول من مفردات عربية.
وحتى في التعبير عن حالة ما، والمزاوجة بين مفردة وأخرى، لا تكون من جنسها، إنما تنتمي إلى لغة أخرى، ليُظَن أنها من فئة دلالية أخرى، من اللغة ذاتها، أعني الكردي، كما في جواب السؤال( 20)، وفي جملة كهذه:
Ez nabêjim min daye rawestandin lê min daye sekinandin
إذ تكون الكلمة الأخيرة، وهي عربية( من السكون، الوقف)،مقابلة، بذات المعنى، للكلمة السابقةعليها( rawestandin: السكون، الوقف)، وهذا يصعّب مهمة ترجمة جملة كهذه، لأن ثمة نقصاً، أو خللاً في التعبير، فيكون التأويل، بمثابة شرلا بد منه(لا أقول عن أنني أوقفتُ العمل فيها. إنما أوقفتها)،وهي تتحدث عن رواية أزمعت على كتابتها، ولكنها توقفت، منتظرة فرصة لاحقة، للعودة إليها،كما أشارت إلى ذلك.وكما في مفردة أخرى، مثلاً، حين تحدثت،عن ( بعض) هؤلاء الذين يكتبون الشعر، في السجن، مستخدمة مفردة بالكردية، هي ( kesên PIçk)، وهي غير صحيحة إطلاقاً، من ناحية التعبير،أو الدلالة، أوالقيمة، لأنها تعني( قطعة صغيرة) بالنسبة للمفردة الأولى، وليتها اعتمدت الثانية( di zindanan de ne kesin hene: ثمة من هم في السجون)، أي أنها مادية حصراً، أما الدقيق، فهو( hinek) أو ( kesin)، مما يخص العاقل .
من جهة أخرى، لا يبدو على جانا أنها معنية بالترجمة كترجمة، بالجانب التثاقفي في الترجمة ولها معاً، فهي لكي تؤكد معيارية القول هنا، وجمالية الرؤية الأدبية والذاتية، لِما تفوهت به، كان عليها، أن تفتح باباً أمام القارىء، ليطَّلع على الحمولة المعرفية، أو الأدبية المدَّخرة في العمل.
إذ من أصل عشرين سؤالاً ونيّف، توزعت الأسئلة بين التركيز على العمل المترجَم إلى الكردية، ( نصف الأسئلة تقريباً)، والشعر والرواية، والمرأة وصلتها باللغة والأدب …الخ.
لكن ما لا يجب تفويته، أو تجاهله، هو أن أغلبية الإجابات، كما هي الأسئلة، حامت في فضاء العموميات، وبقيت أرضية الحوار الفعلية غير منظورة، وبدءاً من التعريف غير الدقيق بالرواية، بأنها مقسمة إلى ثلاثة أقسام أو أجزاء أو فصول،sê cîldan؟، وهي مكونة أساساً، من ستة أقسام، أوفصول، كما في الرواية العربية، أو في الرواية المترجمة عنها كردياً.
ولهذا أشدد، على كل كلمة أقولها هنا، فأشير أولاً، إلى أن الحوار، كما يسمى ( hevpeyvîn)، لا وجود له على الإطلاق تقريباً، إذ ليس من سؤال بشاهد حضورٍ تجاذبي، حيث لم تلمس المحاورة” ربحان سرحان” وهي شاعرة، تكتب الشعرالحداثي، أياً من المعالم الخاصة بما تهتم به جانا،، ولا جانا تطرقت إلى ما هو لافت، أي التأكيد على أن ربحان، مطلعة، على أمور تخص الترجمة، أو على الرواية المترجمة، وغيرها، ولا جانا لجأت إلى إدخال القارىء معها، إلى جو الحدث، إلى سبب اختيارها للرواية، من خلال أمثلة، وقرائن، إذ لا يكفي أن تشير إلى تشابه بين وضعين، ليتأكد الحال من محاله، إنه قفز في الفراغ بالمقال( لماذا، مثلاً جرى السرد الروائي بلسان ذكَر، هو خالد طوبال الرسام، ومن قبل الروائية، وبتلك اللغة الشاعرية، ولماذا كان لها هذا الصيت، ألأنها عرَّفت بالمرأة كبدعة مختلفة أم أن هنا أمراً آخر لا يسمى؟
نعم، بقدر ما كان الحوار قائماً، ومن خلال الأسئلة، بقدر ما كان مفهوم الحوار غائباً كلياً، إذ كان ثمة تباعد بين الاثنتين، حيث لا يظهر البتة، على ربحان أنها اطَّلعت على نتاج جانا( أتحدث عما تضمنَّه الحوار من كلام، ولا يعنيني ما إذا كانت قرأت لجانا شعراً أو ترجمة، أم لا، فالنص الموجود، هو الحكم الفصل أولاً وأخيراً!)، حيث الأسئلة لا صلة لها، بالموضوع المعرفي، بإحالة الآخر، إلى شاهد عيان، يبوح ببعض مما هو متكتَّم عليه، من خلال الحوار الدائر، ولا بدا على جانا، أنها عانت من سؤال ما، سوَّقت معرفياً ما يلزم، في سؤال يتحرك من الداخل، وهذا البائس في الموضوع الذي لا يلتفَت إليه، والذي يسمح بظهورأصناف تترى من أمّيي اللغة والثقافة والصور الجانبية، وهي تمارس تقويماً لسواها، من موقع الندية وتأكيد الأنا.
وفي الوقت ذاته، لأن عدم التداخل، لا ينتج إلا قهراً متشعباً، ومتنامياً، وخراب قيمة الثقافة ( انظر حول ذلك، مثلاً ” مكان تغمره الخصوصية” حوارات مع ساراماجو، بورخس، كورتاثار، بولز، أوستر”، الترجمة العربية، مصر،2006).
أقول هنا، وأنا أشير إلى الرواية: موضوع الحوار المفترض أساساً، إن إسناد الرواية كبنية معمارية، إلى ذكَر حصيف، مأخوذ بالرسم، وما يعنيه مفهون الفن والفنان تاريخياً، وللتمييز بين الذكورة والأنوثة، يعكس البعد النفسي الأهم للمرأة، للروائية بالذات، فثمة فحولة معكوسة، وثمة انغواء أنثوي، بالحديث الذكوري عن الجسد الأنثوي المفجوع، وصيت الرواية، وحتى الاحتفاء بها” نيلها لجائزة نجيب محفوظ، مثلاُ، قبل سنوات)، لا يبتعد عن هذه الأنوثة الولائمية المقدَّمة للرجل، للذكر بامتياز، كما لو أن ثمة استحساناً فقهياً لهذا الانضواء تحت راية الذكورة الشرقية، وتكون براعةُ الرواية مسخَّرة، وهي في نعظها الجارف، مطلوبَ الذكر، أي أن ثمة سيكولوجيا المرأة المقهورة، حيث أن الرواية، لو تم تقديمها بمنطق الرواية، من خلال إبعاد هواميات اللغة، في شاعرية مقاماتها، وعنف المألوف التاريخي فيها، لما تجاوزت المائة صفحة، وهي في توضعها تدمر الجسد بإيروتيكيا أنثوية موجهة ضمناً، كما كتبتُ عن ذلك، في أكثر من مقال، في أكثر من دورية عربية، قبل سنوات، ولعل جانا، ودون أن تدري، أو تستشعر ما وراء رؤية الجسد المستفحل ذكورياً، وبطابع أنثوي في النص، تتماهى مع هذا البعد الجندري، أي الجنساني، بالمعنى الاجتماعي النفسي، حيث تتلاقى رغبتها مع رغبة تلك، لأن موضوعة الجزائر والثورة الجزائرية، والميراث المنهوب للثورة لاحقاً، شكلت استلهامات لمجمل كتاب الجزائر( رشيد بوجدرة، الطاهر وطار، واسيني الأعرج ..الخ)، وبمعنى آخر، يمكن اعتبار مجمل ( ذاكرة الجسد)، بوضعية السرد ذي النفَس الحار جداً، الحد الأقصى من التمادي في تبيان طغيان الفحولة المحلوم بها ذكورياً، رغم كامل التوصيف المركَّز على الجغرافيا السياسية والتاريخية الجزائرية، ولكنها تنمحق في الجسد، الجسد الموصوف من جهة المرأة، وباسمها، على لسان الذكر، لتكون الرواية في معتركها الدلالي، التمثيل التدريجي بجسد الأنثى وصفياً، وهدره قيمياً.
جانا، تنطلق من أحلام، تتمثلها تصورياً، لتسرد تاريخاً، يعنيها، لا تكتشف وباء العنف المنتثر في صميم العلاقة بين جسد السارد، وجسد الموجّه له، بين المعجبَة بالرواية، والمتجاهلة لما وراء الإعجاب هذا، حيث الدفق اللغوي، صورة من صور السادية الذكورية الهائلة والمشتهاة هنا، إذ الكلام الذكوري يحتكر الجسد المتعدد الجنسيات والمقاييس، والجسد الأنثوي محوَّر، بالتنازل الذاتي عنه( سطو الذات على الذات بالذات غوايةً) من خلال الكاتبة بالذات، حيث استمرارالسرد الذكري الطابع، لا يعدو أن يكون حضوراً ديمومياً له، اعترافاً صكياً باستثنائية تكوينه الحدثي التاريخي والقيمومي، وإبقاء الأنثى في الظل، أو برسم الوكالة، وهي مبتدعة بلسان رغبة الذكر.
وربما من هذا المنطلق، تكون هي معنية، بتلك الكتابات التي تتلمس فيها الصدى النفسي، لذاتها، في لاشعورها، بالقدر الذي تتقدم من الآخر: الذكر، على صعيد التعبير عن الرغبة من الداخل، حيث الشعر الحداثي، في مضمونه الجميل تدفق أطياف، لا يخرج عن ( بيت الطاعة) الذكري، ولو أن فيض الكتابة، يشي بالمغاير، كما في انخطافها الاستهوائي غير المسمى ، بالكتابة المستغانمية، واهتمامها الألف ليلاتي، وليس بكتابات أخرى، من ناحية الترجمة( مثلاُ، لماذا لم تترجم لسليم بركات، حيث تختفي حدود النثر والشعر في كتاباته كثيراً، عدا عن أمور أخرى، تكون مدرَكة من جهتها؟ أليس لأن لغة بركات، غير لغة الأخرى؟ وأن ثمة أموراً أخرى، تفتح لها الطريق أكثر، بعيداً عن مساءلة، لا داعي لتسميتها؟ وإن كانت في ” أرض” بعيدة؟؟؟!).
وكان في وسع المترجمة، أن تبرز حرصها على ما هوتاريخي أفقي، بالتحرك عمودياً، في تبيان المقابل الكردي، وليس بإطلاق قول عابر وليس سابراً” ثمة تشابه، بين ما هوكردي وجزائري”، أن تشير إلى ما هو مماثل في الرواية الكردية، وفي هذا الشأن : محمد اوزون، فرات جوري، حليم يوسف، جان دوست، لالش قاسو، لقمان بولات…الخ)، وليس تذكيرها بأنها تعكف على ترجمة ( ألف ليلة وليلة)، إلا استمراراً لهذا الخط، خط الأنثى المهدورة، غير المفهومة، من قبل الأنثى الكاتبة، خصوصاً، كما يجب، فشهرزاد، هي أبعد ما تكون عن الأنثى الفعلية، إن كل حكاياتها، في المجمل، تنتهي بهزيمة المرأة، أو بإبراز مكرها، وخياناتها المتتالية( على هذا قامت الليالي، هذه المفردة التي تشد المرأة كلاسياً إليها، ورمزياً)، وانتهاء الكتاب( أطلس حكايات الأنثى المشرَّقة بامتياز)، بالتوقف عن قتلها، شهريارياً، ليس لأنها أكدت انتصارها،بالعكس تماماً! وإنما أصَّلت مشروعية الرجل: الذكر، في أن يمثل المرأة، حيث شهرزاد، أنثى في هيئة ذكر في السرد الحكائي الليلاتي، كما أكدتُ على ذلك، في العديد من مقالاتي المنشورة في الصحافة العربية، وهي ذات النهاية، دلالياً، ومن باب الطرافة، تلك التي تعلمنا بها قصة زكريا تامر ( النمور في اليوم العاشر)، ذات القصة التي تشكل عنواناً لإحدى مجموعاته القصصية، حيث أُجبِِر النمر، وهو في قفص، على أن يأكل العشب، أن يقلد صوت الحمار تالياً، ليطعَم لحماً فيما بعد، وتالي التالي، يصبح القفص مدينة، والنمر مواطناً، وبالتوازي، تكون شهرزاد المرأة المعتبَرة النمرة المروَّضة، موطنة الرجل الذكر، والقفص مدينتها، حتى اللحظة.
جانا تتحدث عن الترجمة، دون أن تحدثنا بشيء، شيء ملموس، وكذلك المحاورة، حيث أن ذلك يذكرنا بغالبية المسمى بـ( الحوارات)، كما لو أن في وسع أي كان أن يصبح محاوراً، والحوار ليس هكذا كلياً، وأن في وسع أي كان، أن يتحاور مع سواه، أن يحاوره، ليكون المضحى به، هو الحوار نفسه، كما هي الأمية المستفحلة بين أسماء تفيرس سواها انترنتياً وخارجه.
تتحدث وتشتكي( ولو أنها في مكان آخر، في حوار مختلف، أشارت إلى أنها تقوم على ترجمة”منمنمات تاريخية” لسعدالله ونوس، حصراً، أي في موقع” حجلنامه” الالكتروني)، كما لو أنها تعيش انفتاحاً على مجمل النصوص الكردية، وبلغات مختلفة هنا( الكردية والعربية، على الأقل)، ما يكتَب عنها، وعن غيرها، في متابعات مختلفة، إطلاقاً من نزوع ذاتي، كما هو المقروء ببساطة، في صوتها الشكَّائي.
تقول عن أن الرواية بقيت سبع سنوت، لتطبع من جديد( ربما من هنا، ولهذا السبب، تتحدث عن دكتاتورية دور النشر الكردية، كما في حوار معها، في الموقع المذكور سالفاً)، وتشير في الوقت ذاته، إلى أنها قدِمت إلى استنبول سنة 2000، وأن اتفاقاً، كما يظهر، قد تم، بصدد ما يجب ترجمته، فكانت ( ذاكرة الجسد)، وهذا يعني، إما أن الترجمة كانت جاهزة، أي منجزة، منذ سنة 1999، حيث ظهورها مترجمة، كان سنة 2006، أو أن ثمة خطأ ما، ينبغي تدقيقه، مثلما أنها تذكّر بأن الرواية، في الحالة الأولى، تمت محاولة طباعتها، بأخطائها، لكن العمل توقف، وأن تنقيحاً ما، قد تم، ولكن المترجمة لم تستطع إنجاز العمل( التنقيح)، أو( الأخطاء الحاصلة) في ليلة واحدة، وتشير إلى أنه كان لابد من طباعة العمل، في وقته، دون ذكر الأسباب( هل كان ثمة اتفاق ما، وعد ما، مع طرف، جهة ما، لكل ذلك؟)، وهل حقاً، أن المترجمة، حاولت تدارك بعض الأخطاء” اللغوية” أم الفنية؟ هل حاولت مراجعة العمل، وماذا راجعت فيه…؟، وهي تحدد أن كل ما حصل، من تغيير، فبعلم منها! لأنني، اعتمدت على القسم الأول من الرواية ، في تبيان، ليس العثرات، إنما الأخطاء القاتلة، كما سيُذكَر ذلك في حينه لاحقاً، أم أن كل ذلك، مجرد قول ” إنشائي/ خواطري)؟؟
وفي الحالة هذه، أشير إلى مدى تأكيد المترجمة، على أن الروائية عبَّرت عن سعادتها كثيراً، لأن روايتها ستُترجم إلى الكردية، ويعني ذلك أنها فرحت بفرحها، سعدت بموفقها ذاك، وهذا مفرح، ولكن، هل حاولت المترجمة مراعاة هذا الجانب، وما يمكن أن يكون موقف أحلام، إذا أُخبِرت أن روايتها لم تترجَم، كما ينبغي، لم تحافَظ على روحها الشعرية، في الحد الأدنى؟ ألا ينقلب الشعور الإيجابي، إلى أكثر مما هو سلبي؟ لأن العمل المترجَم، يمتُّ إلى المترجمة أكثر مما ينسّب، بتحوله ذاك، إلى الروائية. إنني أتخوف من أي عمل أقول بترجمته، ولو كان قصيدة، لئلا يكون اعتدادي بنفسي وبالاً علي، أو على الأقل، مسبب نقد مضاعف يوجَّه إلي، في هذا المنحى!
تتحدث جانا عن الترجمة، وفاعلية الترجمة تاريخياً، وهي تتحدث عن العصر العباسي، فقط لأنها ترجمت رواية، وهي في العقد الثالث من عمرها، لتزحزح الموضوع زاوية كاملة، أولاً، لأن الترجمة في العصر، موضوع مقحم في موضوع، ملجَم كثيراً، فالذين ترجموا لم يكونوا عرباً في الغالب، وهذا له اعتبارات أخرى، لا داعي لذكرها، وأن العرب لم يترجموا وقتذاك كل شيء، أي ما هو أدبي بالذات( الملاحم والمسرحيات)، لأسباب دينية ومعتقداتية وغيرها، ولأن الموضوع يخص الرواية ثانياً، ومن جهة الترجمة، كان عليها أن تشدد على مكانة الرواية تاريخياً، أن تركز على سبب عدم وجود روائية كردية، مثلما أن أمثلتها عن الذين ترجموا الأدب، كانت بحاجة إلى ضبط الاتجاه( جان دوست ترجم إلى العربية، وغيره ترجم بالعكس إلى الكردية، مصطفى آيدوغان، مثلاً) وكل لغة لها تاريخها حيث لا يجوز التقابل، لاختلاف الظروف،وثمة آخرون مارسوا الترجمة إلى الكردية، من خلال لغات أخرى( حسن مته وسواه)، وبهذا الصدد، فإن تقويمها للمترجم الكردي، ليس دقيقاً على الإطلاق، حيث الحكم كان قطعياً، وهي تنطلق من تجربة خاصة بها، وهذه التجربة، ما زلت في طور الاختبار، وكما حاولتُ القيام بذلك، من خلال نماذج مختلفة، مختارة، توزعت في صفحات كثيرة، في رواية( ذاكرة الجسد) المترجمة كردياً. والمشكل، هو أنها شددت على هذه الرواية، باعتبارها ترجمتها، دون أن تقف عند محاولاتها الأخرى، أي عما حاولت ترجمته سابقاً، في بداياتها، كما هو المقروء في حوارها الآخر، كتجربة أولى،لا بد من التذكير بها، وهي تذكر أسماء عديدة، مثل محمود درويش، ونوس، جبران خليل جبران..الخ، مثلما تسمي المنابر التي نشرت فيها، مثل جريدة البعث، ومجلة مواسم، سابقاً، والأكثر من ذلك، كيف أنها تحولت إلى الكردية، لعدم تمكنها من العربية، وأظن أن في ذلك شططاً، أو عدم وضوح في الصيغة، لأن ترجمة ” ذاكرة الجسد” تتطلب جهداً مضاعفاً، من ناحية اللغة العربية فقهاً ووضوح مفردات، وإشكالية بناء جملة، وتداعيات تفسيرها.).
إن جانا، وهي تندفع في حديثها عن المرأة الكردية، وما هي عليه واقعاً، وخصوصهاً ، عن دورها في المجتمع، ومن ناحية حماية اللغة، استمرارٌ لوعي ذات، يتطلب وعي ذات أكثر موضوعياً، وهي تتحرك في الظل من تأثير أحلام مستغانمي فيها( تتحدث، وتقوّم، وتفرّق، وتسمي، كما لو أنها ذات الروائية)، فالذكورة لا زالت طاغية في اللغة العربية، والكردية مختومة بالذكورة تاريخياً واجتماعياً بدورها.
نعم، أجدني، مشدداً، على وعورة الترجمة، صعوبة الأخذ بها فناً ذاتياً، يمكن التباهي به أحياناً.
وإذا كان مثالها حول أن الرواية المترجمة، تشكل قصيدة واحدة، أونصاً واحداً، وما يعنيه هذا، من بذل المزيد من الجهد، حيث اللغة الكردية ليست في مستوى اللغة المقابلة، فإن ذلك، يشكل أول العتبة، ولا يكون معياراً واضح الأبعاد، أولاً، لأن رواية أحلام، تظهر في جمل طويلة، وقصيرة، وقصيرة أكثر( في المشاهد الحوارية)، وأن ثمة روايات كردية ثانياً، تقدم هذا التأكيد، على أن سيرورة سردية قائمة فيها،وبنوع من الدوران، كما هي القصيدة الدائرية أحياناً( في رواية” أيام حسو الثلاثة” للالش قاسو، و ” صرخة دجلة” لمحمد اوزون، و: القيامة” لحسن مته، و ” مدينة الضباب” لجان دوست…الخ)، وأن الحديث عن اختلاف جنساني، في اللغة، ليس بالمعضلة الحائلة دون اعتماد البديل الأدبي، فهذه علامة فارقة لكل اللغات، وخصوصاً، حين تورد جانا مثالاً، أي ( المدينة) باعتبارها مؤنثاً في العربية، وذكر في الكردية، إذ يمكن اللجوء إلى البديل الأنجع والأدق، منbajar، أي :şar، أو حتى şehr، فهذه المفردة أنثى( vê şariyê : هذه المدينة)، وأرى أن هذه المفردة تستجيب لروح المعنى المكاني والتاريخي، أكثر من الأولى، والتي تكون ضمن الثانية ( bajar) مع(bazar)، وهذه الأخيرة تكون ( السوق)، وربما تتضمن الجباية أو الضريبة تجارياً، أي أن قدرات المترجم هي التي تشكل تحدياً له وللغة معاً.
إن قراءة نص الحوار التالي، كما أعتقد، تفتح أفقاً للحوار، في أكثر من اتجاه !


( نص حوار/ مقابلة، مع جانا سيداتي وسادتي:” أجرت الحوار: ريحان سرحان” )#


1- س: حضرة السيدة جانا، هل يمكنك أن تعرّفي بنفسك؟
ج- ولدتُ سنة 1976، شمال غرب( ؟).. في مدينة عامودا التابعة لقامشلو. ترعرعت في حلب ( في كوباني)،( في الجامعة)،سجَّلتُ في قسم الجغرافيا،.. ولم أكمله.مارست قرض الشعرمنذ صغري،بدايةً،كنت أكتب بالعربية. حيث نُشرَت قصائدي وكتاباتي في الكثير من المجلات والجرائد العربية .وباشرتُ كتابة الشعر بالكردية، وأنا في الخامسة عشرة من عمري،وأكتب منذ ذلك الوقت إلى الآن .وقد طبع لي ديوانان شعريان،وكتابُ ترجمة، وراهنا، وفي نهاية هذا الشهر، سيطبَع لي ديوان شعرجديد ( يعني أنه صدر الآن. توضيح من المترجم)، والآن، أقوم بترجمة ( ألف ليلة وليلة)، لحساب دار نشر آرام، في آمد، وثمة أعمال أخرى أيضاً.
2- س: لماذا وجدت ضرورة، في ترجمة ( ذاكرة الجسد) إلى اللغة الكردية… هل يمكنك توضيح هذه النقطة؟
ج: جئت إلى استنبول سنة 2000، وخططنا، أنا والمسؤولين عن دار نشر آفستا، لمشاريع تخص كاتبات من النساء العربيات، ، مثل خادم سلام( أهي غادة السمان؟ أم من سواها- توضيح استفساري من المترجِم)، إذ ترجم كتابٌ لها إلى التركية، وهناك هدى بركات، وأحلام مستغانمي، وكنت قد قرأت ” أحلام مستغانمي” حديثاً، في روايتها (ذاكرة الجسد)، إذ إنني لما قرأتها، شدَّتني إليها كثيراً، لأنها كانت قريبة جداً، من الواقع الكردي، قريبة من ثوراتهم، من آلامهم، من حسراتهم. حيث رغبت في أن أترجمها أولاً. طبعاً كانت تشكل مشروعاً كبيراً، إن ذاكرة الجسد، تتألف من ثلاثة أقسام،كما لو أنها ثلاث روايات جمعت في كتاب واحد، وللأسف، ولأنها لم تطبَع سريعاً، وبعد سبع سنوات، بُدىء بطباعتها، لهذا السبب،أبصرت النور وحدَها. يعني أنها في المجمل، كانت شبه مشروع غالباً. وقد وضعنا مشروعاً، وهذه كانت أحد هذه المشاريع. وبسبب تأخرطباعتها، حدا بي الأمر، إلى عدَم ترجمة سواها ..
3- س: لماذا تأخرتِ، ما هي الأسباب؟
ج: في ذلك الوقت، لم يكن البريد الالكتروني موجوداً، ولكي أتمكن من تسفيرها، سلمتُها إلى شخص ما،ليوصلها إلى دار النشر. وقتها، كانت ستُطبَع في أربعمائة صفحة، مع أخطائها أيضاً، لكنني ما كنت أقدر أن أراجعها كاملة، وفي ليلة واحدة، وأنقحها، وبعد ذلك، تعطَّل الكومبيوتر،وأُتلَِفت كل الأوراق،في الحالة هذه، فقط كانت مسودة الترجمة، لدى دار النشر:آفستا، ولأنهم بدورهم لا يستطيعون وحدهم تدارك الوضع، بقي الكتاب في انتظاري، حتى مجيئي الشخصي، وتم إنجاز العمل، ورغم ذلك ما زال هناك ثغرات أيضاً، ولكن، ولأن الوقت تداركنا، فقد دفعنا بالكتاب إلى الطباعة،إذ ما كنا نستطيع إنهاء العمل، حيث كان علينا الشروع من البداية، وبهذه الصورة …
4- س:لأنها كانت المرة الأولى التي ترجمتِ فيها رواية بالكردية،تُرى ما هي نوعية الصعوبات التي واجهِتها، ما هي الصعوبات التي تعرَّضت لها، أثناء ترجمة ” ذاكرة الجسد”؟
ج: الصعوبات كانت كثيرة. قبل كل شيء، كانت الرواية مكتوبة بلغة الشعر.ومن يترجم الشعرَ، يدرك ذلك جيداً. الساحة التي يمكنك أن تغزين فيها الصفحة. السعادة التي تستطيعين تلمُّسها في ترجمتك، محدودة جداً،لأنك محكومة بالنص الشعري. لهذا السبب، ما كنت أستطيع أن أكتب كثيراً بملء تفكيري، كنت مقيدة بالنص العربي. النقطة الأخرى، لأن اللغة العربية، اللغة التي تم تخديمها كثيراً، إلى درجة أنه يمكن تمرير أمور كثيرة، من خلال الجملة الواحدة، وفي الكردية، يجب التأني كثيراً، لكي تتمكني من تثبيت الجملة تلك على السطر،في العربية عندما تأتي الجملة طويلة، يسهل فهمها، أما في الكردية، فيصعب ذلك.في العربية، ألّف كتابٌ، بجملة واحدة، في الكردية، هذا ليس بسهل،عليك بشرح الأمر، وعندما تشرحين الشعر، تقتلينه. الكثافة والرصانة ضرورتان للشعر. ومن المعلوم، أن لغتها، كثيفة ومتناسقة، كان ثمة أمور كثيرة، لها صلة بالثقافة العربية، وعندما باشرتُ الترجمة باللغة الكردية، تجاوزت رهبتي تلك، هذا من جانب، ومن جانب آخر، ثمة أمور أخرى اعترضتني. سأورد مثالاً، إن مفردة المدينة بالعربية هي أنثى، أما في الكردية فذكر، وعندما ينظر بطل الرواية إلى حبيبته، تتوحد كل من الحبيبة والمدينة، أما في الكردية، فثمة معضلة . يعني لو أنه قيل ” ثوبك من ثوب مدينته”، وبالكردية، يغدو الثوب ذلك في منتهى الإضحاك ، لهذا السبب عانيت كثيراً .

5- س: أبداً، لم تطلبي مساعدة من طرف ما؟
ج: حتى اللحظة هذه، لم يساعدني، أيٌّ كان، في هذا النص، المساعدة الوحيدة تمت، عندما بدىء بنشر النتاج، دار نشر آفستا، غيرَت في بعض الأشياء، وهي فعلت ذلك، كونها الجهة الطابعة، وهذا لم يتم أيضاً إلا بعد موافقتي، في نقاط كثيرة، أقول ذلك بالمقابل، ، بسبب صغر سني وقتذاك ، حيث كانت تجربتي في ذلك الحين محدودة جداً، وأقول، ثمة أمور كثيرة، أثرت سلباً فيها، وأنا لا أتفاخر بنفسي كثيراً، في ترجمتها، سوى أنني أعتقد أنني عملت ما هو مفيد .

6- س: هل من مقترحات أو انتقادات ،حتى الآن، بصدد الكتاب، أم ؟

ج : للأسف حتى الآن، لا حاولَ أحدهم الكتابة عنه، ولا حاول أحدهم أيضاً،قول شيء ما، لي، كثيرون قالوا: إنه كتاب جميل، جميل، ولكن بأي معنى، هو هكذا؟ أريد أن أفهم؟ لأن هذا الكتاب، حتى الآن، لو تم نقده، لمَا تجرأتُ على كتابة أعمال أخرى، الآن أقوم بترجمة هذه الأعمال، كوني استمددت القوة مما تقدم، وربما كان في صمت القراء، ما هو سلبي أيضاً.
7- س: هل طلبتِ موافقة أحلام مستغانمي، كاتبة ( ذاكرة الجسد)، لترجمتها؟

ج: هي على علم بذلك. قبل أن أطلب موافقتها على الترجمة، طلبت إجراء حوار معها، حينها كنتُ ممثلة صحيفة لـ( حرية الوطن Azadiya Welat)، في سوريا، وهي وافقت، ولكنها استمهلتني وقتاً، وبعد الحوار، طلبتُ موافقتها على الترجمة، وقد كانت في غاية السعادة والسرور، إذ إنها في الكثير من برامجها الحوارية والتلفزيونية، قالت على أن كتابها سوف يترجَم إلى الكردية، وكانت تعبّر عن سعادتها صراحةً. إلى درجة أن عبارة لها، ذاع صيتها، وهي في قولها ” لأن اللغة الكردية قريبة من اللغة الألمانية،والانكليزية، أكون سعيدة جداً، حين تُترَجم ذاكرة الجسد إلى اللغة الكردية، إنني سعيدة تماماً “، كون الرواية هذه، ترجمَت إلى لغات كثيرة: إلى الصينية، والفرنسية، والانكليزية، والإيطالية، لهذا السبب، كانت دعامة كبيرة لي، لكنها للأسف، ظهرت متأخراً، والترجمة إلى الصورانية، ظهرت قبل سنتين أيضاً، وقد فرحت لأنها ظهرت مترجمة بالصورانية، إنما من أجلي، كانت مبعث همٍّ، لأنني أنجزتها قبل الصورانية. بالنسبة للعرب أيضاً، الصورانية، أوالكرمانجية،هم لا يستوعبونها، فهي عندهم، تكون في الحالتين ترجمة كردية. إنهم لا يستوعبون المشاكل التي نعيشها.

8- س: ثمة قرَّاء لهذا الكتاب يقولون، على أنهم لا يمكنهم قراءة الكتاب هذا، خارجاً، لأن صورة الغلاف، تمثل امرأة عارية، لماذا هذه الصورة؟
ج: لست أنا من اختارته. ذلك كان عمل دار النشر، هم من اختاروا، الرواية حتى الآن ظهرت في خمس عشرة طبعة، وفي كل طبعة، ثمة غلاف مغاير طباعةً. في وسطنا الأدبي، في الأمور المتعلقة بالنشر، لا يُسمَح لنا كثيراً، في أن نختار بعض الأمور، حتى بالنسبة لديوانيَّ الشعريين، ما كان في وسعي التدخل في الاختيار، وهنا، بالمقابل، كثيرون انتقدوا، لأن ثمة امرأة عارية، ثمة امرأة، وبصراحة، هي ليست بصورة فنية، إنما هي صورة مركَّبة كومبيوترياً، وسؤال الصورة، يجب أن يوجّه إلى دار النشر، وربما كانت هكذا للفت النظر، لكنني أقول ثانية، في أنني لا أعلم. إلا أنني أقول هذه، وهي: لماذا ما كنت أريد على أن يظهر غلاف هكذا، لأن الجسد الذي هو في الرواية، ليس هو الجسد العاري ذاك، إنه جسد ذلك البطل، ذاك الذي فقد ذراعاً له في الحرب، لهذا ما كنتُ موافقةً، ليظهر الغلاف هكذا، الجسد ذاك، لم يكن جسد امرأة، صحيح، ثمة ما يخص الجسد، لكنه ليس جسد المرأة.
9- س: هل وصل الكتاب إلى أحلام مستغانمي؟
ج: كلا، لا أعتقد ذلك، إذ كان على دار النشر إرساله إليها، لكنني لست على يقين، في أنها استلمته. قريباً، سوف يصلها،، أنا سأرسله.
10- س: رواية ” ذاكرة الجسد”، نُسجِِت غالباً بلغة الشعر، ألأنك كنت شاعرة، بادرت إلى ترجمتها؟

ج: كوني أحببتها كثيراً رغبت في ترجمتها، كما ذكرت آنفاً، كانت مؤلَّفاً أثيراً إلى قلبي. حتى الآن، قرأت الكثير من الروايات الأوربية، الأمريكية، والكردية، لكن عندما قرأت الرواية هذه، بقيتُ تحت تأثيرها، من ألفها إلى يائها، لأن لغتها كانت شعرية انسيابية، لهذا السبب، ومنذ البداية، رغبت في أن أترجمها، حيث كانت قريبة من أحاسيسي.
11- س: كيف ترين واقع الترجمة الكردية، في الآونة الأخيرة؟

ج: لكي نتمكن من ترجمة عمل،لا بد من إتقان كلتا اللغتين، والمشكلة القائمة هنا، تكمن في أن اللغة الكردية، لا يتم إتقانها جيداً،ولأنه لا يمكن معرفة متعة لغة أخرى، حينها لا يمكنك الترجمة .إذ لكي أعرف أن لغتي رائعة، وأنها قابلة للتنويع، وأن الكلمة الواحدة، قادرة على التنوع في التعبير، يمكنها الظهور في الكتابة، في أوسع معنى، يمكنها أن تستجيب لي، في كتابة هذا العمل بلغتي،علي أن أستوعب اللغة هذه جيداً،أملي، هو، كما ترين، في المرحلة هذه، كيف يظهر الشعراء من جديد، وبعد أن يظهر الشعراء، وبعد أن تعتمد لغتنا كتابةَ النثر،وفي الرواية، تأتي الكتابة بالكردية، عندها يمكن التفكير في الترجمة. بالتأكيد، وغالباً ما كانت صحوة الأمم وانبعاثها بالترجمة.
والعرب ما كانوا يعرفون الفلسفة، بعد الفلسفة اليونانية، في العصرالعباسي، ظهر معنيون بالترجمة، حيث ترجموا الفلسفة تلك إلى العربية، وها هي فلسفة عربية قد تشكلت، طبعاً هي ليست عربية، إنما هي إسلامية. لكن العرب، هم يعتبرونها عائدة إليهم أكثر. تشكلت فلسفة عربية بفضل الترجمة، بفضل الترجمة هذه، تطورت آدابهم، أدب كل أمة، ملاحم هوميروس، ترجموها إلى لغتهم، ترجموا الملاحم الأقدم بلغتهم، استقدموا كل شيء من الشعوب الأخرى، ومزجوه بكتابتهم اليومية ، بأدبهم، بفضلها، تطورت لغات وآداب، وللأسف، في الكردية، حتى الآن، ثمة حضور قليل جداً للمترجمين. بوسعي ذكر بعض الأسماء، هناك مصطفى آيدوكان، حيث قرأت الكثير من نتاجاته، في ترجماته ليشار كمال، وفرات جوَري، بدوره ترجم عن اللغات الأجنبية، وقد قرأت ترجماته.
وثمة أسماء كثيرة أخرى، موجودة، إلا أنني لا أستطيع القول، بحزم، على أنها أسماء مترجمين. ولدينا، جان دوست، حيث ترجم مم وزين إلى العربية، بأسلوب معبّر تماماً. ثمة دور كبير جداً للترجمة، حيث يمكن القول صراحة، بأنها دشنت لثورات، صارت أسساً لها. وللأسف، نحن لا نقرأ نتاجاتنا، إذ بقدرما يمكنك الاطلاع على فكر الشعوب الأخرى، هكذا يكون تنامي فكرك .
12- س: من وجهة نظرك ، كيف هو دور المرأة الكردية، في الرواية والترجمة الكرديتين؟
لندع الترجمة جانباً، تُرى، مذ كان أحمد خاني، إلى يومنا هذا، كم هو عدد النساء اللواتي يكتبن، ويعبّرن عن واقعهن صراحةً؟ كذلك، كم يبلغ عدد النساء اللواتي، حيث تمكنََّ من غناء تلك الأغاني الشعبية التي يقال عن أنها ظهرت من خلال المرأة، بلسانها، إلى أي درجة تشكل هذه أدباً؟ في هذه الآداب، ثمة الفولكلور، ثمة الموسيقى، وحتى الآن لا نستطيع التفريق بينهما؟ لهذا، أقول، إن السؤال عن سبب عدم وجود النساء المترجمات، هو سؤال مبكر نوعاً ما؟ وحتى بالنسبة للواتي يمارسن الترجمة في العربية، هن قلة قليلة جداً، النساء ينشغلن بأمور كثيرة أخرى. وحتى الآن، النساء اللواتي يكتبن الرواية قلة جداً، في العالم قاطبة هن قلة.
وقبل أن أختتم كلمتي، أشير إلى إيزابيل الليندي، وهي من أميركا اللاتينية، إنها روائية مشهورة، فهي من جهتها، باشرت كتابة الرواية في عمر متقدم، وتقول عن أن ” التأثير الأهم الذي دفع بي إلى كتابة الرواية، جاء من طرف حكايات ألف ليلة وليلة”. إن النص الأكثر قدماً كان عربياً، طبعاً لم يكن باللغة العربية، لو لم يكن بفضل الترجمة، إن لم تتم ترجمة تلك إلى الاسبانية، كانت الكتابة ستشكل مشكلة، بالنسبة لهذه المرأة التي تقدَّم بها العمر، ولكن، لأنه كان عليها أن تفعل ذلك من أجل حفيدتها، لهذا، بفضل تلك الترجمة، وتأثير الخيال الكامن في تلك الحكايات، باشرَت كتابة الرواية، وصارت روائية ذائعة الصيت، وهي الآن، تكون صاحبة روايات مشهورة. في أميركا اللاتينية، وفي العالم أجمع.
إنني دائماً، أرى أن المرأة، في المجتمع الكردي، متخلفة صفاً، طبعاً حتى بالنسبة للرجل الكردي، لا أراه كما يجب متحرراً في هذا المقام. إذ ثمة ترجمات لكاوا الخالد، كم هو عدد الذين يقرؤونها، أريد أن أقول هنا، إن كاوا الخالد، الذي جدَّ كثيراً، من هو الذي قرأ ترجماته المطبوعة، والتي بلغت عشراً تقريباً؟ إنها معضلة، لهذا، فإن النساء في العالم، هن أميل من جهة الحب، إلى الشعر.
13- س: لماذا المرأة تجد نفسها هكذا في الشعر، وقريبة منه؟
ج: أرى أن النساء لا يردن في أن يُجهدن أنفسهن، والشعر هو الأسهل هنا.لأنني عندما أكتب الشعر، يكون ذلك سهلاً علي جداً، وبالنسبة لي، تكون ترجمة الرواية صعبة جداً. لأن لا أحد يسألني حينها، لماذا لم تضعي الصورة هنا، لماذا صغت الصورة الشعرية هذه، لقد صغتها، لأنني شاعرة، هكذا يكون القول، بالنسبة للعرب، حتى لو بقيت عند أي منهم كلمة واحدة، يقولون، عن أن ” معنى الشعر هو في قلب الشاعر”، أي أن المعنى ليس مهماً. أرى أن ثمة قهراً يخص الكسل الذي ألصقه المجتمع بالمرأة،في الوسط الأدبي نفسه، ثمة حضور قليل جداً للنساء الباحثات، إنهن لا يردن في أن يُجهِدن أنفسهن، بمعنى أن المرأة لا تريد أن تتغير حياتها، تقول إنني أم، إنني زوجة، أنا أعمل في الخارج، لا وقت كاف ٍلدي لأكتب الشعر، أما بالنسبة للبحث وما هي تحتاج إليه، فلا شأن لها به.
14 س: من وجهة نظرك، تُرى، هل في وسع أيٍّ كان، كتابة الشعر؟ بالنسبة لك، كيف تقيّمين واقع الشعر الكردي في الآونة الأخيرة.

ج: أنا أرى، أنه في وسع أي كان، أن يكتب الشعر، رجلاً أم امرأة، عندما يمتلك لغة الشعر، ولغته تتأصل في القراءة، ثمة ضرورة قصوى لقراءة الشعر من قبله،، مثلما أننا نتقدم في الصورة المعروضة، الكل ينظر إلى المادة الفنية، إنهم يسمونها مؤثرات الفن التشكيلي، مثلاً، يقولون بأن اللوحة تسمي هذا الشيء، بالنسبة لك، عندما تنظرين إليها، لا تجدين سوى اللون الواحد، لكن عندما تعوّدين عينيك، وتدربينهما، حينها ستكتشفين أشياء كثيرة جداً من خلال مؤثراتك، لهذا، عندما يمكنك الإكثار من قراءة الشعر، وامتلاك لغة مفرداته، لحظتذاك، في وسعك أيضاً كتابة الشعر. في أي مستوى يكون الارتقاء، في أي مستوى يكون التدنّي، أو أين هو الجيد، أين هو الرديء، كل ذلك ستبصرينه. لكن من وجهة نظري، في وسع أي كان، أن يكتب الشعر. لكن ليس أي كان،يكون قادراً على نشر نتاجاته، ثمة من يقرأ خارج هذا الميل، إن هذا لخطأ.
لو أنني طبعت اليوم كتباً أربعة، وهذه الكتب الأربعة، لا تكون وفق المطلوب منها، كما يقال، لهذا، يكون في وسع أي كان، أن يكتب. ووقتذاك، أكون قد أسأت إلى الأدب، وإلى ذوق شعب بعينه. وهذه تكون مسؤولية أولئك الأشخاص الذين يطبعون كتباً كهذه، وإلى أي درجة هم مؤهَّلون لذلك؟ هل هم على وعي بلغتهم؟ أكرر ثانية إذ أقول، في وسع أي كان، أن يكتب شعراً، ولكنه لا يستطيع نشر نتاج، بحيث يقرؤه الناس؟ ثمة نتاجات كثيرة، عند مختلف الشعوب، لا تستحق القراءة، ويبقى خطر هذه النوعية من الكتب في الكردية أكثر. فنحن حتى الآن نمثل لغة مقهورة، إذ بالقدر الذي نكون شعباً مقهوراً، فنحن نمثل لغة مقهورة كذلك. اللغة المقهورة، التي لا يهتم بها عشرة من أعمدة اللغة التي تكتَب، فإن اللغة تلك سوف تتبلبل. راهناً، ثمة من يكتبون جيداً، ولكن ثمة من يسيئون إلى جمالية الشعر.
أقول، إن الذين يكتبون الشعر بصورة جيدة، ثمة بعض منهم، في السجون، ما هذا المشكل الثقيل الوطء، والذي مفاده، أن اللغة الكردية إذا كانت لوحدها، تعيش في السجن، فسوف تنوجد، وأن خارج السجن، لا تكون اللغة الكردية موجودة. وقتذاك يمكننا القول أن لغتنا كاملة هي نزيلة السجن؟ حينها، الكل يصبح شاعراً، ولا أحد يظل قارئاً؟ أقول عندها، أنه لو تم اعتماد لغة خاطئة، وغير دقيقة، في الكتابة، سيكون أفضل، إذ يكون الكل ملزماً وقتذاك، في أن يقرأ ما كتبه.
15- س: حتى يمكن سد الطريق في وجه هذه الأخطاء والنواقص، تُرى، أليس من مسئولية، لكتابنا أولئك الذين لازموا الكتابة طويلاً؟ من وجهة نظرك، أين تكمن مسئوليتهم، لكي يدلّوا الجيل الجديد إلى الطريق الصحيح؟ أو كما ترين، أي نقد هو المطلوب، خدمة للأدب الكردي؟

ج: يمكن القول، أنه لا يوجد، بصورة ما، جيل جديد، وجيل قديم؟ لا شيء صاف هنا تماماً. راهناً من هم ممثلو الجيل الجديد؟ لأنه إذا كان الجيل هذا موجوداً، حيث كل واحد يعمل من جهته، لا يمكننا بذلك، القيام بدراسة، تظهر من يكون الجديد، ومن يكون القديم. لا يمكن التمييز بين الأجيال. حالياً، لا نستطيع القول بأن الجيل القديم، هو هذا وهذا وذاك. حيث عليهم أن يظهروا تأثيرهم على التالي، والذي يتم تحديد بهذا وهذاوذاك؟
ثمة ما هو موجود، بالمقابل، في الوسط الكردي، الأدبي، لأنه لا يمكن أن توجد دراسات كردية، كون اللغة الكردية مقهورة. كلا، في كل مكان، ثمة ضرورة للدراسة. أنطلق من نفسي، فعندما أنشر كتاباً، أحياناً أقول، هذا الكتاب ليس كما يجب، لكن إذا كان علي أن أكتب هذا، فهذا لا يعد انتقاصاً مني، لا يعد انتقاصاً من أي كان، عندما أكتب ذلك. إنني أقيده، وهو يفيدني،، وللأسف، فإن الذي عُرف في وسطنا، هو أنني أسيء إليه. إن الإساءة الكبرى تتمثل في أن أبقى ملتزماً الصمت.إنني بقدرما أستطيع التقرب، للدفع به إلى الأمام، أحتاج هنا إلى أن أنقد. هذا موجود في السياسة كذلك. وسياستنا بدورها، على الشاكلة هذه، لأن النقد لا يسمي الخطأ، يستمر الأخير، الأخطاء تتراكم، وفي المجتمع الكردي، وفي الوسط الأدبي، هذه الأمور جلية تماماً. إذا قلت، أنني ترجمت هذا النتاج، إذا تم نقده، ربما، من عدا أنني أتهيب ذلك، لا يجرؤ آخر، للدخول في هذا المضمار. شعرنا، لم ينقََد أبداً .
الكلمة الحلوة تسرنا، إنما بأي معنى؟ شعري جميل،إنما بأي معنى هو جميل؟ أي فائدة تكمن فيه؟ لقد أصدرت ديوانَي شعرٍ، وقتها كنت أعتمد على الصورة الخاطفة ( اللقطة) من الذاكرة ، حينذاك، لم يقل لي أحد يا جانا، لماذا تكتبين مكثفة؟ كان ذلك أسلوباً في منتهى الحداثية، بالنسبة للغة الكردية.لم يقل أحد إن جانا أساءت التصرف؟ أو أحسنت الفعل؟ أريد أن أفهم، ماذا أفعل أنا؟ لأنه في حالات كثيرة، يقول أحدهم، أن جانا شاعرة، إنما بأي صيغة، أنا شاعرة؟ يجب أن تخضع كتاباتي للتقويم والنقد، قد لا أكون شاعرة، ربما أسيء إلى هذه اللغة؟ لأنني كثيراً ما أفكّر بالعربية، ومن ثم أكتب، نحن لا نعرف التوقف عند الذي يؤلَّف ومن ثم نقده. نحن لا نستطيع قراءة تذوقية لما هو مؤلَّف. ثمة روايات كردية كثيرة، قرأتها في الآونة الأخيرة، شعرت أنها بحاجة إلى الكثير من النقد، وقد باشرت النقد بالمقابل، لكنني لم أنجزه، ليس لأنني أسيء إلى أصحابها، بقدر ما أنني أدركت أنها ليس مجال عملي.
لا بد من وجود النقاد، لأنني ما زلت بحاجة إلى النقد، لم أصل إلى المرحلة التي يمكنني النقد فيها. النقاد الكرد قليلون جداً. من أجل الأدب، والموسيقى، وبصدد كل شيء، في المجتمع الكردي، لا وجود للنقد. في سبيل ذلك، ثمة تحديد لكثيرين لا لزوم لهم في هذه المجالات.
16- س: ثمة كتاب لنا، ومن الذكور، يشيرون أحياناً في مقالاتهم وكتاباتهم، إلى أن المرأة الكردية في مجال الكتابة، ليست واثقة من نفسها؟ باعتبارك امرأة، شاعرة وكاتبة كردية، كيف ترين هذه الآراء؟ لماذا النساء الكرديات، غير واثقات من أنفسهن؟

ج: أعتقد أنه إذا كانت اللغة الكردية، واقفةعلى قدميها، فإن ذلك يكون بفضل المرأة الكردية، حيث أمي تتحدث بهذه اللغة، وأنا أتكلم اليوم بهذه اللغة، إن الأم الكردية هي امرأة، المرأة الكردية حمت اللغة، هي لم تطورها، هذا بحث آخر. لماذا لم تفعل هذا،لا بد من التعرض للمجتمع الكردي بالنقد والتقويم، أن يوضع كل شيء في مكانه، اليوم، لا أجد الرجل الكردي مقتدراً، كما يجب، في اللغة الكردية، مثلما لا أراه جسوراً، بالصورة الظاهرة، واثقاً من نفسه.
17- س: يا ترى، هل المرأة الكردية، اليوم، تحرص على اللغة، هل تحمي لغتها؟
ج: أعتقد أنها، تحميها بصورة ما، بأي طريقة، هي تحميها، هذه تكون مشكلة آخرين، ربما، بشكل عام، أنظر إليها مثل صورة، كمشهد أنظر إليه. أعرف أن المرأة الكردية تحمي هذه اللغة بصورة من الصور. إيجاباً أو سلباً، المهم هي تحميها. طبعاً في اللغة، لا تكون الجنسية بالنسبة لها ضرورية .إن النتاجات التي تظهر للمرأة الكردية، تلك التي تقابل نتاجات الرجل الكردي، ليست بأقل قيمة منها، وربما هي من ناحية اللغة ، تتقدمها، ولكن تلك لا تكون دونها مستوى. وأقول ثانية، بأنه لا يوجد في المجتمع الكردي من هو واثق من نفسه، ومن ليس بواثق من نفسه، كما حدث قبل سنتين، حيث أعدَّ ملف يخص النساء الكرديات، كم عدد اللواتي يكتبن، الكثير منهن أصبحن خارجاً. في ذلك الملف، كان ثمة أسئلة تتعلق بأدب كل من الرجل والمرأة، بالنسبة لي، أنا ضد هكذا إجراء، بمعنى أن الأدب هوأدب، حيث لا جنسية له.
فقط، عندما يكون أحدهم آمِراً، يجد الرجل بالصورة هذه، فأنا أنتقد هذا الجانب. إذ عندما يقال على أن الرجل يكتب أكثر، فثمة خطأ هنا، لأنني، لا أجد هذا الجانب، بهذه الصورة، لا أجد ذلك سليماً. في النهاية، هم موسيقا متكاملة. إن ذلك يشكل معضلة الذين يريدون التشويش على الأدب الكردي. إن الأدب الكردي، بحاجة إلى أي مجهود يبذل، أي نتاج، يكون من جهة المرأة، أو من جهة الرجل. سواء كان واثقاً أو غير واثق من نفسه. كل شيء من أجل هذا الأدب، حيث يجب أن يبذل كل شيء، بتفان. مثلما أننا نحمي حدود بيتنا،، وكذلك أحاسيسنا، اليوم ثمة حاجة، لحماية هذا الأدب، بالمقابل، والعمل على تطويره، لا سؤال للرجل أو للمرأة، اليوم، من تكون المرأة الكردية؟ تعيش في روسيا، أو في حلب، أو في استنبول، أو في السويد، أو في قامشلو،من تكون، لا بد أن يتم نقد كامل المجتمع في الوقت ذاك، حينها ستعرَف المرأة الكردية، إن المرأة الكردية، مهتمة بأمور كثيرة، ومن ناحية أخرى، هي مهتمة بالأدب أيضاً.
18- س: هل من تمايز بين الرواية والترجمة، كيف يكون؟
ج: أنا لا أرى أي تمايز، بين الشعر والرواية، ولا بين القصة والمسرح كذلك، كلٌّ من نوع مختلف، كما في حال البستان، كلٌّ من لون وردة مختلفة، كلٌّ له رائحته، وفي الختام، الجميع وردة. وأحلام رغبت في أن تعبّر عن ذلك باللغة، في روايتها، القصة تمثل الشعر، الشعر يمثل الرواية، أنا لا أراها منفصلة عن بعضها بعضاً، أنا أراها جميعاً متكاملة.
19- س: كيف ترين واقع الأدب الكردي بصورة عامة؟
ج: أعتبر أن هذا السؤال، أكبر من أن أجيب عنه. أنا لست مطلعة كما يجب، في بلورة رؤية حول هذا الأدب المبعثر، بدقة. بمعنى أننا نتحدث اليوم ،عن الأدب الكردي، فأقدم لك مشهداً، وأعطيك وجهة نظر، أما في أي قسم يمكنني التحدث عن الأدب الكردي، فأنا لا أعرف، ليس لدي الاطلاع الكافي على كل ذلك. إنني أجد البعض قريبين من المحترفين، وأكثر منهم، ثمة من هم داخلون في هذا المشهد دون معايير. وفي النهاية أيضاً، لابد من اعتماد نظرة ذلك المصور في صميم الرواية، تلك الألوان التي تكون متوهجة، أو أن الألوان تلك لا تُرى، تلك الألوان، سوف تمضي، لتنطفىء في لوحة الأدب الكردي.
إنني أبصر بعض تقدم ٍفي مضمار النثر، ثمة من يبرزون، بهدوء في مجال النقد، ثمة نساء يظهرن في مجال القصة، لا الشعر، وهكذا في الرواية تدريجياً. بصراحة، أنا لا أستطيع أن أقدم صورة عامة لك.
20- س: باستثناء شعرك وترجماتك، هل ثمة أنشطة لك في الرواية، أو في سواها؟
ج: في السنة الفائتة، باشرتُ كتابة رواية، إلا أنّي لم أنجزها. كانت صعبة قليلاً، تطلبت بعض معاينة حولها، الرواية دارت حول ( الحياة ما بعد الموت)، وأنا الآن توقفت عن العمل فيها. كونها تحتاج إلى بعض الوقت، لا أقول عن أنني أوقفتُ العمل فيها. إنما أوقفتها، إذ، لكي تكتبي رواية، فإنها فإنها تكون بحاجة إلى بعض الوقت.
21 – س: أتصنفين نفسك، كشاعرة، ككاتبة، كأديبة، أم كيف؟
ج: أنا أرى نفسي عضواً في الأدب، أو أنني أرى نفسي مدماكاً في هذا المكان. حيث أؤدي خدمة. أعتقد أنني أؤدي خدمة، أما إلى أي درجة، فهذا ما لا أعرفه، أو أعرف أن لي جدوى أو لا جدوى في ذلك. أنا لا أعرف، لكنني أقول في أنني أعمل بكل تفان ٍ، في خدمة الأدب الكردي، ليس من أجل الشهرة.
في الختام أقول، على الجميع أن يرعى هذا الأدب.
————-
#- ملاحظة، نص الحوارـ مستلٌّ، من موقع ( ولاتي مه) الالكتروني الكردي، منذ مطلع شهر تشرين الأول، 2007.