الرئيسية » مقالات » الجواهري : لكي لا نعيّر باننا قوم ينكرون الجميل،ويكفرون بالنعم

الجواهري : لكي لا نعيّر باننا قوم ينكرون الجميل،ويكفرون بالنعم

يضج الكثير من صحف ومجلات العرب، ومواقعهم على الانترنيت، وفضائياتهم، بعديد من “التقويمات” و”الآراء” هدفها الاساس، او بيت القصيد منها، كما اصطلح القدماء، الشتم والتطاول والتنفيس عن الاحقاد، ودوافع ذاتية اخرى…. ومن الطبيعي تماماً، ولكي تأخذ المادة طريقها للنشر، ان تلّبس بهذا القدر أو ذاك، وبحسب نوع “الكاتب” أو “الاديب”، لبوسات النقد، وتتأبط يافطات حرية الرأي، وتتوسل حق التعبير والاجتهاد، وما الى ذلك من مرادفات، تعطي ستاراً للناشر على الأقل، دع عنك الكاتب، لدفع المادة الى المتلقي بشكل مزوق… كما لابأس، بهدف تمرير الغاية المبيّتة قصداً مع سبق الاصرار، من التدرع بلقب علمي، او بعض سيرة ذاتية، مضخمة أو ملتبسة، أو حتى مزعومة بالكامل، يُمنح “الكاتب” عبرها جواز المرور المطلوب، فيعلن “وجهة نظره”، و”تقييمه”، و”حقه في ابداء رأيه”، وان كان ذلك ـ كل ذلك ـ على حساب الآخرين والمنطق والموضوعية المزدراة… ولا ندري اين هي حقوق اولئك المعتدى عليهم، باليد أو اللسان، ولربما الاخير أكثر أذى، حين يستخدمه المدّعون والجهلة والمعوزون، ملثمين كانوا، أو سافري النوايا والوجوه…

ولعلّ من الاشد إيلاماً ان نسمع بين الفينة والأخرى من يلقي موعظة تلو أخرى عن اهمية وضرورة احترام “وجهات النظر” و”الاستماع الى الرأي الآخر”، وما اليها من مشابهات… وإذا ما اعترضت أو واجهت، فما أنت سوى متزمت ومتعصب، او غير ديمقراطي حسب تعابير اهل السياسة. وهنا ـ ولنا من التجاريب كثير بهذا الخصوص ـ لم نرَ “واعظاً” من الذين نعنيهم، تسامح او تقبل “نقداً” أو “تقييماً” تعرض له شخصياً، إلا عجزاً أو خشية، بادعاء فضيلة الصمت المزعوم. ولأن القضية تجرّ اخرى، وواقع الحال واحد، ستسمع أو “تُثقف” بأن من حق أي كان تبيان وجهة نظره، ومن حقك ـ وكأن في ذلك فضلاً من أحد ـ ان تردّ، وتوضح، وتعقب… ثم، وقد يبدو الامر اكثر معقولية، وقل تقبلاً، حينما يتحمل “الكاتب” المسؤولية القانونية او المعنوية عن شتم الناس تحت أي لبوس كان. ولكن الأشد مرارة هو مسؤولية الناشر لذلك الشتم، وهو يفتح القنوات أمام “كتابات” و”دراسات” و”تقييمات” العاجزين والمتبطرين أو الحاسدين والراغبين في التسوق، أو الباحثين عن الشهرة – أية شهرة – وذياع الصيت، الحسن أو السيء، لافرق.

ولربما يجد المرء مبرراً ما حين تنشر وتقال تلك الشتائم المغلفة والمبطنة، أو المعلنة “الجريئة” في منابر اعلام معينة بهدف زيادة المبيعات أو توسيع الانتشار أو إثارة القراء. ولكن التساؤل المحيّر ان تنشر وتبث تلك الشتائم “القبيحة” مثل قائليها، عبر وسائل اتصال رصينة وهادفة، هي في غنىً كامل عن مثل تلك المواد الصحفية أو “الثقافية” موضع قصدنا.

أكتب عن ذلك وأعني أكثر من حالة ملموسة، آخرها قبل أيام، تطاول فيها أحدهم على مركز الجواهري، ولن أشير إلى اسمه تمثلاً ببيت شعر مدل: “كبرت عن المديح فقلت أهجو، كأنك ما كبرت عن الهجاء”… وقد طفحت مادته التهريجية الشعبوية بالسموم، موغلة في حقد باطني، تمظهر بادعاءات مهللة منها “الطرائف الأدبية”… وكل ذلك بسبب زعم مزيف… وما أبهت انساناً وصل من العمر عتيّاً أن يكذب ويسف إلى مستنقع الشتائم الشارعية، وهو “المثقف” و”الأديب” و”الشاعر” وما تلى ذلك من ألقاب، حقيقية أم مزيفة تسقط كلها حين يتحول صاحب تلك الألقاب إلى نرجسي مقيت، وشتام ٍ لا يضاهيه في منحدره أحد… وكم هي مناسبة أن اشير في الختام الى تلكم الكتابة الموجزة للجواهري الخالد، في شأن مشابه لما توقفنا عنده من شؤون، وقد نشرتها صحيفة تشرين السورية في 18/7/1987 وفيها ما يغني عن كل اضافة واسهاب… ومما جاء فيها:

“… من حقي – ومن حقوق النشر – ان أعقب، فمن جهة لا اعتراض لي هناك على ما تعتبرونه من باب “حرية الرأي”، و”حرية التعبير”. ولكنني، من الجهة الثانية أحب أن أذكركم بوجوب مراعاة “المقاييس” و”القيم” في المحاورات الأدبية. فلم يكن في القديم مثلاً إلى جانب أشباه (النابغة) إلا من يعلقون أشعارهم على أستار (الكعبة). وعلى حجومهم ومعاييرهم في من يعارضونهم، ويناقضونهم.

وفي العهد الوسيط (الذهبي) كان في من ينازل (المتنبي) العظيم أمثال (الامام) ابن خالويه، وفي من يروون عنه ويتعصبون له، ويشرحون أشعاره أمثال الامام (ابن جني) و(ابن العميد) و(الصاحب بن عباد)… كما لم يكن حتى في (عصرنا الحديث) ممن هم مع (شوقي) أو ممن هم عليه إلا من حجوم (العقاد) و(المازني) و(الرافعي) و(طه حسين)… ومن كل ذلك، ومن أمثاله كان الأدب العربي برمته، يزداد رونقاً، والحرف العربي أصالة، وكانت الأجيال المعاصرة والمتعاقبة تزداد على مثل هذا (الزاد الكريم).. عافية ونشاطاً.

أما أن يكون ما يسمح لنا به الزمن من رصيد جديد، وعلى ضوء العصر الجديد عرضة مشاعة لمن هبّ ودبّ، ممن يجربون القلم وعلى صفحات صحف سيارة، وعلى ذمم أصحابها والمسؤولين عنها فهذا ما يجب علينا ان نحاربه، وأن نقف سداً دونه، لكي لا نعير بأننا قوم (ينكرون الجميل) و(يكفرون بالنعم).

وحديثاً – وفي أمس القريب – قال القائل: وكنت – أن ألتقي (جبسا) يجشمني عار النزال – بلا حول، ولا قبل”.

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com