الرئيسية » مقالات » الجهاز الهضمي وكفاءته الديمقراطية في العراق !

الجهاز الهضمي وكفاءته الديمقراطية في العراق !

يخيل لي بأن الديمقراطية في العراق باتت كقطعة لبان،نمضغها متى ما نشتهي ونقذف بها متى ما يدركنا الملل،وقد شاع مضغ لبان الديمقراطية وقذفه في الشارع العراقي،والشارع البرلماني،فالكل مهيأ للقيام بهاتين العمليتين على امثل وجه،ابتداءا من العامل البسيط في مخبز الأرغفة،الى العامل المنتخب في المخبز البرلماني،إلآ انه ليس كل ما يُمضغ يصار الى تمثيله غذائيا بشكل سليم يستفيد منه البدن،فهذا مقرون بسلامة الجهاز الهضمي وكفاءته في التمثيل الغذائي.

السؤال الملح هو:ما كفاءة الجهاز الهضمي للسياسة في العراق،وقدرته في التمثيل الديمقراطي..

ولربما السؤال الأهم هو:ما هي أعضاء هذا الجهاز اساسا؟…

هل هي امعاء دقيقة وغليظة فقط ام هنالك معدة وكبد،طحال وبنكرياس،وما اليه من اعضاء حيوية تعمل بشكل متسق لا يصيب البدن بإنتكاسة،او يحيله الى مدخنة لنفث ارطال من الغازات غير المستحبة كل يوم..

ولعلي أدخل في صلب الموضوع من جهته الجادة واسأل:

هل مشروع “مجالس الإسناد العشائري” انتكاسة هضمية ام مجرد رطل من غاز!

هذا السؤال يقودني الى طرح بضعة تساؤلات اكثر جدية لربما حول الموضوع:



1. من هم عشائر العراق ومن هو الشعب العراقي؟

هل العشائر مكونات اجتماعية خارج سقف او نطاق”الشعب العراقي”،ولم تحظ كما حظى الشعب بفرصة الإقتراع الإنتخابي لإختيار ممثليه، وبفرصة اتيحت لكل التكتلات الحزبية والعشائرية والعقائدية والقومية والعرقية وما اليه،لتقديم قوائمهم الأنتـخابية والتنافس على السلطة والمقاعد البرلمانية بشكل ديمقراطي!!..وقد تقلد ومنذ سقوط صدام شيوخ العشائر مقاعدا مرموقة في مجالس المحافظات ومجالس الحكم،ورئاسة الدولة العراقية تقلدها احد شيوخ عشيرة شمر عام 2004..إن لم تخذلني الذاكرة!..

هل أشتد بنا الداء لنفلق الشعب العراقي الى فئتين.. فئة شعب.. وفئة عشائر! ونمايز بين الفئتين بمجالس إسناد وادوار سياسية للفئة العشائرية، وهنالك من يعلل بأن للعشائر كان دورا هاما عبر تاريخ العراق ولا يجوز تهميشها!..وبهذا التعليل الشائع جدا هنالك اعتراف ضمني بتهميش الشعب بعد أن ادى دوره وانتخب وإنتقاء نخبة عشائرية منه انتقاءا نفعيا لدعم السلطة وكما فعل من سلف!..


2. من هم اعضاء البرلمان العراقي واعضاء مجالس المحافظات،ومن هم قادة العراق حاليا؟

آولا ينتمون الى بطون وافخاذ وعشائر،آولا تشي القابهم،لأي قبيلة او عشيرة ينتمون!..لربما الحديث عن مجالس إسناد من قبائل الأنغلو يبدو اكثر تعقلا..


3. منذ متى تتكىء سلطة ديمقراطية او تسعى لأن تكون،على قواعد او مجالس عشائرية؟وهل يخدم إتكاء كهذا اي مفهوم حضاري لقيام دولة ناهضة او تريد أن..تنهض!


4.هل هنالك نافذة ما في الدستور العراقي تتيح تشكيل هكذا مؤسسات او مجالس او ميليشيات عشائرية لحماية او إسناد فرد او فئة او حزب او دولة؟ آوليست الدولة مكلفة بإسناد نفسها تحت سقف القانون والدستور،ولديها وزارات وأجهزة معنية بهذا الغرض..أنه لمن الغريب ان يطالب حزب او كتلة سياسية وصلت الى السلطة بخيار الشعب وإسناده عبر صناديق الإقتراع،وتلك حالة حضارية،ان يطالب بإسناد مغاير وبصياغات قبلية تضعنا على تخوم داحس والغبراء.. ويهون علينا أن تصاب جسومنا*** وتسلم أعراض لنا وعقول


5. للشعب(بعشائره) أن يسند حكومته إن وجد انها جديرة بهكذا إسناد..وهذا خيار جماهيري لا تؤسس له حكومة مؤتمنة،بعطايا او رؤوس أموال او بفتح ميزانية لدفع اجور بطالة مقنعة من مجالس العشائر الساندة،بل بما تنجزه الحكومة على ارض الواقع من عمل يصب في خدمة المواطن والدولة،فيؤسس الشعب (بعشائره) خياراته لإسناد الحكومة…فهل بزغت فكرة الإسناد تلك، من ضمير الشعب ام من ضمير عشيرة بعينها ام برلمان ام حزب بعينه ام فرد؟

كما أن الإسناد الحقيقي هو ان يعمل كل مواطن من موقعه (العشائري وغير العشائري) بجدية وتفان إن كان مؤمنا حقا بحكومته..وأولهم المواطن المنتَخب للعمل الوطني عشائريا كان ام لا! ..


6. لنفترض جدلا ولوهلة،ان المرحلة الراهنة بكل تداخلاتها وصراعاتها المبررة وغير المبررة، تقتضي إسنادا عشائريا سيجني الشعب ثماره كما جنى ثمار سقوط الطاغية وثمار الديمقراطية وغيرها من الثمار الطيبة حتى اصابه الجزع من جني الثمر..

ما هي آلية تشكيل مجالس الإسناد ؟..

هل هنالك من آلية ديمقراطية متقنة وواضحة لتشكيل تلك المجالس،لا تفتح بابا لصراعات عشائرية-عشائرية من جراء التمييز العشائري،ولا ترفع من ضغط الصراعات والتناشزات السياسية المتواصلة ومنذ دخول العراق تاريخه الجديد..تاريخ جني الثمر البهلوي..


7. كيف تسعى حكومة بذلت الكثير من الوقت والجهد لحلحلة المليشيات والعصابات المسلحة والجيوش الداعمة لأحزاب او كتل سياسية او اجرامية، ولفرض هيبتها بسيادة القانون وأحترام الدستور،كيف تسعى لإبتداع تكتلات جديدة من بطون العشائر لتعتكز عليها!..

… آولم تخرج الحكومة بعد ورشات عملها المضني مع العشائر، وبعد عقد المؤتمرات الكثيرة والمطولة التي استضافت شيوخهم، بأي إسناد!

آولم تخرج بعشائر مسنادِة من مشاريع المصالحة والصحوة!..

..لربما تسييس العشائر وتجنيدها في هذه المرحلة لمساندة حزب بعينه، هو الهدف..الوطني..!


8. خصصت امريكا مبالغ طائلة عام 2004 لتأسيس وتمويل مراكز سميت بـ ” مراكز ديمقراطية العشائر” ترى كم خصص قادة العراق المنتخبون لتمويل مشروع إسنادهِم عشائريا!.. وبعد ان تم ديمقرطة العشيرة العراقية على الطريقة الأمريكية!..

آفلا تنظر الحكومة ابعد من هذا الداء العضال .. ديمومة بقاءها في السلطة..

..كأن تنظر لوهلة،وتتحسس لوهلتين،معاناة شعب يريد أن يحظى هو الآخر بديموته حيا لا يهان بلهاثه المزمن وراء لفمة او خدمة..وأن دولارا لخدمة مواطن افضل من دولار لتمويل إسناد مفترض لا يحمل ثقله على شجرة سلطة،بل وأكثرا إسنادا منه..

ولا ادري حقيقة متى او كيف دخلت العشائرية موسوعة غينس للإرقام القياسية في إسناد السلطة ديمقراطيا لبناء دولة مدنية متحضرة!


…الكثير من التساؤلات في جعبتي ولكن الفضول يدفعني لوقفة مع التمثيل الغذائي حيث بدأت..


يقال بأن أمراض التمثيل الغذائي أمراض وراثية بغالبها،وانه من الضروري إن يعرض المريض على أخصائي بالأمراض الوراثية أو ما يسمى عادة بـ “المرشد الوراثي” لإعطاء المريض صورة مفصلة عن طبيعة مرضه،وعن التكهنات المستقبلية لضمور المرض او استفحاله وانتقاله الى الأجيال.

يخيل لي فيما يخيل..بأن الجهاز الهضمي الجديد في العراق،يعاني من مشاكل وراثية مستعصية لا تتيح له تمثيل ما يتلقف تمثيلا سليما دون أكسدة تفوق المعدلات الطبيعية،وقد تسبب تسمما خلويا وأدرانا خبيثة،لربما انتقل هذا المرض،كما يبدو لي،من اجهزة غابرة تقاعس اصحابها المرضى عن علاجه،بل أسترجلوا وتباهوا به حتى ساقهم الى ..مقصلة..


واقتراحي لتسكين مؤقت هو.. إستحداث وزارة جديدة في العراق (والعالم) اسمها ..وزارة العشائر والإسناد الديمقراطي..

وياحبذا لو يتخلى كل وزير وطني عن مستشاره لشؤون العشائر،لهذه الوزارة الوليدة،وذلك لرفدها بطاقم عمل إستشاري يسند الوزارة والحكومة بصولة أستشارية واحدة،ويقصم ظهره من اجل الشعب والإسناد السلطوي كبقية الطواقم الوزارية المتآلفة حتى النخاع!..

وكي لا يخسر كل وزير مستشارا له بهكذا إجراء مقيت،اقترح تعويضه بمرشد وراثي معافى لا يحمل جينات المرض،يتابع بكثب،وعلى مدار الساعة،الحالة الوراثية للوزير ويراقب كفاءة جهازه في التمثيل بعد كل وليمة..

اما البرلمان والحكومة،فطاقم من المرشدين قد لا يفي لتكهن مدى إستفحال المرض وتفشي جيناته وراثيا..

فاتن نور