الرئيسية » مقالات » فنانة فنلندية تتمنى ان تعرض افلامها في بغداد *

فنانة فنلندية تتمنى ان تعرض افلامها في بغداد *

في العاصمة الفنلندية ، هلسنكي ، مساء 8 تشرين الثاني ، وفي كافتريا متحف هلسنكي للفن الحديث ، جرت مراسيم حفل تسليم جائزة الابداع السنوية ، التي تمنحها سنويا منظمة (Kiila) الثقافية للكتاب والفنانين الفنلنديين لواحد من اعضاءها . ونالت الجائزة هذا العام كاتبة السيناريو والمخرجة السينمائية كاترينا ليلغفست ، لمجمل اعمالها الفنية في السينما والراديو والتلفزيون . والفنانة كاترينا ليلغفست من مواليد عام 1963 في مدينة تامبرا الفنلندية ، وهي ثالث اكبر مدينة في فنلندا ، وتقع على مسافة حوالي 250 كم شمال العاصمة هلسنكي . وعرفت الفنانة كاترينا ليلغفست بانجازاتها المتميزة في مجال الافلام الوثائقية وافلام الدمى المتحركة . سجلها الفني يسجل لها انها انجزت 15 فلما، شارك بعضها في مهرجانات عالمية ، ونالت على بعضها جوائز من مهرجانات فنية ، مثل جائزة الدبّ الفضّي في مهرجان برلين 1996. ونال برنامجها الوثائقي الإذاعي “ولد السيرك” عام 2006 ، على جائزة الفنون الوطنية الفنلندية العالية السّمعة .
في الحفل التكريمي ، الذي حضرته جمهرة من الكتاب والفنانين الفنلنديين ، افتتحه الكاتب فيلي روبونين سكرتير منظمة (Kiila) الثقافية للكتاب والفنانين الفنلنديين بكلمة اشاد فيها بعمل ونشاط الفنانة الفائزة وتميز اعمالها فنيا واجتهادها الدائم ، وكونها الى جانب ذلك وقفت دائما الى جانب الحقيقة وقضايا الانسان وتبنت موقفا واضحا من العدالة الاجتماعية والمساواة والحرب والسلام وتعدد الثقافات وحوارها ، وان اللجنة التي اختارت اسمها من بين العديد من المرشحين ترى انها تستحق ان ينضم اسمها الى قافلة من سبقوها وحصلوا على الجائزة. ويذكر ان قائمة من حصلوا على الجائزة من اعضاء المنظمة ، تضم اسماءا بارزة ومهمة في الحياة الثقافية الفنلندية والانسانية . والجائزة استحدثت لاول مرة عام 1980 ، ولا تصاحبها جائزة مالية ، انما يمنح الفائز نحتا برونزيا يمثل شعار المنظمة وهو مستمد من اسمها . وقام بتسليم الجائزة الروائي آولي هوفاراينين الفائز بها للعام الماضي . هذا وتسابقت وسائل الاعلام الفنلندية لابراز ونشر الخبر بمجرد الاعلان عن اسم الفائز.
وقبل ايام عادت الفنانة كاترينا ليلغفست من اليابان بعد مشاركتها بفلمها الاخير” بعيدا عن الاورال ” 2008 ، وهو فلم دمى متحركة ، مدته 27 دقيقة ، وشارك التلفزيون الفنلندي في تمويله ، وعرض في مهرجانات عديدة، اولها كان مهرجان الافلام الوثائقية السنوي في مدينة تامبرا الفنلندية ، حيث اثار ولا يزال عاصفة من النقاشات والاعتراضات . الفلم يتناول موضوع الحرب الاهلية الفنلندية في عام 1918 ، حيث جرت حرب طاحنة بين معسكري البيض والحمر، وراح في الحرب الكثير من الضحايا الابرياء . يتحدث الفلم بجرأة وروح نقدية عن الجروح التي خلفتها الحرب في تاريخ فنلندا . المثير في الفلم ، هو الاشارة الى دور قائد معسكر البيض الجنرال غوستاف مانرهايم وايراد روايات تحكي كونه كان شاذا جنسيا وعلاقتة الخاصة مع احد المجندين. ومن هنا جاء اختيار منظمي حفل التكريم للمكان حيث من النافذة العريضة كان تمثال الجنرال يطل على مراسيم الحفل وتكريم فنانة عرفت بجرأتها في اختيار موضوعاتها . على هامش الحفل ، وفي دردشة سريعة مع الفنانة كاترينا ليلغفست أعربت عن سرورها لحصولها على الجائزة وان يكون اسمها في قائمة المبدعين الذين سبقوها في الحصول على الجائزة، وحيث كانت تنظر دائما باعجاب الى اعمالهم ونشاطاتهم كمعلمين ومربين . واخبرتنا ان اختيار شخصية الجنرال مانرهايم لم يأت عبثا ، اذ ” يجب تحطيم الهالة حول اسماء يريدوننا ان نتعامل معها كأيقونات ، فهو ان كان بطلا عند معسكر اليمين، ويقدسونه كقائد تأريخي فهو بالنسبة لجدتي قاتل اخيها الشيوعي ” . ومعروف ان الجنرال مانرهايم كان جنرالا في الجيش القيصري الروسي ، ومع نيل فنلندا استقلالها عام 1917 ، اثر ثورة اكتوبر ودعوتها بحق الشعوب في تقرير مصيرها وموقف لينين الايجابي ، انتقل للعمل في الجيش الفنلندي . عند اندلاع الحرب الاهلية شتاء 1918 صار مانرهايم قائدا لمعسكر البيض الذي تلقى دعما من الحكومات الغربية . وتنسب للجنرال غوستاف منرهايم مسؤولية العديد من المذابح والمجازر بحق الاسرى من بين صفوف معسكر الحمر، بينما تنظر له قوى اليمين كرجل اسطورة مع هالة من التقديس . وقد اثار الفلم موجة من النقاشات الحادة ، وطالب البعض بعدم عرض الفلم وحجبه ، وهذا ما زاد في الاقبال على مشاهدته . وتقول لنا الفنانة كاترينا ليلغفست ان التلفزيون الفنلندي الرسمي لم يذعن للضغوط ووضع الفيلم في جدول عروضه القادمة ، انطلاقا من القوانين الفنلندية التي تضمن حرية التفكير والتعبير .
وتعتقد الفنانة كاترينا ليلغفست ان هناك مستقبل كبيرا امام افلام الدمى المتحركة ، حيث انها لم تعد مخصصة فقط للاطفال ، وان فلمها “بعيدا عن الاورال” تفرج عليه لحد الان نصف مليون مشاهد ونال الكثير من الاعجاب، فهي ترى ان هناك مستقبل وحضور لافلام الدمى التي تنتقد وتسخر وتحاكم الاحداث . واشارت الى ان جدتها الشيوعية علمتها الكثير، ففي وقت كانت المناهج المدرسية لا تتحدث شيئا عن الحرب الاهلية ، كانت جدتها تحثها للبحث عن الحقيقية ، وتطلب منها ان لا تصدق بكل ما يقال لها ، وهي ترى انها تسعى لتكون امينة لوصايا جدتها التي ناضلت وعملت كثيرا لاجل مستقبل بلدها . وتشير الى ان دراستها في فترة الثمانينات في جيكوسلوفاكيا منحتها الكثير من الخبرة وتحاول ان تنقل خبرتها الان الى طلابها . وهي تعد حاليا من الفنانين الفنلنديين البارزين في مجال انتاج افلام الدمى ، وتتركز موضوعاتها في افلام الدمى ومجمل افلامها الوثائقية حول التأريخ والثقافة وموضوعات الحرب والسلام . وكونها ابنة مدينة تامبرا ، التي شهدت احداث مهمة خلال الحرب الاهلية الفنلندية ، ومعارك طاحنة ومصيرية بين معسكر البيض والحمر، تقول لنا الفنانة كاترينا ليلغفست ان المدينة وتأريخها تركا تأثيرا كبيرا على مجمل اعمالها واختيار موضوعاتها . عن موضوع الحرب والسلام كان فلمها ” العذراء والجندي ” 1995 ، وفلم ” طبيب البلاد ” 1996 الوثائقي يستند على قصص وذكريات لاجئي سرايفو . اما فلمها الوثائقي “هذه ليست بلادي” 2006 فقد تناول الحياة الثقافية للغجر في فنلندا ، وقدم لوحات ساحرة من نشاطهم الثقافي والموسيقى ، وحصلت الفنانة على دعوات عديدة لعرضه في مهرجانات مختلفة . وهناك دعوة لها في العام القادم لزيارة تركيا والمساهمة في مهرجان للافلام الوثائقية ، وسبق لها وان زارت ايران ، وتتمنى ان يحل السلام وتستقر الاوضاع في بغداد لتحمل افلامها وتعرضها هناك .
ومن الجدير بالذكر ان منظمة (Kiila) ، المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلنديين ، تعتبر واحدة من اعرق المنظمات الثقافية في فنلندا ، وهي تجمع للكتاب والفنانين اليساريين ، تأسست في عام 1936 ، بعد تحالف القيادة السياسية الفنلندية حينها مع الحكومة الالمانية واغلاقها الحدود الثقافية مع اوربا والعالم ، فأستعارت المنظمة اسمها من اسم خشبة صغيرة مثلثة ( في اللغة العربية الكلمة المناسبة ربما تكون جُذاذة ) ، التي تتواجد في كل بيت فنلندي لتحافظ على باب البيت مفتوحا دائما ، وليعمل اعضاء المنظمة بهذا المعنى وبجد لتعزيز التبادل الثقافي مع كل بلدان اوربا ومع مختلف الثقافات الانسانية .

هلسنكي ـ