الرئيسية » مقالات » بمناسبة مرور(91) عاما على ثورة اكتوبر ((الاشتراكية)) الروسية (الجزء الاول)

بمناسبة مرور(91) عاما على ثورة اكتوبر ((الاشتراكية)) الروسية (الجزء الاول)

لقد كتب الكثير عن (( التجربة الاشتراكية )) في ( الاتحاد السوفيتي ) بين مدافع عن هذه التجربة ومعظم ومخلد لها ومبرر لكل أخطاءها وأخطاء قادتها باعتبارها هفوات لا بد ان تحدث خلال اي تحول ثوري عاصف وقد كان دافع البعض من هؤلاء المدافعين يكمن في هاجس الخوف من الطعن في أسس النظرية الماركسية ومنهجها في التنوير والتغيير للنظم الاجتماعية وكأن الماركسية ومن بعدها اللينينية غير مشمولة بقوانين التطور العاملة في الحراك الاجتماعي على مستوى كل بلد وعلى مستوى العالم , وليس لها ان تتوسع وتتطور وتنمو إلا داخل فستانها الأول الذي خاطه لها ( الأنبياء الأوائل ) ماركس وانجلس ولينين – الرب والابن والروح القدس – متناسين ان الماركسية هي منهج للتفكير والعمل تقر إقرارا كاملا بمقولة – لا شيء ثابت غير المتغير – وان ديمومة وتقدم وتطور ونضج الفكر الماركسي اللينيني تكمن في درجة مسائلته ومشاكسته ومراجعته بشكل دائم ومستمر مما يتطلب إعادة فصال ومقاس فساتينه طبق لمستجدات الحراك الاجتماعي ولا نقول حسب متطلبات الموضة والهرج الفكري البرجوازي الرأسمالي الذي استطاع ان يقتنص من الماركسية روحها في تجديد وتطوير نفسه وعدم الخوف من البدائل والتغييرات التي تغير أسلوب وشكل النظام الرأسمالي مع الحفاظ على روحه الاستغلالية سر وجوده وبقائه وتطوره . وانه لمن المؤسف ان مرض – شرطة وحراس العقيدة – ظل يرافق غير القليل من المناضلين الشيوعيين وأحزابهم لحين التاريخ مما جر العديد من الكوارث والمصائب والخسائر والنكسات على الأحزاب والحركات الشيوعية وشعوبها , والتهم رؤوس الكثير من المناضلين وبناة هذه الحركات ومن خيرة كوادرها ولا نظن إننا بحاجة لذكر الأمثلة والأسماء التي غصت بها أدبيات الحركة الشيوعية في العالم . وهذا الامر أودع أثمن رأسمال رمزي في خزانة قوى الرأسمال العالمي وعزز من رصيدها وأطال من عمرها , فان أثمن واكبر الهدايا التي تلقاها الرأسمال العالمي هي هدايا تهم االتحريفية والارتداد المستعارة من الموروث الديني نقيض الفكر المادي والقائم على نقضه . هذه الهدايا قدمت رؤوس التفكير والتنظير المبدعة , فوق طبق من ذهب لتقدم الى قوى الرأسمال والاستغلال وهو اكبر نجاح حققته في خرق وتخريب وتآكل جبهة قوى الشيوعية والاشتراكية في العالم . _لا باس ان أشير في هذه المساهمة المتواضعة لي في هذا المجال ان القارئ سوف لن يجد اقتباسا واستعارة لنصوص ومقولات لأننا نريد ان نخرج من جدل ومساجلات النصوص لنستوعب جدل وفروض ومتطلبات حراك الواقع وإفرازات التجارب الماضية والحاضرة ومقولاتها العلمية والعملية_ . إما الفريق الآخر فقد سلك سلوك العكس تماما وتنكر لكل محاسن(( التجربة الاشتراكية )) وانكفأ نحو المعسكر المعادي وتطوع للدفاع عن النظام الرأسمالي باعتباره الخيار الإنساني الوحيد بعد ان انهارت التجربة الروسية في بناء الاشتراكية وفق النظرية الماركسية اللينينية التي اثبت الواقع فسادها ومن الجدير بالذكر ان اغلب هؤلاء المتنصلين كانوا من اشد المتطرفين للدفاع عن ( المعسكر الاشتراكي ) وفي مقدمته وعلى رأسه وفي طليعته الاتحاد السوفيتي وتجربته الاشتراكية وحزبه الماركسي اللينيني الستاليني , وقد عميت أبصارهم بسبب عصائبهم العقائدية التي لا تمرر أية حزمة ضوء تكشف خلل او تعثر او فشل في قول وعمل القيادة المعصومة والتجربة باهرة النجاح حتى أنهم نظروا بانتقال الاتحاد السوفيتي الى المرحلة الأولى للشيوعية المظفرة فهللوا وصفقوا وانبهروا بما قاله وفعله لينين ثم خليفته ستالين ( ومن خلفه خروشوف حتى برجينيف ثم غرباشوف ولم تتوقف أيديهم من التصفيق لنقيض تجربتهم ) يلسين ومن بعده بوتين وهكذا لازال التصفيق مستمرا للبرالية الرأسمالية الجديدة.

فالكل يتباهى ( بالمعسكر الاشتراكي ) غير مدرك ولا متسائلٍ هل يمكن ان تكون الاشتراكية معسكرا يصادر الحريات ويحرم الخيارات أم هي الخير الأمثل والمضمون الأوفر والأمل للحرية؟؟ ولا شك ان كل منصف يجب ان يشير الى العقول الفذة التي استطاعت ان تشرح هفوة التجربة وتشير الى أخطاءها وانحرافاتها وبعدها عن روح الماركسية ومنذ يومها الأول في عام 1917 . فلم تلقى أفكارهم الإصغاء والفهم والتفهم بل اعتبروا أعداء طبقيين وعملاء وجواسيس لقوى الرأسمال العالمي ومن خونة الثورة والطبقة العاملة والحزب فتطايرت رؤوسهم الجبارة وسط تهليل الغوغاء من حملة الشارات الحمراء والشوارب المفتولة ومن المنافقين والانتهازيين حملة باجات الرفاق العظام المعصومين على صدورهم . ولا شك ان الأدب الروسي في القصة والرواية خصوصا يشير بشكل رائع وتضع اليد على أمراض ( الثورة ) ومعاناة الشيوعيون الحقيقيين والثوريين الصادقين في روسيا وكل جمهوريات ( الاتحاد السوفيتي ) وبقية الدول ( الاشتراكية ) الأخرى . وقد تنبأ العديد من الشيوعيين والماركسيين بانهيار التجربة الروسية في البناء ((الاشتراكي)). وهنا لا بد ان نشير أن اغلبنا لم يكن يرى وينظر بمنظار اليوم إلا بعد ان ارتطم رأسه بصخرة الواقع ومأساة الانهيار ولكن ما يميز العديد من الأحزاب والأفراد والحركات انها أعطت لنفسها ورفاقها وقتا لاستعادت التوازن والتفكير الموضوعي الهادئ المستند على الوثائق ومجرى الأحداث ومستجدات العالم العلمية والتطور الاقتصادي والتغير السياسي للوصول الى أحكام واستنتاجات صحيحة وفاعلة لفهم أحداث الماضي والواقع الحاضر وأفاق التطور المستقبلي بعد انهيار التجربة((الاشتراكية)) الروسية. ان المتتبع والدارس للكثير من الدراسات والمقالات والبحوث يلمس ان حالة التوصيف وليس التعريف هي الحالة السائدة على هذه الجهود المبذولة للتوصل الى السبب والأسباب الكامنة وراء انهيار التجربة الروسية في البناء الاشتراكي ونكوص التجارب الأخرى ان التعريف والغوص في عمق الظاهرة للبحث عن أسبابها ومسبباتها بموضوعية والتجرد قدر الإمكان من العاطفة الجارفة او إسقاطات الحاضر ومؤثراته هو المطلوب والواجب السير على هديهِ لفهم الماضي والحاضر والسير بثقة وقدرة نحو مستقبل آمن وسعيد لكل بني الإنسان. وقبل ان ندخل في صلب ما يسمى بالتجربة ((الاشتراكية )) في روسيا على خلفية ثورة أكتوبر 1917 التي قادها الحزب الشيوعي الروسي بزعامة لينين , يجب ان نشير الى ان أية دراسة موضوعية يجب ان تتجرد من الأتي : –

شروط البحث الموضوعي لدراسة التجربة:-

أولا : – نبذ مفهوم وممارسة تقديس النص والشخص خلال مجرى الأحداث التاريخية ومنها موضوعنا في دراسة التجربة الروسية في بناء الاشتراكية حيث إننا نرى ان مبدأ التقديس يضفي عصمة وهمية على قول وشخص القادة والمنظرين والزعماء حيث تعتبر مساءلة ومناقشة أقوالهم وأفعالهم من المحرمات والخطوط الحمراء التي يتوجب على الشيوعي الماركسي عدم التقرب منها وبذلك تجري عملية ادلجة الفلسفة الماركسية وتحولها الى دوغمائية فكرية بدلا من كونها منهج عمل للتفسير والتغيير وهو ما يمثل سر قوتها ومتانتها وموضوعيتها بكونها لم ولن تكون إنجيلاً او قرآنًا لم يمس , فيجب ان نقر ان ماركس هو من اقدر من استطاع ان يفسر وينظر ويطمح للتغيير للنظام الرأسمالي العالمي القائم في حينه ولكنه لم يقل ان لا ماركس بعدي , إننا نسترشد بماركس وأطروحاته ولكننا قد نلجأ الى حلق ذقنه ان تطلب الامر لنفهمه ونستوعب فكره بشكل أفضل , فان مستوى التقدم العلمي وطرق ووسائل العلم والعمل آنذاك أجبرت ماركس رغم عبقريته ونقاء فكره ان يترك لنا العديد من الأخاديد والكهوف والجزر الفكرية والعلمية غير المكتشفة ولم يسلط عليها الضوء او الكشف والتنقيب الفكري وقراءة وقائع الحاضر ومستقبل تطور الحراك الاجتماعي وطبيعة قواه المحركة الرئيسية والثانوية وتبادل الأدوار والأخذ بنظر الاعتبار وسائل وديناميكية قوى الرأسمال العالمي لتطوير وتغيير آلياتها وأساليبها وتلافي أزماتها وخصوصا في طور العولمة الرأسمالية والتي كما نرى بداية نهاية الامبريالية العالمية وهي تخل مرحلة الارهاب المسلح نتيجة لازمتها الخانقه.

ان مبدأ التقديس للأشخاص والنصوص هو استعارة وتمثل للأديان باعتبار المقدس هو سر وجودها وروحها التي تفقد الحياة والاستمرار بفقدانه . وبذلك فان الفكر والمنهج المادي الواقعي ركب أسوأ مراكب المثالية, بتبنيه لمبدأ وسلاح االتحريفية والارتداد الذي أصبح أكثر الأسلحة فتكًا وخطراً على كل فكر مبدع ومفكر فذ , غير مدرك ان سبب اللجوء الى التحريف يكمن في مبدأ وواقع التقديس للزعماء والفلاسفة والمفكرين وأقوالهم اللذين لم يحصلواعلى هذا الوصف وهذه الدرجة العلمية والمنزلة الفكرية الرفيعة إلا بكسر حاجز المقدس والتجريء على ثوابته ومسلماته , فان المفكر او المنظر المجدد يلجأ الى تحريف النصوص سعيا منه ليكسب موضوعه وأطروحته وبحثه على فتوى المشروعية والقبول , ويبعد عن نفسه سهام التجريح وسيوف الرفض ،ويبعد عن رقبته حبال الشنق وطلقات الإعدام جزاءا من السلطة والمجتمع التقليدي بحجة تطاوله على المقدس وطعن عصمته وكبريائه وخلوده وبذلك تتم عملية الإساءة للفيلسوف والمفكر وتجرعه لسم الجمود والموت والقنوط فالتحريف يكون كجواز سفر يجيز للمفكر اجتياز حواجز ومصدات حراس العقيدة لينسنى له فتح ابواب الفكر المغلقة، لذلك فان مصير التحريف مرتبط بمصير ظاهرة التقديس يعيش بعيشها ويموت بموتها واندثارها ، وحينما تغلق أبواب الحرية أمام المفكر تنشط العقول الخرافية والمشعوذة بوضع حلول خيالية لواقع موهوم ومتخيل يزيد من إفساد الواقع المعاش ويؤبد بؤسه وترديه لان مثل هذا الفكر يعجز عن كشف خفاياه وتمزيق ستر أوهامه وتضليله و بذلك يكثر من عدد وأشكال أقنعته بدلا من إزالتها . ويبلغ الامر قمة خطورته وسطوته على المفكر المبدع حينما توجه إليه تهمة الارتداد والزندقة والشعوذة وما إليه والتي يروي عنها تاريخ الأديان بمرارة صنوفاً من القهر والقتل والنفي والتعذيب بحق كل مجدد ومتجاوز للفكر الراكد الآسن، فما عسانا ان نقول حينما يكون هذا الامر من سلوكيات القوى الثورية والشيوعية التي من أولى مهامها نقض هرطقة الفكر ((الديني)) خصوصا والفكر والنهج الغيبي المثالي عموما .

ثانيا : – نرى ان من أسس ودعائم المنهج وصدق وفعالية المعالجة وعلميتها ان تتخلص من الثنائيات المتقابلة وعملية الفصل الميكانيكي فيما بينها وبذلك يفقد المنهج المادي الديالكتيكي أهم خواصه في البحث ألا وهو واقع تداخل الألوان والأوصاف والصفات والطبقات والنظريات، حيث يثبت الواقع ان كل شيء بالغ النقاوة غير موجود في الطبيعة وعندما يكون كذلك يفقد قابليته ليكون نافعا ومفيدا في حياة البشر وتقدم المجتمعات في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والثقافية والعلمية، فالماء النقي 100%(H2O (غير صالح للشرب بل يؤدي الى الوفاة ولا يصلح إلا في البحوث والمعادلات العلمية المختبرية البحتة فقط.

ان أهم نقد وجهته الفلسفة الواقعية ((المادية)) وروادها ومفكريها للفكر الديني ونصوصه هو ليس هدف منه تفنيد النص ودحضه واثبات تهافته بل ان هذا النص ولد في ظرف تاريخي معين وفي ظل تشكيلة اقتصادية اجتماعية معينة معبرا عن حاجة إنسانية يتطلبها صراع طبقة او شريحة اجتماعية معينة لتثبيت مكاسبها باعتبارها قوى مهينة في تلك الفترة التاريخية او نص يدعو الى نيل حقوق وإحراز مكتسبات مسلوبة ومغتصبة لطبقات وشرائح اجتماعية مهمشة ومستبعدة تحاول النهوض، ولذلك يفترض ان لاتكتسب هذه النصوص صفة الخلود والتقديس لتكون صالحة لمختلف العصور والعهود ومراحل الصراع والحراك الاجتماعي،ولكن للأسف نرى ان القوى ((الشيوعية والاشتراكية)) حطمت بأيديها أكثر أسلحتها فعالية ومضاء وعلمية لدحر قوى الاستغلال والضلال لتغطس في مستنقعه الضحل بتقديسها للنص والشخص وادمت رؤوسهم الجبارة وهم في قبورهم.

التجربة الروسية-اللنيستالينيه:-

ان من أهم ماركز عليه ماركس وكل منظري الشيوعية والاشتراكية،مبدأ واقع تقسيم المجتمع بعد المشاعية البدائية الى طبقات اجتماعية متصارعة يسعى كل منها للاستحواذ على السلطة وبالتالي على الثروة والمال وقد بين بشكل واضح ومفصل عوامل اكتساب الطبقة اجتماعية معينة ما يسندها وينهض بها لتكون طبقة سائدة في المجتمع ضمن تشكيلة اجتماعية اقتصادية معينة ولا نظن إننا بحاجة الى الإفاضة في هذا المجال وخصوصا لمن يهمه الامر من الماركسيين والشيوعيين حركات وأحزاب وأفراد،وان صعود طبقة اجتماعية لتكون مهيمنة يتطلب استكمال وعيها كطبقة لذاتها وبالتالي واعية لمصالحها لتنخرط بفعالية وقوة في الحراك الاجتماعي والسياسي للحفاظ على مكاسبها او لنيل حقوقها المغدورة والمصادرة من الطبقات الأخرى او العمل على سلب الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى حقوقها لتستأثر بها.

ان طبيعة التطور الاجتماعي الاقتصادي تكون واضحة وبينة كلما كان الاصطفاف الطبقي واضحا ومحسوسا ومن شرط هذا النضج ان تبدع هذه الطبقة أيديولوجيتها وفلسفتها التي تخدم مصالحها وتميزها عن مستَغليها او من تستَغِلهم وعندما تكون الطبقة الأكبر والأكثر عددا مسلوبة الحقوق والحرية والكرامة يجب ان تمتلك هذه الطبقة فهما وتفسيرا يتميز ويختلف عما تمتلكه الطبقة النقيض مستغِلة او مستغََله،بالإضافة الى فهم طبيعة علاقتها بأدوات الإنتاج وطبيعة تمللك هذه الأدوات، تشير الكثير من الدراسات والبحوث والأمثلة التاريخية الى فشل طبقة العبيد رغم سعة وكبر عددها قياسا للطبقات المهيمنة والمسيطرة عليها وعمق وهمجية ولاانسانية ماتعرضت له من القهر والاستغلال والإذلال، إلا انها لم تستطع ان تكون طبقة مهيمنة ومسيطرة وممسكة بصولجان الحكم والسلطة منذ ثورة سبارتوكس وثورة الزنج في العراق وثورة القرامطة وكذا هو الحال بالنسبة للطبقة الفلاحية على الرغم من انتفاضاتها وثوراتها العديدة،ويكمن هذا الامر في الاستحالة الموضوعية لامتلاكها ايدولوجية مميزة لتكون سلاحها لوعي ذاتها وتعمل لذاتها ضد مالكي العبيد او الإقطاع عبر العصور والتي كانت غالبا ماتستعير سلاح الطبقة الحاكمة لتحارب به فيرتد هذا السلاح عليها مسببا لها مزيدا من القهر والانكسار والخضوع.

ان هذا الامر مختلف بالنسبة للطبقة البرجوازية في صراعها ضد قوى الإقطاع والملكية المطلقة في بداية الثورة الصناعية في أوربا وغيرها من بلدان العالم لتستلم صولجان الحكم وإزاحة سلطان الملكية الإقطاعية التي أصبحت متخلفة ومعيقة لمسيرة التقدم والتطور في هذه البلدان وهذا مايفسر تباين أوقات وتواريخ هذه الثورات وهذه الإزاحات للسلطات الملكية وسلطان الإقطاعية في البلدان المختلفة تبعا لنضوج الطبقة البرجوازية النقيض بلاضافة الى العوامل المساندة الأخرى كالموروث الثقافي وطبيعة الغطاء الديني والعرقي والعرف الاجتماعي السائد، والوثائق التاريخية توضح كم استغرق حكم الإقطاعية ودام قرونا طويلة لحين اكتمال نضوج نقيضها إلا وهو الطبقة البرجوازية وليس طبقة الاقنان والفلاحين، وقد لاقت ايدولوجيتها قبولا ودعما واستحسانا من الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى وهي تنادي بالحرية والديمقراطية والمساواة باعتباره الأمل الذي تسعى لتحقيقه الشعوب في طريقة الحكم والخلاص من الاستبداد الإقطاعي وغطاءه الديني وهو دلالة على النهوض الواسع النطاق لمختلف البرجوازيات الوطنية في بعض البلدان في القارات الأخرى وخصوصا في أوربا، والرواج الكبير لأفكار الثورة الفرنسية وتبشيرها بحقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة وإقامة الديمقراطية الدستورية إلا مثالا واحدا على ذلك وقد انضوى جمهور الفلاحين والحرفيين والعمال تحت راية البرجوازية الثائرة ضد سلطة الإقطاع والارستقراطية الملكية.

ومن المعروف ان هذا التحول لو حصل في بلد واحد من بلدان العالم لتكالبت عليه قوى الاستبداد الكنسية والملكية المطلقة المتحالفة مع بعضه وأخمدت أنواره في مهده، وهذا هو احد أسباب فشل الثورة ((الاشتراكية)) في روسيا وقد كان ((لينين)) قد أشار الى صعوبة دوام الثورة مالم تحدث ثورة مماثلة في احد البلدان الرأسمالية المتطورة في العالم وخصوصا ألمانيا، والذي سنتعرض لبقية أسبابه في قادم البحث.

ان ولادة وسيادة وهيمنة الطبقة البرجوازية في العديد من البلدان الأوربية اصطحب معه موضوعيا وكشرط لوجودها كطبقة مهيمنة جديدة نقيضها الطبقي وسر بقائها وسيادتها، الطبقة العاملة الناشئة سندا قويا وحاسما في صراع البرجوازية مع قوى الإقطاع وتتويج هذا الصراع بانتصارها المؤزر في الكثير من البلدان،ولكن هذه الطبقة((البرجوازية)) المبني بقائها في جوهره على الاستغلال والاستئثار وإقصاء المنافس والشريك، أرادت للطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة وشريحة الفلاحين الفقراء ان يكونوا شركاء في التضحية والكفاح ضد الملكية الإقطاعية والكنسيةالمستبدة وليس شريكا في الغنائم والإمساك بصولجان السلطة ومركز القرار وقد كانت قوة الطبقة العاملة تتناسب طرديا مع قوة الطبقة البرجوازية وعظم منشئاتها الصناعية والزراعية والتجارية وقد أصبحت طبقة بذاتها في هذه البلدان وابتدأ صراعها البطولي مع الطبقة البرجوازية الحاكمة من اجل نيل حقوقها ضمن فعاليات مطلبيه تتعلق بعدد ساعات العمل والأجور والسكن والتعليم والصحة والذي قد يتحول أحيانا الى صراع سياسي او ينعطف بهذا الاتجاه تبعا لدرجة نكران البرجوازية لحقوقها المشروعة والمستلبة متطلعة لتكون طبقة لذاتها.

وبناءا على ذلك لو أخذنا روسيا والتي قال عنها اغلب المفكرين الماركسيين والاشتراكيين آنذاك بأنها من أكثر البلدان الرأسمالية تخلفا في عهد القيصرية الاستبدادية مما ولد الكثير من الحركات الثورية الرومانسية والحركات الطوباوية المناضلة المتطرفة الجذور والتي غالبا ما كانت تنزع الى أسلوب التأمر والانقلابات والاغتيالات الفردية للسيطرة على الحكم والانتصار لقضايا الفلاحين وعموم الكادحين المحرومين والبؤساء وقد كانت اغلب هذه الحركات بزعامة البرجوازية الصغيرة والشريحة المثقفة من المجتمع الروسي الطامحة للحرية والمساواة والعدل والهادفة للبطولة والمجد الفردي محاولة دخول التاريخ من أكثر أبوابه صخبا وشهرة ، ويعزى السبب في ذلك الى ضعف الطبقة العاملة وقلة عددها ووعيها الثوري كنتيجة لضعف البرجوازية الروسية وعدم انعتا قها من الأسر الارستقراطي الإقطاعي ومروثه الثقافي وهيمنته الفكرية ممثلا بالقيصرية الروسية المستبدة ، والمتتبع للإحداث يلمس حقيقة ضعف الطبقة العاملة وتنظيمها السياسي الممثل ( بالحزب الشيوعي الروسي )والذي غالبا ما كان ينتمي قادته وكوادره للبرجوازية الصغيرة وخصوصا الى الرومانسيين الثوريين الروس من حيث ألتوق للبطولة والمجد الفردي والصمود الأسطوري بوجه الأجهزة السلطوية القيصرية آنذاك وقد كان شقيق لينين قد اعدم نتيجة محاولته اغتيال القيصر وقد كان لهذا الحدث اثرا كبيرا على ((لينين))، وقد شهدت روسيا عدة انتفاضات وثورات من بينها ثورة 1905 ولكنها لم تستطع حسم الصراع لصالحها بسبب ضعف موضوعها وضعف حامل أفكارها وتطلعاتها الاجتماعي في بنية المجتمع الروسي وهي بهذا الوصف لم تكن المرشحة الاولى حسب المنهج الماركسي للثورة الاشتراكية في العالم.

لقد كان للحرب العالمية الأولى والنهج العدواني للقيصرية الروسية نحو شعوب ودول العالم الخارجي للاستحواذ على ثرواتها واستعبادها وبالمثل نهجها التعسفي القمعي وسحق إرادة وإنسانية وتطلعات الشعب الروسي المتميز بموروثة الثوري والجانح نحو الحرية الى هزيمة القيصرية الروسية وانكفاء الجيش الروسي مهزوما ومذلا ومهانا في الحرب ليتحول هذا السخط الى سخط مسلح وتمرد ضد القيصرية ،وما قصة المدمرة بوتمكين والطراد اورارا الشهيرة الاشاهدا على ذلك وأحد العوامل الحاسمة في ترجيح كفة القوى الثائرة والمنتفضة من مختلف فئات الشعب بما فيها البرجوازية الروسية والفلاحون والعمال وعموم المثقفين الروس وسعيها للإطاحة بالاستبداد القيصري،وهنا برز دور الحزب الاشتراكي الروسي على ساحة الصراع مستفيدا من التذمر الشعبي العارم وامتلاكه لقوة تنظيمية وتجربة نضالية وامتلاكه لكادر قيادي متمرس ومقتدر الى حد العبقرية التي تمثلت بلينين وترو تسكي ورفاقهما الآخرين مما اهله ليكون في الطليعة معبأ فقراء الشعب بما فيهم العمال والفلاحين للتغير الجذري وتوزيع الثروة والسلطة ساعيا لإقصاء القيصرية الروسية ونابذا للبرجوازية التي لم تكن تنزع بحكم عدم نضوجها وضعفها الى تغيير جذري في بنية الحكم وقيادة الثورة الوطنية الديمقراطية بل الى إصلاحات سياسية واقتصادية هامشية وهذا ماجعلها تتخبط في مواقفها وقراراتها وبذلك خسرت قواعدها وخسرت ثقة الجماهير الثائرة والمشحونة عاطفيا الى ابعد الحدود لتنكفئ هذه الجماهير لصالح الحزب الاشتراكي الروسي الذي كان يعيش في ظل واقع ومزاج ثوري متقدم وبنية اقتصادية وصناعية متخلفة وطبقة عاملة قليلة العدد والتجربة وحديثة الوعي ولم تكن بمستوى ولادة قادتها ومفكريها من رحمها فكوادر الحزب الاشتراكي الروسي الممثل المفترض للطبقة العاملة الروسية وطليعتها الواعية كان اغلبهم مولود من رحم البرجوازية والبرجوازية الصغيرة وليس من رحم الطبقة العاملة وحضانتها.

ان عدم نضوج وتطور البنية التحتية للصناعة الروسية وتخلفها عن مثيلاتها في الدول الرأسمالية كأمريكا وألمانيا وايطاليا وبريطانيا أدى الى النتائج التالية:-

· أولا :- ضعف وحداثة الطبقة العاملة الروسية.

· ثانيا:- ضعف العملية الإنتاجية وعدم قدرتها لاستيعاب تبني المهام والبرامج والطموحات التي يناضل من اجلها الحزب كتحقيق الرفاه الاقتصادي والتقدم العلمي و التعليم والسكن والصحة للمواطنين الروس وهي الأهداف المرجوة من الثورة الاشتراكية كما أطلق عليها،وهذا الحال فرض على القيادة الروسية:-

· ان ترتضي لنفسها كبرجوازية صغيرة ونخبة من المثقفين الثوريين ان تنصب نفسها وصية على الطبقة العاملة الروسية القاصرة لتنفرد في مهام التنظير وقيادة خطى التغير لحين بلوغها سن الرشد والتي نصبت نفسها على امتداد الحكم السوفيتي ، القاضي الذي يملك حق إعطاء حكم النضوج وإسقاط القيمومية عنها هذا الحكم الذي لم يصدر لغاية انهيار التجربة، هذا الواقع تطلب وضع خطة مركزية وواجبة التنفيذ مرسومة من القيادة العليا وواجبة التنفيذ تحت مختلف الظروف من اجل العمل السريع والمتواصل لبناء بنية تحتية صناعية وزراعية متطورة تفي بالغرضين انفي الذكر إلا وهما نضوج الطبقة العاملة واسعة العدد عالية الوعي لتتولى قيادة الحزب الشيوعي واستلام القيادة من اوصايائها وأولياء أمورها وعندها يكون الحزب منسجما مع مبادئه الماركسية ومنهجه الفكري النظري ،كونه طليعة الطبقة العاملة وحامل طموحاتها في إقامة مجتمع السعادة والعدل والحرية والديمقراطية الحقيقية والرفاه.

· ثانيا:- قيام مؤسسات إنتاجية ضخمة ومتطورة قادرة على الإيفاء بوفرة الإنتاج وتحسين نوعيته واللحاق بالدول الرأسمالية المتطورة ان لم يكن يسبقها.

فقد تصدى فريق البلاشفة الروس بقيادة الكابتن المجرب والمقتدر ((لينين)) ورفاقه للعب في غير وقت استحقاقه وقد اجبره الموضوع على تخطي نتائج اللعب بين فريقي البرجوازية الروسية وحلفائها مع الفريق القيصري الحاكم وذلك بسبب ضعف وعدم استعداد وعدم رغبة هذا الفريق على إخراج الفريق القيصري الإقطاعي الحاكم من ساحة اللعب بل كان يسعى بسبب هشاشته وتبعيته نتيجة ضعف بنيته التحتية ،كان يميل الى إبقاء الفريق القيصري في الساحة ومؤاخاته أحيانا أخرى تحسبا وخوفا من الفريق البلشفي المتوثب والمتمرن في ساحة الكفاح اليومي ضد الإقطاع والاستبداد القيصري ومستفيدا من تذمر العسكر بعد الهزيمة العسكرية للجيش الروسي.مما مهد الساحة لصعود البلاشفة ليكونوا على راس القوى للهيمنة على السلطة لكن الفريق البلشفي وجد لاعبيه مختلفين في التكتيك وكل مجموعة منهم تمتلك خطة للعب تختلف عن الكتلة الأخرى بسبب عدم الاستفادة مما يفرزه صراع الفريق الاقطاعي والبرجوازي من التجارب والخبر لتكون عوامل قوة واكتساب خبرة وتهيئة كادر قادر على خوض الصراع ، مما ادى الى ارتكاب أشهر لاعبيه اخطاءا كبيرة لايمكن للحكم((قانون الصراع)) ان يتجاهلها فرفع بوجه التجربة الكارت الأحمر وإخراجها من الملعب وسط ذهول الجمهور المؤيد والمضحي الذي أصيب بصدمة كبيرة لازال لم يصحو منها بعد، وفرح غامر للفريق الخصم بحيث أصابه الغرور ظنا منه ان خصمه الطبقي اللدود سوف لن يعود الى الساحة ابدآ هذا الفرح الذي تحطم مؤخرا أمام الأزمة الرأسمالية الكبرى الذي يتعرض لها الاقتصاد الأمريكي جارا وراءه كل الاقتصاد لعالمي الجانح للانهيار.

هذا الواقع المتردي والطموح العالي والخيال الثوري الجامح والحرب المسلحة للعصابات المدعومة من الخارج من أنصار القيصرية وحلفائها المذعورين من هذا التحول الهائل ، والحرب الإعلامية والنفسية الضخمة والمنظمة من قبل أعتى الرأسماليات في العالم المتطورة بإمكانياتها العسكرية والتقنية الصناعية الجبارة ضد الثورة ((الاشتراكية)) الوليدة أدى بقيادة الحزب الشيوعي الروسي وتوابعه الى اتخاذ العديد من القرارات والاجرات الفوقية المقيدة للحريات سعيا منه لضمان استمرار الثورة الاشتراكية وتقدمها ومنها:-

· وضع الضوابط التنظيمية الحديدية الصارمة داخل الحزب امتدادا لما كان عليه في العمل السري مما ادىالى اسكات اي صوت ناقد ومجدد وإشاعة روح الريبة والحذر والشك في كل محاولة إبداع وتصحيح وتقدم وتقويم من قبل الرفاق في الحزب ناهيك عن عموم المواطنين السوفيت.

· إصدار قرارات بمصادرة أراضي صغار الملاك وحتى فقراء الفلاحين وحيواناتهم وممتلكاتهم من الغلال والحيوانات بدعوى انشاء المزارع الجماعية الاشتراكية مما أدى الى خراب القطاع الزراعي بالكامل وانتشار المجاعة لعدم توفر القناعة والنموذج القدوة للفلاحين في هذا المجال.

· إقرار خطط تطور وبناء صناعي وزراعي وكهربة الريف ونشر التعليم وترويض الروح الفلاحية البرجوازية الصغيرة بأساليب بالغة الصرامة والتصدي بالعنف لمن يتخلف او لم ينفذ الأوامر واتهامه بمختلف التهم الجاهزة كالتطلع البرجوازي والعمالة او التمرد وخيانة الحزب والتشكيك بالقيادة ((المعصومة)) ومحاولة إفشال الخطط وإسقاط الثورة وكلها تهم تؤدي بصاحبها الى الجحيم او الموت المحقق، هذا النهج الذي كان اشد المتحمسين له هم من الانتهازيين والمصلحين والقادة الفاشلين في الحزب والدولة.

كل هذا شجع على عسكرة المجتمع الروسي ومن هنا أتت تسمية ((المعسكر الاشتراكي)) وهما مصطلحان جمعا قسريا وبقوة الحديد والنار فالعسكرة والاشتراكية نقيضان لايلتقيان كما لاتلتقي الحرية والديكتاتورية مطلقا وتحت مختلف الظروف والتبريرات.

هيمنة الزعيم الفرد والقائد الضرورة:-

فنرى انها ولادة طبيعية لقصور وتردي الواقع الموضوعي وضعف وهشاشة وعدم نضوج الحامل الاجتماعي للفكر من قبل الأغلبية الساحقة من الشعب ومن الطبقة العاملة مولدة الحزب وحاضنته ومن النخبة المنتمية إليه مما أنتج هوة واسعة بين طموح القائد والمنظر في الحزب وبين غالبية الكادر من أنصاف الجهلة وأشباه الأميين ومن لم يتفولوذوا ويتسلحوا بالوعي والفكر الماركسي ولم يتمثلوه كمنهج تفكير وليست نصوص ميتة وجامدة هذا الامر أدى بالقائد الى ان يكون الملهم والمعلم والأب الذي تستقى منه التعاليم والإرشادات والخطط وهذا الامر يجر اتوماتيكيا الى تاليه القائد وعصمته من الخطأ وبالتالي يتوجب إطاعته إطاعة عمياء وتقليده في قوله وفعله، فليس امرا جديدا ان يتعلق الإنسان بالاسطورة ليتكأ عليها حينما يرى نفسه عاجزا عن تفسير الظواهر والقوا هر والأحداث في حين يرى القائد نفسه معلقا في الهواء وليس هناك حاملا لفكره ومبادئه قادرا على الاعتماد على ذاته يمتلك روح المبادرة والإبداع والتجدد واكتشاف الجديد والقابلية على الحركة وفهم المتغيرات بلاضافة الى فهم معنى الالتزام التنظيمي، وعدم خرق القوانين في الدولة والحزب ،وإنما غالبا ماتكون عبارة عن كتل بشرية يسيطر عليها حماس أهوج تتلقى التعاليم والإرشادات وتخضع للضوابط والعقوبات وبذلك يتحول الفرد الى القائد الضرورة والزعيم المطلق المخلص حيث تعد له هذه الكتل البشرية المنبهرة دوما والمصفقة باستمرار المسرح ليعتليه الدكتاتور والقائد الأوحد سواء بوعي منه او بدون وعي مبررا كل مايجري بالظروف الطارئة والشاذة وجهل الجماهير وخطط المؤامرات الخارجية مما يجعل قراراته غير قابلة للنقاش والمسائلة وبذلك فهو يكون اقرب للسماء وعالم المثل الأفلاطونية منه الى الأرض وقيم الواقع وتصبح زمرة المحيطيين به من البلداء والانتهازيين شرطة لحماية الوهة القائد وجواسيس يحصون حركات وسكنات رفاقهم قبل ابناء الشعب البسطاء، فتتحول ((الجنة)) الاشتراكية والشيوعية الموعودة الى معسكر اعتقال وحريات مصادرة ومفقودة يسيطر عليها هاجس الخوف من ان يجتاز سياجها الشياطين من العالم الآخر ويعبثون في عقول سكناها وإغراءهم بفتح الأبواب الموصدة الممنوع فتحها لأمثالهم وبذلك تحل عليهم اللعنة فيكونون من الهالكين!!!.

فان لم يكن ((لينين)) يسعى للفردية والديكتاتورية بل فرضها عليه الموضوع فلاشك أن ((ستالين)) هو احد إفرازاتها وقد سعى إليها بوعي وتخطيط مسبق عبر ضخامة مراسيم التشييع وتعظيم الرفيق لينين وتحنيط جثمانه ليبقى ((الفرعون))خالدا لايعرف الموت أبدا!!

التكثير من نصبه وتماثيله وصوره وإيداعه في مقبرة فريدة في العالم من حيث الهيبة والأبهة والفخامة لم يحلم بها أعتى الفراعنة و القياصرة والملوك في روسيا والعالم. المراسيم المتبعة والواجبة لكل الرفاق في داخل وخارج روسيا ناهيك عن ممثلي الدول والوفود الزائرة للاتحاد السوفياتي، ولم تكن مثل هذه الإجراءات عفوية وبريئة وبنت لحظتها او استجابة لعواطف الجماهير وحبها لقائدها المفقود((لينين)) وإنما يجري كل ذلك لتعظيم وتأليه القائد والزعيم الموعود ((ستالين)) ،ورسالة تقول ان تعاليم وقرارات الزعيم ستبقى حية لاتموت مهما تغيرت الأحوال والوقائع كما هو جثمانه الذي أصبح عصيا على التحلل والتفسخ والاندثار كما يجري لكل أجساد البشر العاديين،وكما استطاعت يد العلم حفظ وخلود جثمانه فان يد السلطة والحزب ((ستحنط)) فكره وتعاليمه لتبقى حية لاتموت ولاشك انه قد أودع وصيه وخليفته أسراره ومفاتيح علمه وقابلية فك شفرات أقواله وتأويل وتمثل أعماله ولا يحق لأحد غيره القيام بذلك.

وانه من الملفت للنظر والمثير للاستغراب بالنسبة لكل ماركسي ان يرى تاريخ الأحزاب الشيوعية والثورات ((الاشتراكية)) إنما هو نتاج وتاريخ إفراد وزعماء!!!! فأين هو الحزب وأين هي الطبقة المولدة للحزب؟؟؟ حيث تبدو انها محض أسطورة تنهار بمجرد انهيار الزعيم لأنها من صناعته!!!.

ان ماسبق ان استعرضناه من تردي الموضوع ودفع القائد الى مسرح الوحدانية والعبودية والإله لينصب قيماً على الحزب وقيادته وتنصيب الحزب قيما على الطبقة ليكون بدوره قيما ووصيا على أمه ومولدته وحاضنته ومرضعته وبالتالي على الشعب بكامله باعتبار هذه الطبقة هي مخلصه الأوحد، يؤدي بالضرورة ان تكون القيادة بغالبيتها من المنافقين والنافخين في صورة القائد المفقود لتحظى برضى وحظوة القائد الموعود طمعا في المناصب والمكاتب والامتيازات ولتذهب المبادئ وحامليها للجحيم!!!!

ومن يطلع على تاريخ اغلب الأحزاب الشيوعية في البلدان النامية والمتخلفة ناهيك عن البلدان الأوربية والمتقدمة سيلمس هذا الخلل الكبير في البنية التنظيمية لهذه الأحزاب، فقد وصل الامر في بعض الأحزاب الشيوعية الى انتخاب وتنصيب القائد مدى حياته ومدى حياة الحزب بعد مماته. هذا الحال يفسر انهيار الاتحاد السوفيتي والتجربة((الاشتراكية)) والحزب الشيوعي السوفيتي المليوني العضوية وتوابعه من الأحزاب الشيوعية في البلدان((الاشتراكية)) على اثر نهج البرسترويكا لغربا تشوف عندما أطلق حرية النقد والرأي والتعبير المكبوتة فانهار كل شيء بلمح البصر وإذا ((بالشيوعية)) تنقلب الى رأسمالية وإذا بالقادة حراس العقيدة يتحولون الى لبراليين يضعون أنفسهم تحت خدمة الرأسمال العالمي وينقضون على مؤسسات الدولة التي بنيت بعرق ودم وشقاء العمال الشيوعيين في معسكرات العمل الإجباري وماسمي ((بالسبوت الشيوعية)) التطوعية وبيعها في سوق الرأسمال الرخيص واخذوا يتسابقون للانضمام لحلف ((الناتو)) حامي حمى الرأسمال العالمي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية!!!!.

فأين الخلل إذا؟؟

إننا نرى ان أهم خلل في التجربة السوفيتية هو في البنية الاقتصادية المتخلفة وفي بنية الحزب الشيوعي السوفيتي وتوابعه ونظامه الداخلي والصلاحيات الواسعة الممنوحة للسكرتير ومكتبه السياسي ومن ثم لجنته المركزية والحظر الفعلي لكل نشاط سياسي لما عداه ومن ذلك مثلا عدم تحديد فترة الأمين العام والسكرتير وضرورة الإبدال الدوري له ليحل محله رفيق أخر وعدم جواز تجديد انتخاب السكرتير العام والمكتب السياسي للحزب مهما كانت الظروف والمبررات وخصوصا في ظروف السلم والانفتاح الديمقراطي والحرية السياسية الموجودة بشكل أواخر في اغلب بلدان العالم المعاصر من اجل غلق الطريق أمام أمراض الهيمنة الفردية وكبح جماح غريزة التسلط والاستبداد، ففي الوقت الذي تقول النظرية ان الإنسان في المجتمع الشيوعي سيتمكن من إدارة شؤونه بنفسه ممتعا بكامل حريته ومتخلصا من كل أشكال الاغتراب والاستلاب في المجتمع الطبقي وبذلك يضمحل الحزب وتضمحل الطبقات ومنها الطبقة العاملة ثم تضمحل الدولة التي تفقد أسباب وجودها، نرى ان هذا الفهم وهذا التنظير يكاد يكون مفقود عمليا داخل بنية الحزب الشيوعي ماسخا الفرد ومشككا في قدرات الرفيق من تسنم القيادة والريادة وتحمل المسؤولية والقدرة على الإبداع والتجديد والخلق مناقضا بذلك مرتكزانه الفكرية باعتباره نموذج مصغر للمجتمع الشيوعي الموعود.

فنحن نرى ان المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي صب جام غضبه ونقده على شخص ستالين وحملته كل نكسات الحزب والمآسي الذي سببها لقيادة وكوادر الحزب والشعب الروسي خصوصا والسوفيتي عموما ،دون ان يحدث تغييرا جذريا في البناء التنظيمي للحزب فأبقي الحال على ماهو عليه فيما يخص النظام الداخلي للحزب خوفا من فسح المجال أمام العقول المفكرة والمجددة والناقدة الجريئة المطالبة بتغيير جذري في قيادة الحزب والدولة والقضاء على الفساد والبيروقراطية المهيمنة على قيادة الدولة آنذاك مما راكم المزيد من الفشل والتعثر والديماغوجية الإعلامية بحيث تم الترويج لمقولة دخول الاتحاد السوفيتي المرحلة الشيوعية بعد ان أتم البناء الاشتراكي بنجاح في زمن ((برجينيف))!!!، وتحت عاصفة نقد ((ستالين)) استتر العديد من القادة في الحزب الشيوعي السوفيتي بقناع البراءة من الستالينية للتنصل من مشاركتهم ((ستالين)) في أخطاءه وتعسفه واستبداده ففي الوقت الذي أتلفت صوره ورفعت تماثيله ونصبه من الساحات ومؤسسات الدولة، لم يمس منهجه الفكري والتنظيمي وسلوكه السياسي، فلم تسلط الأضواء والدراسات على الستالينية كظاهرة مرضية في جسد الأحزاب الشيوعية وبالتالي وضع الحلول الجذرية لاستئصالها والوقاية منها.

أصبح من الصعوبة بمكان إصلاحه او إعادة ترميمه فادى الى تفاقم وتراكم الأخطاء والانحرافات في البنية التنظيمية .

فلو قارنا هذا الحال مع العالم الرأسمالي لرأينا ان سلطة الدولة والحكم تهيمن عليها الطبقة البرجوازية عبر أفراد مرتبط مصيرهم بمدى نجاحهم في تحقيق المكاسب والأرباح للطبقة الرأسمالية والحفاظ على مكاسبها واستغلالها المتصاعد في كل العالم فمصلحة الطبقة فوق مصلحة الفرد والحزب حيث تجري عمليات انتخابية علنية واسعة وسط كرنفلات إعلامية هائلة لكي تختار البرجوازية والاحتكارات الرأسمالية أكفا واقدر عناصرها لقيادة دفة الحكم مظهرة إياه وكأنه خيار الشعب بكامله، وهي على استعداد كامل للاستغناء عن اي فرد مهما بلغت منزلته حينما يعجز ان يقدم أفضل الخدمات واكبر المكاسب لقوى الرأسمال، فعلى الرغم مما يقال حول قدسية الفرد المختزل حقيقة في قدسية الرأسمال وتمجده كسوبرمان طوال تمثله روح الرأسمال، ولكنها سرعان ماتنبذه إذا تضررت مصالحها الطبقية او خبا بريقه ولم يتقن دور المضلل كحاكم باسم الشعب بكل طبقاته وفئاته بالاضافة الى وضع سقف زمني محدد لايتجاوز دورتين انتخابيتين لحكم الرئيس او الزعيم ليكون على راس لدولة او الحزب مديمة بذلك تضليلها بان الشعب يجدد خياراته، بالضد مما حصل في البلدان((الاشتراكية)) حيث الادعاء بان الحكم هو حكم الطبقة العاملة المعبر عنه بديكتاتورية البرولتاريا ،ولكن واقع الامر ان البرولتاريا لم تتسنم قيادة الحكم طوال تاريخها ومنذ ولادتها لحد الآن عدى عما توصف به كومونة باريس إنما يحكم بالنيابة عنها عن طريق الحزب الطليعة المحكوم والمسير من قبل المكتب السياسي واللجنة المركزية التي غالبا ماتدور في فلك السكرتير العام والقائد ((الملهم)) والعبقري ((الفذ)).فقد انتخب ((ماو)) مدى الحياة سكرتيرا عاما للحزب وهاهو الرفيق ((كاسترو)) لازال متربعاً هو وأشقائه على عرش السلطة((الاشتراكية)) في كوبا، وكذلك لبقي أسلافهم ، لينين وستالين وهوشي منه وغيرهما مابقيا أحياءاً وهذا خلاف ما تؤمن به الماركسية حول قدرة الإنسان الحر على القيادة والإبداع وليس هناك عقل خارق مفارق ومعصوم لايمكن إبداله او الاستغناء عنه.

ان هذا الخلل في الانظمة الداخلية للأحزاب الاشتراكية والشيوعية وفر ومهد الفرصة أمام الطموحات الفردية الغير مشروعة والمصابة بداء الزعامة والسيطرة والتحكم البرجوازي الموروث والمخزون في اللاوعي منتهزا أية ثغرة ضعف وخلل في الحصانة المبدئية والفكرية والإنسانية لتخرج من كهوف اللاوعي المظلم تحت مختلف الذرائع والحجج لتعلن عن عصمتها،ولاشك أن هذا النهج يرجع الى ضعف وتخلف الطبقة العاملة العاجزة عن استيلاد مفكريها وقادتها ومفكريها فأوكلت أمرها للبرجوازية والبرجوازية الصغيرة .