الرئيسية » مقالات » المركز والأقليم

المركز والأقليم

حدد الدستور العراقي في المادة الأولى منه من أن العراق يعتمد نظاما جمهوريا نيابيا ( برلمانيا ) ديمقراطيا أتحاديا ، وهذا التحديد يعرف النظام السياسي في العراق تعريفا دستوريا ، تستند على هذا التعريف قاعدتي الدولة والتي تعني السلطة ، وقاعدة نظام الدولة .

ووفقا لهذا التعريف الدستوري ينبغي أن يتم تحديد الشكل الخارجي للسلطة في العراق ، والوظائف القانونية التي تتعلق بها ، بالأضافة الى الوسائل والطرق التي تتم ممارسة السلطة ، هذه الوسائل التي تتطابق مع حرفية نصوص الدستور .

فالدستور يعني مجموعة القواعد التي يتم الأستناد اليها في تنظيم المجتمع والدولة ، وتعتبر نصوص الدستور هي المعيار والفيصل في تحديد المطلوب ، أذ لاأجتهاد في مورد النص .

وتختص المحكمة الأتحادية العليا التي حدد الدستور العراقي شكلها وأختصاصها وعملها في الدستور ، ضمن المواد من 92-94 ، بأعتبارها تختص بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة ، وتقوم بتفسير القوانين الصادرة عن الهيئة التشريعية ، وتفصل في القضايا التي تنشا عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية ، ويكفل القانون بهذا الشأن حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الأفراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة ، كما تقوم المحكمة المذكورة بالفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة التحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والأدارات المحلية .

كما تقوم المحكمة الأتحادية العليا بالفصل في المنازعات التي تحصل بين حكومات الأقاليم والمحافظات وتفصل ايضا في الأتهامات الموجهه الى رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء والوزراء ، وتصادق على النتائج النهائية للأنتخابات العامة لعضوية مجلس النواب ، وتفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للاقاليم والمحافظات غير المرتبطة باقليم ، وتفصل في تنازع الاختصاص بين الهيئات القضائية للاقاليم أو المحافظات التي لم تنتظم باقليم ، وقرارت هذه المحكمة باتى وملزمة للسلطات كافة ( الحكومة الأتحادية والأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم باقليم ) .

ومن يتمعن في المادة الأولى من الدستور يدرك أن نظام الحكم للدولة العراقية جمهوريا ، وبرلمانيا ، وديمقراطيا ، وأتحاديا ، بمعنى انه يلتزم بالنظام الجمهوري المعتمد على نظام فصل السلطات ( م 47 ) ، مستندا على البرلمانية واعتماد الديمقراطية كأسلوب للحكم ويتخذ من القاعدة الدستورية للنظام الفيدرالي نابذا الأسلوب القديم في المركزية ، حيث مر العراق بتجربة مريرة خضع خلالها من خلال سيطرة المجتمع القبلي والنزعات المتطرفة الشوفينية في السيطرة القومية ، بالأضافة الى الأنظمة الأستبدادية والدكتاتورية التي مرت على تاريخ العراق ، جعل التطلع نحو الفيدرالية ليس كأسلوب مغاير للمركزية ، وليس أيضا كرد فعل على تلك الأنظمة ، إنما جعل ذلك حلا وطنيا يعالج من خلاله العديد من الأشكاليات والعلاقات الإنسانية مع بقاء العراق الأتحادي ، حيث تحافظ السلطات الأتحادية على وحدة العراق وسلامته وأستقلاله وسيادته ونظامه الجمهوري الديمقراطي الأتحادي .

ومن الطبيعي أن تكون التجربة العراقية الجديدة تطرح أنماطا وأشكالا من العلاقات بين المركز في الدولة الأتحادية وبين أقليم كردستان ، بأعتباره الأقليم المعترف به دستوريا وفق المادة 117 مع الاقرار بسلطاته القائمة كأقليم أتحادي .

أدخال النظام الفيدرالي يعد التزاما دستوريا حديثا للعراقيين ، ومثل هذا النموذج من انماط الحكم لايمكن أن تستقر أو يتم تطبيق خطوطها دون اختلافات ، ومع أن الدستور حدد اختصاصات السلطة الأتحادية في المواد من 110 -115 ، الا انه جعل بعض تلك الأختصاصات متداخلة ومشتركة ، كما في رسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط ولغاز ، وكما في الاثار والمواقع الاثرية والمخطوطات والمسكوكات ، وايضا ما يتعلق بادارة الكمارك وتنظيم مصادر الطاقة الكهربائية الرئيسة وتوزيعها ورسم السياسة البيئية والحماية من التلوث ورسم سياسات التنمية والتخطيط العام ، ورسم السياسة الصحية والتعليمية والتربوية والموارد المائية ، بالأضافة الى النص المطلق الذي حددته المادة 115 من الدستور والذي يقول :

(( كل مالم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية تكون من لاحية الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة باليم والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الأتحادية والاقاليم تكون الاولوية فيها لقانون الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما . ))

أن الفيدرالية تشكل بالنسبة للعراق نموذجا قابلا للتطبيق ومتناسبا مع التعددية القومية والدينية ، ولكن هذا النظام الفيدرالي لايمكن ان ينسجم مالم يقترن بالفعل الديمقراطي ، اذ تبقى الفيدرالية مبتورة وناقصة سواء في المركز أو الأقاليم مالم يتم التقيد بمضمونها ، والعمل على تطبيقها والشروع بالتدريب عليها وممارستها ، الفيدرالية والديمقراطية صنوان لايفترقان ، وكفيلان بحل أغلب الأشكاليات التي تعاني منها الشرائح العراقية ، وبهذا الشكل نستطيع أن نتخلص من الرواسب التي خلفتها الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة على حكم العراق .

ولعل تجربة الأمارات العربية المتحدة ، وهي تعتمد النظام اللامركزي ، ولايمكن انطباق النظام الفيدرالي عليها بوضعها الحالي ، وسعي بعض الأمارات للتميز ، مع توفير مساحات من الأستقلالية في الحكم والتخطيط ، تشكل تجربة جديرة بالتقدير .

لابد أن يشكل التطبيق الفيدرالي في العراق اختلافا في الرؤى ، وهذا الأختلاف ناتج عن ردة الفعل بقصد التخلص من جذور الأنظمة الدستورية وأشكال السلطة السابقة ، فالتطبيق الديمقراطي ينسحب على الالتزام بحقوق الإنسان ، وبالتالي الأعتراف والأقرار بحقوق بقية القوميات والأقليات والتجمعات الدينية والعرقية اعترافا يجعلها تنصهر ضمن العراق الموحد ، ويضمن حقوقها الدستورية والوطنية بما يجعلها تساهم في عملية البناء .

أن الأطار الدستوري الذي وصل اليه العراق لم يكن بناء على رغبة حزبية أو قرار من نخب سياسية ، وليس بناء على دعوة من طرف من الأطراف القومية ، الأطار الفيدرالي – الديمقراطي كان حصيلة توافق و نضال العراقيين وتضحياتهم ، عربا وأكرادا وتركمان وكلدان وآشوريين والسريان والأرمن ، وهو تعبير عن الأصرار على الحياة المشتركة والتعايش داخل الوطن الواحد .

ونعود الى قضية الأختلافات بين المركز والأقليم ، فأن مايربك العلاقة تلك المحاصصات الطارئة في تاريخ العراق ، وتلك المفاهيم الطائفية التي لم تزل تنخر بالجسد العراقي ، وتمزق الشرائح ، وتضعف مسيرة العراق الجديد ، مايربك العلاقة تلك العلاقات الحزبية المتحجرة التي تقيد الحكومة ، فتلغي الكفاءة وتقيد الطاقات وتقدم البديل غير الكفوء الذي لايتناسب مع مرحلة البناء ، معرفة الأختصاصات وطرق معالجتها شرط اساسي لأبقاء العلاقة بين المركز والأقليم علاقة منسجمة وطبيعية ، ومادامنا نعتقد بأننا لايمكن أن نعود لنقطة الصفر مرة أخرى ، بعد أن خلفنا ورائنا حقبة زمنية كالحة وظالمة تركت لنا تخلفا سياسيا واجتماعيا وأقتصاديا وثقافيا ملموسا ، مع ايماننا بعدم قدرة الحزب الواحد أن يعود ليحكم العراق ولا القومية الواحدة ولا المذهب والدين الواحد ، في بلد متعدد مثل العراق .

أن اللجوء الى المحكمة الأتحادية في حال الأختلاف يمثل تصرفا حضاريا يليق بالعراقيين ، كما أن قوة الدولة لاتقاس بجيشها أو بثقلها الأمني ، ولابمقدار تعسفها ومؤسساتها الأمنية والأستخبارية ، انما بقدر قدرتها على تقديم الخدمة للأنسان العراقي .

الدولة العراقية برلمانية ، ومجلس النواب يشكل السلطة التشريعية ، ويستطيع محاسبة ومراقبة المسؤول مهما كبر منصبه أو صغر ، ونظامنا متجانس الا انه يعاني من امراض لابد أن نتخلص منها ، وليس لنا الا التمسك بالفيدرالية والديمقراطية بعيدا عن المركزية التي تعني الغاء مكاسب العراق وتطلعاته المستقبلية ، والغاء لحق الشعب العراقي في الخيار الدستوري .

واذا كانت الفيدرالية تعني حق ممارسة سلطة الاقليم لصلاحياتها التي حددها الدستور ، فأن الفيدرالية ايضا تعني تعزيز لوحدة العراق وليس اضعافا له كما فعلت الأنظمة المركزية .

على أن لاننسى أن الفيدرالية تعني ايضا نظام سياسي يتنازل فيه المركز عن بعض صلاحياته وامتيازاته لسلطة الأٌقليم ، على إن تبقى بعض الصلاحيات المركزية متفق عليها ومحددة بنصوص الدستور ، ومنها السياسة الخارجية وسياسة الأمن الوطني والدفاع والسيادة والسياسة المالية .