الرئيسية » مقالات » الاتفاقية الأمنية آفاقها وتداعياتها على مستقبل العراق

الاتفاقية الأمنية آفاقها وتداعياتها على مستقبل العراق

تحت عنوان (الإتفاقية الأمنية آفاقها وتداعياتها على مستقبل العراق) نظمت رابطة علماء الدين في بريطانيا ندوة جماهيرية مساء الجمعة (14/11/2008م)، استضافت فيها الإعلاميين العراقيين الدكتور نضير الخزرجي والأستاذ صلاح التكمه جي .

في البدء أعطى مدير الندوة الأستاذ الشيخ فاضل الخطيب صورة عامة عن عنوان الندوة السياسية، وتطلع العراقيين في داخل العراق وخارجه إلى معرفة نتائج الاتفاقية من سلبيات وايجابيات وآثارها على مستقبل العراق السياسي.

الإعلامي والباحث العراقي، مدير الرأي الآخر للدراسات في لندن، الدكتور نضير الخزرجي تناول في ورقته محاور عدة من الاتفاقية، حيث سلط الضوء في البداية على الفصل السابع من فصول ميثاق الأمم المتحدة السابعة والعشرين والمتضمنة لمائة وإحدى عشرة مادة، حيث يضم الفصل السابع، وليس البند السابع كما يشاع غلطاً، على ثلاث عشرة مادة وهي المواد 39 إلى 51، وتخول المواد 39 و40 و41 لمجلس الأمن الدولي استخدام القوة لتنفيذ قراراته وإلزام الدول المعنية العمل بها.

وعن العلاقة القائمة بين الفصل السابع وعقد الاتفاقية الأمنية بين العراق وأميركا رأى الدكتور الخزرجي أن العراق وحتى يخرج من طائلة الفصل السابع، فهو بحاجة إلى أن تقدم القوات الأجنبية في العراق التي تقودها الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي تقريرا إيجابيا تعلن جاهزية العراق للانسجام مع المجموعة الدولية دون الحاجة إلى إلزامه بالفصل السابع، أي أن تقدم واشنطن تقريرا تعلن فيه صراحة أن العراق لم يعد يشكل تهديدا عسكريا لدول الجوار، وفي حالة عدم توقيع الاتفاقية فانه من المستبعد جدا أن تقدم واشنطن على مثل هذه الخطوة، وبالتالي يظل العراق أسير الفصل السابع الذي يعوقه عن عمليات البناء والإعمار ويجعل عائداته النفطية نهبا للدائنين.

ورأى الخزرجي أن العراق اليوم يمر بما مر به عام 1930م عندما وقع اتفاقية مع بريطانيا أتاحت له وفقها الدخول في عصبة الأمم المتحدة عام 1932م، فالعراق كان في حينها واقعا تحت طائلة الانتداب البريطاني، وحتى يدخل عصبة الأمم المتحدة يشترط فيه الاستقلال التام أي الخروج من ربقة الانتداب، وحتى يخرج من أسر الانتداب كان عليه أن يوقع اتفاقية مع بريطانيا تنظم عمل وجودها في العراق.

ولما كان التفويض المقدم إلى القوات الأجنبية في العراق سينتهي بحلول 31/12/2008، فان أمام الحكومة العراقية خيارات عدة أحلاها مر:

أولا: أن تقوم الحكومة العراقية بعقد الاتفاقية قبل نهاية العام 2008م، في عهد حكومة جورج بوش الجمهورية المنتهية ولايتها في آخر ساعة من يوم 19/1/2009م، والقبول بآخر ما توصل إليه المفاوضان، والظاهر أن الأمور تسير بهذا الإتجاه.

ثانيا: وإذا فشل الطرفان في عقد الاتفاقية يتراجع مجلس النواب العراقي عن قراره السابق الذي قدمه في كانون الأول ديسمبر عام 2007م، سمح بموجبه للقوات الأجنبية للبقاء في العراق لمدة عام فقط، ويمدد لهذه القوات لعام آخر.

ثالثا: أن تستمر المفاوضات في ظل التفويض الجديد المقدم من مجلس النواب العراقي، مع رغبة لدى البعض بإشراك الأمم المتحدة كشريك ومراقب في الوقت نفسه.

رابعا: أن يمتنع مجلس النواب عن تقديم تفويض جديد، وحينئذ تقع عملية تنظيم وجود القوات الأجنبية وانسحابها في فراغ قانوني محلى ودولي، من حيث أن موافقة مجلس الأمن الدولي على وجود القوات الأجنبية في العراق مشروطة بموافقة الحكومة العراقية، والأخيرة بحاجة الى تفويض مجلس النواب، وفي هذه الحالة يكون أمام القوات الأجنبية خيار البقاء في العراق كقوات محتلة من غير غطاء دولي، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت، أو أن تنسحب على طريقتها الخاصة مما يربك العملية السياسية والأمنية في العراق، وهذا الوضع المتشابك يضع العراق على مفترق طرق، ويفتح مستقبله السياسي على كل الاحتمالات المحمودة والسيئة، ومنها العودة الى المربع الأول قبل نيسان أبريل 2003م.

وتحدث الخزرجي عن حيثيات استبدال اسم الاتفاقية من (الاتفاقية الأمنية) إلى (اتفاقية سحب القوات الأميركية من العراق)، واستحقاقاتها على المستويين العراقي والأميركي، كما أجرى مقارنة بين الاتفاقية المزمع توقيعها والاتفاقية الأمنية بين أميركا وكوريا الجنوبية، ورأى أن الاتفاقية الأخيرة لم تمنع من وقوع انقلابيين عسكريين في كوريا الجنوبية خلال نصف قرن من الوجود العسكري الأميركي، ورأى أن هناك قناعة لدى جميع الأطراف المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية الممثلة لكل مكونات الشعب العراقي، ومن ورائها المرجعية الدينية الساندة للعملية السياسية في العراق، بان عقد الاتفاقية هي واحدة من استحقاقات التغيير الذي حصل في 9/4/2003م، ولكن التفكير والجهد منصبان على الخروج من هذه الاتفاقية بأقل الخسائر الممكنة بما يحفظ استقلال وسيادة ووحدة العراق ويجعله متحررا من ثقل الوجود الإمريكي والفصل السابع معاً.

في الورقة الثانية، تطرق الكاتب والإعلامي مدير المرصد العراقي في لندن، الأستاذ صلاح التكمه جي، إلى تفاصيل اتفاقية التعاون الثقافي والاقتصادي والسياسي، وأعطى نبذة مختصرة عن اتفاقية سحب القوات الأمريكية من العراق وموقف دول الجوار من الاتفاقية الأمنية، مذكرا أن الاتفاقية هي وثيقة استندت على مذكرة إعلان النوايا بين بوش والمالكي في 26 112007، اتفق فيها الطرفان على إجراء مفاوضات للتوصل إلى اتفاقية بين الحكومتين قبل انتهاء المدة القانونية لتواجد القوات الأجنبية في العراق الذي مدد تواجدها بطلب أخير من الحكومة العراقية لمجلس الأمني الدولي الذي منح غطاءا قانونياً لها لمدة سنة وذلك بموجب القرار رقم 1790، حيث تتناول الاتفاقية نوايا التعاون والصداقة بين الدولتين المستقلتين، وتحقيق السيادة الكاملة في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية.

ونوه التكمه جي الى أن الاتفاقية تتكون من محوريين: الأول ويتألف من (11) مادة ينظم العلاقة الطويلة الأمد في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية، مشيرا إلى أن هذا المحور لم يحدث جدلاً سياسياً وإعلاميا مثلما هو الأمر في المحور الثاني، وغالبية القوى السياسية العراقية رحبت بإقرار معظم مجالات التعاون لما فيه مصلحة العراق وتطويره ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وامنيا.

اما المحور الثاني المؤلف من (31) مادة، فيتعلق بالوجود المؤقت للقوات الأمريكية في العراق وأنشطتها وانسحابها منه، وقد أثير الجدل الواسع حول الاتفاقية الأمنية (سوفا) وتم تبديل أربع مسودات حتى استقر الأمر على المسودة الأخيرة التي تم تغيير اسمها فيما بعد إلى اتفاقية الوجود المؤقت للقوات الأمريكية في العراق وأنشطتها وانسحابها منه. وقد عرّفت المسودة الأخيرة الاتفاقية بأنها تنطلق من تعزيز أمنهما المشترك (العراق وأمريكا) والمساهمة في السلم والاستقرار الدوليين ومحاربة الإرهاب في العراق والتعاون في مجالات الأمن والدفاع ومن خلال كل ذلك ردع التهديدات الموجهة ضد سيادة وامن ووحدة أراضي العراق. وهذا التعاون يستند على مبادئ الأمم المتحدة واحترام سيادة العراق واستقلاله .

وعلق التكمه جي على المواد كلها، مؤكدا أن المواد المثيرة للجدل في اتفاقية سحب القوات هي المواد (12) الخاصة بالولاية القضائية للجندي الأميركي أثناء الواجب العسكري وخارجه، حيث ترفض بغداد أن تكون السلطات القضائية الأميركية هي المرجع الوحيد. والمادة (19) الخاصة بالبريد الأميركي، حيث تطالب بغداد بإخضاع البريد للتفتيش والرقابة. منوها في الوقت نفسه أن المفاوض العراقي استطاع أن يحقق عددا غير قليل من النجاحات، منها المادة (9) المتعلقة بالمجال البري والجوي حيث ستعود السيطرة للحكومة العراقية حال تنفيذ الاتفاقية. والمادة (21) الخاصة بالاحتجاز حيث لا يجوز لقوات الولايات المتحدة توقيف أي شخص أو إلقاء القبض عليه (باستثناء التوقيف أو إلقاء القبض على عضو من القوة أو المكون المدني) إلا بموجب قرار عراقي يصدر وفقاً للقانون العراقي وعملاً بالمادة الرابعة، وفي حال قيام قوات الولايات المتحدة بتوقيف أشخاص أو إلقاء القبض عليهم يجب تسليمهم خلال 24 ساعة إلى الحكومة العراقية. والمادة (22) المتعلقة بعقد اتفاقات ثنائية بين العراق ودول أخرى. والمادة (24) التي حددت مدة انسحاب القوات الأميركية، وألزمت واشنطن بها.

ومن النقاط الرئيسة في هذه الاتفاقية، أن أسس العلاقة القانونية بين القوات الأمريكية والحكومة المركزية تستند على وجوب احترام القوانين والأعراف والتقاليد والمواثيق العراقية عند القيام بعمليات عسكرية. كما تتعهد القوات الأمريكية بردع كافة التهديدات الداخلية والخارجية ضد جمهورية العراق ولتعزيز التعاون لدحر تنظيم القاعدة في العراق والمجموعات الأخرى الخارجة عن القانون، وتجري مهام العمليات بالتنسيق الكامل مع الحكومة العراقية وتنفذ جميع تلك العمليات مع الاحترام الكامل للدستور العراقي والقوانين العراقية والقوانين الدولية ويكون تنفيذ هذه العمليات متماشياً مع سيادة العراق ومصالحه الوطنية، ويتفق الطرفان على مواصلة جهودهما في تعزيز قدرات العراق الأمنية.

واختتم مدير المرصد العراقي الاستاذ صلاح التكمه جي حديثه ببيان مواقف ومخاوف دول الجوار والمعارضين للاتفاقية بالنقاط التالية:

أولا: تمهد الاتفاقية لشرعنة الاحتلال الأمريكي في العراق.

ثانيا: تجعل الاتفاقية العراق في المحور الاستراتيجي الأمريكي وهذا ما يستلزم تحييد العراق في الصراع مع إسرائيل.

ثالثا: تعطي الاتفاقية نصرا للإدارة الأمريكية بعد هزيمة مشروعها للشرق الأوسط الكبير.

رابعا: تقدم الاتفاقية امتيازات لطرف قوي (أمريكا) مقابل طرف ضعيف (العراق) الذي يمر بمرحلة من نقص في السيادة وتحيطه قرارات دولية مجحفة لا تجعله في موقع ند وكفء مع الطرف الأمريكي.

خامسا: تمهد الاتفاقية لسيطرة أمريكية على الموارد النفطية العراقية.

بعد ذلك أجاب المتحدثان الخزرجي والتكمه جى، على عدد غير قليل من الأسئلة التي عرضها الحاضرون حول تفاصيل وجزئيات مسودة الاتفاقية، ثم ختم الخطيب الندوة السياسية الجماهيرية التي عقدت في حسينية الرسول الأعظم (ص)، بالتأكيد على أن الحكومة العراقية وحتى تنجح في عقد اتفاقية متوازنة، عليها أن تشرك علماء القانون، وأن تستمد قوتها من وحدة الشعب العراقي، وأن تستفيد من إرشادات المرجعيات الدينية الحريصة كل الحرص على وحدة واستقلال وسيادة ومكانة العراق.