الرئيسية » مقالات » المالكي ينقلب على الدستور العراقي

المالكي ينقلب على الدستور العراقي

أدلى السيد (نوري المالكي)؛ رئيس الوزراء كلمةً أمام مؤتمر النخب والكفاءات العراقية والذي أنعقد ببغداد يوم السبت (8/11/2008) ومن جملة ما تطرق إليه، كان العلاقة بين الأقاليم والمركز؛ حيث أنتقد فيها (تعاظم صلاحيات الأقاليم على حساب المركز) ومشيراً الى أن ذلك كان بسبب الدستور والذي كتب في ظروف غير طبيعية، مطالباً “بوضع النقاط على الحروف” حتى “لا تُصادر الدولة” ونائياً بنفسه عما ورد في الدستور من تقسيم “خاطيء” للصلاحيات – وذلك على حد تعبيره – والخبر السالف تناقلته العديد من وكالات الأنباء والذي فجر معه الكثير من السجالات.

وبالعودة إلى الخبر والتدقيق فيه من خلال قراءة متأنية، لسوف نجد بأن الجهة المعنية بخطاب رئيس الحكومة هي إدارة وحكومة إقليم كوردستان – وهذه لا تحتاج إلى عبقرية نيوتن – حيث لا إقليم في العراق، حالياً على الأقل، غير إقليم كوردستان. وبالتالي فإن السيد رئيس الوزراء يحاول أن يعيد رسم علاقة إقليم كوردستان بالمركز بغداد وذلك باتجاه تقوية المركز – طبعاً – وعلى حساب صلاحيات الإقليم؛ كونه يرى بأن (صلاحيات الإقليم تعاظمت على حساب المركز) وهو يريد (تصحيحها). إن هذه النقطة/القضية بالإضافة إلى غيرها وأخواتها من مثيلات: محاولات السيد نوري المالكي في (تشكيل مجالس الإسناد) وخاصةً في المناطق المتنازع عليه – وإن أمكن في داخل الإقليم أيضاً، وذلك على غرار “الجحوش الصدامية” أو ما كان يسمى بـ”الأفواج الخفيفة” – تؤكد لنا بأن هناك نياتٍ مبيتة ضد مشروع الفيدرالية والديمقراطية الجديدة في العراق برمته، وليس فقط ضد طموحات الشعب الكوردي في الإقليم.

بالتأكيد يعتبر هذا إنقلاباً من جانب رئيس الحكومة على الدستور العراقي المستفتى عليه شعبياً وسياسياً ولكي يبرر إنقلابه هذا فقد أسرع إلى القول بأن “الدستور كتب في ظروف غير طبيعية” وكم كان بودنا لو بين سيادته ما كانت تلك “الظروف الغير طبيعية” والتي باتت الآن (طبيعية) لكي يعاد صياغة الدستور، وفي قضايا ومسائل محددة، ربما في محاولةٍ منه ومن فريقه أن يعيد (أمجاد المركزية الديمقراطية) ولن نقول “الديكتاتوية العروبية” والتي ستطعم بالإسلاموية الملالية بالتأكيد في ظل موازين القوى الدولية والإقليمية الحالية. ولكن هل هناك من دواعي ومستلزمات بأن نذكر القارئ الكريم وكذلك السيد (نوري المالكي) بأن هذا الدستور العراقي الجديد جاء نتيجةً لمفاوضات وتوافقات دام بحدود ربع قرن من مقاربات المعارضة العراقية ومن خلال المؤتمرات التي كانت تعقدها في الداخل والخارج بهدف الوصول إلى حلول ترضي الجميع وذلك قبل أن تدخل القوات الدولية بغداد وتسقط أعتى الديكتاتوريات في الأزمنة الحديثة.

فما الذي أستجد في الساحة العراقية من ظروف ومناخات لكي يطلع علينا رئيس الحكومة بهكذا رأي ويطلب “إعادة صياغة الدستور في علاقة الأقاليم/الأقليم بالمركز”؛ حيث ما زالت تلك الكتل السياسية الأساسية – والتي كانت سابقاً في المعارضة واليوم في السلطة – هي نفسها نفسها مع تغيرات طفيفة على موازين القوى لكتلة سياسية/طائفية على حساب أخرى، وكذلك فإن القوى المتحالفة دولياً ما زالت بعد في البلد ولم/لن ترحل عنه بالسهولة التي يتوقعها بعض السذج وإلى أجلٍ غير مسمى – على الرغم من الإتفاقية الأمنية المقبلة – وكذلك ما زالت القوى الظلامية والسلفية والبعثية الصدامية والقاعدية تهدد البلد بعجره وبجره، أما تهديدات دول الجوار فحدث ولا حرج والكل طامع في “الكعكة العراقية” وهناك من العراقيين من يدير الحرب بالوكالة عنهم وعلى أرض العراق وبدماء وأموال العراقيين، للأسف. إذاً فما الذي أستجد على الساحة السياسية العراقية ليقال بأن “الدستور كتب في ظروف غير طبيعية ويجب إعادة صياغته”، فإن كان هناك جواب عند رئيس الحكومة فليتحفنا ويقنعنا به. أم أن الجواب من النوع الغير منطوق به ويأتي عبر الهمس وبوابات الجوار.

أخيراً نقول: عانى العراق – وما زال – الكثير من المآسي والويلات والمقابر الجماعية في ظل “ديكتاتوريات المركز” وكان حصة و(نصيب) الشعب الكوردي في إقليم كوردستان العراق من تلك المجازر والويلات والأنفال و.. الكثير الكثير، فلا داعي – يا سيادة رئيس الحكومة – أن تعيد إلى الذاكرة النازفة لهذا الشعب الطيب مآسي تلك الأيام والأحقاب السوداء، ناهيك عن استحالة إعادة الديكتاتورية مرة أخرى إلى العراق.. فالعراق الجديد لن تعرف إلا الديمقراطية ومن دون (المركزية) وكفى للعراقيين أن يعطوا آذانهم لهمسات الجيران فـ(أشقائهم وأخوتهم في الداخل) أولى بتلك الآذان وليقولوا لبعضهم، وبصوتٍ عال ومن دون همسات، بأن هذا الوطن كان وسيبقى لكل العراقيين.. فهل وصلت الرسالة.

إقليم كوردستان – هولير
2008