الرئيسية » مقالات » الصحافة والدبلوماسية ؟

الصحافة والدبلوماسية ؟

لا شك إن وكالات الإنباء وقنوات التلفزيون العالمية أسبق في تطيير الخبر من أي جهة أخرى ، وعندما يصل السفير إلى وزارته تكون هناك عدة تقارير صحفية و إعلامية أخرى قد سبقته ،ولا بد من الاعتراف بان برقيات مراسلي الصحف يمكن أن تكون متكاملة وعميقة ومفيدة مثل أي تقرير دبلوماسي ، بل كثيراً ما تعتمد على معرفة أوسع وخبرة أعمق بالبلد إن كان المراسل قد أمضى زمناً طويلاً في البلاد ، لكن من الضروري أن نتذكر أن مهمة الصحفي غير مهمة الدبلوماسي .
فالصحافة تهتم بإيراد الخبر كقيمة صحفية ، وهدفها المباشر التأثير في القارئ أي الرأي العام . والصحافة تكتب تحت ضغط الظروف وتأثير اللحظة كما أنها تغطي أحداث الدول التي تبدو لها مهمة في الأنباء ، فلابد أن تجيء التغطية غير متوازنة . وإذا تناسينا أثر الاعتبارات المالية في اتجاهاتها و تأثير الإعلانات فيها ، فما بالاتجاهات الخاصة لمالكها ورئيس تحريرها ؟
كذلك فالصحافة – بشكل عام – تعيش على الإثارة ولفت الأنظار ، في حيث تهتم الدبلوماسية بتخفيف التوتر وتقريب الفوارق . الصحافة تعيش على الصراعات والخلافات العلنية ، على خلاف الدبلوماسية فنجاحها غير معلن وغير معروف ، مصداقا لقول تولستوي ( العائلات السعيدة ليس لها تاريخ ) والجدير بالذكر ما عرف عن السفارة الفرنسية في العواصم المهمة من انتظارها لتعرف ما قالته صحيفة (( لوموند )) بالذات حول أمر ما قبل أن تبعث برأيها فيه إلى الخارجية الفرنسية . وذلك لأمرين : لتصحيح أولاً ما يرد في الصحيفة من أخطاء ، ولتزيد ثانياً من تفصيلات الموضوع ، وغالباً يكون تقريرها أكثر شمولاً ودقة من ((لوموند)) .
ويجب ألا ننسى أن ما قد تصرح به الحكومات وتتسابق الصحف في نشره قد لا يكون هو نفس الشيء الذي صرح به المسئولون الرسميون في الخفاء . كذلك فإن الصحافة لا يمكن أن تدعي معرفتها بكل ما يجري من مباحثات واتصالات سرية بين الحكومات المختلفة إلا نادراً ، وأحياناً بسبب الرغبة في تسريب خبر ما في ظروف معينة . وهكذا ، فالقول بأن ثورة الاتصالات قد أضعفت من مكانة واستقلالية السفير المعاصر، أو أن أجهزة الإعلام في صورتها الجديدة قد سلبته جزءاً مهماً من صلاحياته ، أمر غير صحيح بل العكس تماماً هو الصحيح ، مثل هذا القول لا يستند في فهم الإنسان ونوازعه و القدرة على التعامل مع الأشخاص ، وفهم عقليات ونفسيات الشعوب وتاريخها ، وهذا مالا تستطيع أجهزة الاتصالات الحديثة أن تغير فيه شيئاً . ومن هنا أيضاً اهتمام الدبلوماسية بالوسائل ربما أكثر من الأهداف في كثير من الأحيان ، وهو ما يوضح القول بأن الدبلوماسية فن أكثر منها علما .
إن العمل الدبلوماسي ليس مجرد كتابة تقارير مليئة بالمعلومات والتقديرات ، وإنما يدور حول فهم الشخصيات و التعامل معها بل واكتشاف شخصيات جديدة . كذلك يعتمد على استيعاب الثقافات والعقليات الأجنبية في مواطنها . فالدبلوماسية في النهاية تهتدي في وسائلها وأسلوبها لا بالسوابق التاريخية فقط وإنما بحس داخلي أحسن تدريبه وصقله . وهذا ما لا تؤثر فيه كثيراً وسائل الاتصالات .