الرئيسية » مقالات » سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام ( 24)

سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام ( 24)

سمعت مرة أن طالبا كان يناقش والدي في حرية المرأة وحقها في كل شيء .. نعم كل شيء !! كان والدي يناقشه في أحوال مجتمع كردي مسلم تحكمه مبادئ وقيم وأحكام شريعة ، على أن الشاب كان يتخيل نفسه في مجتمع آخر ، يطالب برفع القيود عن المرأة حتى متهما كل من يطالب المرأة بالحشمة أنه محكوم بمبادئ متخلفة وغِيْرة محفوفة بتسلط ذكوري !!
ومرت الأيام وطال غياب الطالب عن مدرسته، سأل عنه والدي ، قالوا : بأنه في السجن!! لماذا ؟ وماذا فعل ؟!!
لقد عاد مرة للبيت وإذا بأخته في أحضان شاب غريب ، وعندما أسرع ليأتي بالسلاح فر الشاب وبقيت المسكينة بين أنياب من يطالب بحريتها، ما كان منه إلا أن أفرغ المسدس في جسدها راسما عليها خريطة قذرة من الغيرة الحيوانية زاهقا بها روح فتاة على الصورة التي كان يطالب بها !!

أحترم المرأة التي تنسج من غيرتها سياجا تحمي بها حبيبها ، ولكني قطعا لا أوافقها أن تجعلها سائلا شوكيا تروي بها أنانيتها
وجاءت مادة الغيرة في اللغة كما في القاموس الوسيط : من غار الرجل على المرأة ، وهي عليه غيورة أي : ثارت نفسه لإبدائها زينتها ومحاسنها لغيره ، أو لانصرافها عنه إلى آخر ، وثارت نفسها لمثل ذلك منه . إ هـ
قال القاضي عياض : الغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به من الاختصاص ، وأشد ما تكون بين الزوجين .
و تتأجج أكثر إذا أحست المرأة بتحركات زوجها أو بتطلعه للأخريات، وقد تثور تلك الغيرة عند الرجال إذا شك في سلوك زوجته أو أحس بتطلعها إلى الرجال.
والغيرة في المرأة صفة طبيعية بل أشد ما تكون في النساء وخاصة بين الضرات ، لذا ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ( إن الله كتب الغيرة على النساء فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد ) .
وعلى مدار التاريخ لم تسلم النساء من الغيرة حتى أشرف النساء – زوجات النبي وبناته – لم يسلمن منها ، وهديه صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته مليء بقصص الغيرة التي بينت فيها الطبيعة البشرية التي خلق الله عباده عليها .

ويالها من غيرة مجيدة وحميدة إذا كانت الغيرة على الله ودينه ، حينها لا تتفرد النساء بخيرية اتصافهن بها بل تتعداهن إلى شقائقهن من الرجال !!
وذات يوم خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية في بيت حفصة فدخلت حفصة بعد انصراف ماريا ، وقالت له : ( لقد رأيت من كان عندك، والله لقد سببتني وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك، وأخذت تبكي، فأقبل عليها الرسول صلى الله عليه وسلم يترضاها، ويمسح دموعها ويخبرها أن مارية حرام عليه، ثم كلفها بحفظ السر وأمرها بأن لا تحدث به أحدا ، ولكن حفصة أذاعت الخبر مع شروق الشمس وأخبرت عائشة به وهي لا تدري عواقبه !!
وورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة طلقة واحدة رجعية ، ولما علم عمر بذلك حزن حزنا شديدا ، ثم نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : إن الله يأمرك أن ترجع حفصة رحمة بعمر ، وفي رواية أخرى ( راجع حفصة فإنها صوَّامة قوامة وأنها زوجتك في الجنة ) فراجعها الرسول صلى الله عليه وسلم وعاشت معه .

كما وقعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في فخ الغيرة ، عندما أرسلت أم المؤمنين زينب بنت جحش طعاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة ، فكسرت الأخيرة الصحيفة كما جاء في حديث أنس حينما قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحيفة فيها طعام فضربت التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحيفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلق الصفحة ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي في الصحفة، ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتي بصفحة من عند التي هو في بيتها ، فدفع الصفحة إلى التي كسرت صفحتها وامسك المكسورة في بيت التي كسرتها ) .
كما أن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ، قالت : وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه عز وجل أو جبريل عليه السلام أن يبشرها بيت في الجنة من قصب ) .
وتقول أمنا عائشة رضي الله عنها: ( لما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم أم سلمة حزنت حزنا شديدا؛ لما ذكر لنا من جمالها، فتلطفت حتى رأيتها فرأيت أضعاف ما وصفت به ) .
ومصدر هذه الغيرة هي حب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم له وتعلقهن به، ورغبة كل منهن أن يحظين بأكبر ميل منه .
فإذا كانت هذه هي أحوال زوجات الرسول ومن عشن في بيت النبوة والرحمة والأدب والتربية بين أصابع خاتم الأنبياء والمرسلين ، فكيف يكون الحال بفتاة لا ترى نفسها إلا في حبيبها سواء كان خطيبها أو زوجها كل حياتها ومستقبلها وخاصة عندما تذهب بخيالها إلى عالم الزوجية والأبناء والبيت وأجواء العاطفة التي تعيش الأنثى سعادتها بين نسماتها .

بين الغيرة والشك :
إذا زادت الغيرة عن حدها كانت نقمة على الشخص و على من حوله، وتغير مفهومها أيضا، وتحول إلى الشك المنهي عنه، لما يترتب عليه من نتائج وخيمة، فكثير مما يسمى بجرائم العرض و الشرف قد ترتكب بسبب الشائعات، مما يؤدي إلى إزهاق الأرواح ظلما وعدوانا وتجاوزا لحدود الشريعة ومن دون تثبت، بسبب الغيرة القاتلة، ومع كل أسف لا تكاد بقعة من عالمنا الكبير تخلو من هذه الظاهرة .

سلاح الضعفاء
أما من الطرف الآخر فالمصيبة أدهى وأمر، فعندما يبالغ الرجل سواء كان خاطبا أو زوجا في الغيرة وينتقل إلى الدخول في الشك والريب فهذا يعني أنه أطلق رصاصة الرحمة على العلاقة التي تجمعه بحبيبته !!
وقد نهى النبي – صلي الله عليه وسلم – ( أن يطرق الرجل أهله ليلا ً يتخونهم ويطلب عثراتهم ). رواه مسلم .

فلا يصح أن يسيء الرجل الظن بزوجه، وليس له أن يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها؛ فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية ويقطع ما أمر الله به أن يوصل .

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لا تكثر الغيرة على أهلك فترامى بالسوء من أجلك.

كل هذا في الغيرة المكنونة في قلب الحبيبة تجاه حبيبها سواء كانت قبل الخطبة أو بعدها، أو قبل الزواج وبعده. على أن الغيرة في الرجل لا بد منها حتى لو كانت قليلة جدا لا تؤدي به إلى المهالك ولا تطلقه لأعمال يندم عليه بعد لحظات ، ومع كل ذلك لا بد من الغيرة وصدق من قال: إن كل أمة ضعفت الغيرة في رجالها قلت الصيانة في نسائها .