الرئيسية » مقالات » المنظمات غير الحكومية العاملة في كردستان العراق..الواقع والآفاق

المنظمات غير الحكومية العاملة في كردستان العراق..الواقع والآفاق

تعمل في كردستان العراق منظمات غير حكومية عدة،الكردستانية منها تقع تحت طائلة قانون المنظمات الكردستانية غير الحكومية رقم 15 لسنة 2001،وقد ثبتت هذه المنظمات نفسها بجدارة في العقدين الاخيرين لتتنوع بين الطابع النوعي والطوعي والتضامني،ولتعمل على تعبئة اوسع عضوية ممكنة حول اهدافها المعلنة.ان مجالات عمل هذه)المنظمات ـ الجمعيات)يتراوح بين حقوق الانسان والمرأة والعدالة والتنمية والاعمال الخيرية والاغاثة الانسانية،بعضها يعمل على نشر الوعي الحقوقي والقانوني للمواطن ويتحدث باسم الديمقراطية ويعمل على مراقبة الحركة الانتخابية ويرفع شعار الدفاع عن الكرد وحقوق الاقليات الاثنية..ثمة جمعيات اسلامية واخرى مسيحية،وتتوزع جميعها على التنوع الطائفي التقليدي فيها،تعمل هذه المنظمات على تقليل معدلات الفقر وادماج المهشمين والفئات والشرائح الاكثر احتياجا وتوفير الخدمات الاجتماعية الاساسية!الا ان دورها بدل ان يستند على ترسيخ الدور الاستقلالي والتميز عن الحكومة والقطاع الخاص الريعي،لازال يقوم على الاعمال الفوقية التي لا تنهض على اسس المشاركة مع الدولة العراقية والحكومة الاقليمية والقطاعات الانتاجية الاساسية ودعم القدرات التنافسية،ولازالت متمسكة بالصدقات والقروض الاجنبية.ومما ساعد في انتشار المنظمات غير الحكومية في كردستان هو اتساع حجم الطبقة المتوسطة وتمايزها الداخلي واستقلالها في مواجهة الدولة، والتقدم الحضاري – الثقافي المتمثل في منطق روح التسامح.ومن المنظمات غير الحكومية المنتشرة:
قنديل(Qandil)،هابيتات،ACORN،S.T.E.P.،NPA،S.C.F.،MAG،KLA،خاك،الامل،تموز،IRFFI،SIGIR،اوكسفام،المفوضية العراقية لمؤسسات المجتمع المدني،شبكة فعل،ميرسي كوربس،KHRW،مجموعة رصد الديمقراطية في العراق،KSC،PAO،CDO،الائتلاف الامريكي ـ العراقي للحرية،المعهد العراقي للدراسات الاستراتيجية،معهد الذاكرة العراقية،كير،البيت الثقافي العراقي..يلاحظ على المنظمات غير الحكومية في كردستان انها منظمات غير حكومية دولية(قائمة وفق مبادئ القانون الدولي ولها هوية قانونية دولية وتقوم بوظائف ذات طابع دولي)،ومنظمات غير حكومية اجنبية(تأسست في دولة اجنبية)ومنظمات غير حكومية وطنية وكردستانية.
وتتميز المنظمات غير الحكومية بشخصيتها عن الجمعيات الاهلية المعروفة بمهامها الخدمية او الخيرية وعن الحركات الاجتماعية التقليدية ذات التعبير الاحتجاجي او المطلبي كالنقابات والمنظمات المهنية والاتحادات التعاونية،لكنها تبقى جزء هام من منظمات المجتمع المدني الواسع.وفرضت المنظمات غير الحكومية(المؤسسات الخيرية وجمعيات الخدمات العامة والمؤسسات غير الهادفة الى الربح والمتطلبات غير الحكومية والمنظمات الخاصة الطوعية)شخصيتها ووجودها في كردستان بدعم ومباركة التوجهات العامة في النظامين الدولي والاقليمي مباشرة،قالنظام العالمي يعتمدها طرفا ثابتا في التنظيمات المؤسساتية الدولية والمؤتمرات العالمية لتأكيد مصداقيتها وبالتالي مصداقيته هو مع نفي متعمد لدور الحركات الاجتماعية التقليدية!وتقلد المنظمات الكردستانية غير الحكومية نسق المنظمات غير الحكومية في البلدان الرأسمالية والامريكية بشكل خاص،وتتكشف امامها مصادر التمويل الضخمة بهدف فرض اساليب الخصخصة وآليات اقتصاد السوق.واقع الحال يؤكد ان للمنظمات غير الحكومية مواقعها في المؤسساتية المدنية حالها حال الحركات الاجتماعية التقليدية والمنظمات الاهلية،ويسهم ضبط هذا الدور في تعزيز مهامها التعبوية والتعبيرية والمطلبية وتحريك مهامها التنموية وحقها في المشاركة باتخاذ القرارات العامة.
لم تعان المنظمات غير الحكومية في كردستان من الفراغ القانوني في تنظيم عمل المؤسسات غير الحكومية التي تعاني منها هذه المؤسسات في بقية انحاء البلاد،بحكم قانون المنظمات الكردستانية غير الحكومية رقم 15،ولم ينطبق عليها قانون سلطة الائتلاف المدني رقم 45 الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني السابق للعراق.معروف ان الفراغ القانوني يسهم في شيوع المنظمات غير الاصولية التي تعمل على الربح الغير مشروع من خلال استغلال المواطنين باساليب والاعيب مختلفة الهدف منها جني الاموال من البسطاء بحجة تقديم الخدمات لهم.جاء في المادة الاولى لقانون المنظمات الكردستانية غير الحكومية رقم 15 لسنة 2001 والذي اقره المجلس الوطني الكردستاني ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 24/10/2001 تعريفا للمنظمة غير الحكومية على ان مهمتها للاغاثة والاعمار والنشاطات الانسانية ذات النفع العام!واكدت المادة الثانية انها لا تسعى الى الربح المادي الا لغرض تحقيق اهدافها!واجازت المادة الثامنة للمنظمة التعاون مع المنظمات الاجنبية العاملة في كردستان العراق في مجال الاغاثة والاعمار والنشاطات الانسانية!بينما نصت المادة التاسعة على ان المنظمة تحقق اهدافها عبر التعاقدات والمناقصات والمزايدات لتنفيذ مشاريع الاعمار الكردستانية!وجاء في المادة العاشرة ان مصادر تمويل المنظمة تتألف من الاكتتابات من الافراد والجهات الاخرى على اختلافها!واكدا المادة 12 على قبول المساعدات والتبرعات المادية من الخارج.ولا ينطبق هذا القانون على المنظمات غير الحكومية الاجنبية المتواجدة في الاقليم حيث تحدد شؤونها بنظام خاص من قبل رئاسة وزراء الاقليم!.
ان معضلة المنظمات غير الحكومية في كردستان هي نفسها في كل العراق،وتتمحور حول الطغيان الكبير لدور الدولة منذ عقود وغياب الديمقراطية السياسية الحقة،والاخطر هو تعمد الحكومات خلق بعض من هذه المنظمات كقنوات لتدفق المساعدات الدولية،واصطناع برامج وسياسات لها ذات طابع خيري!الامر الذي اسهم في شيوع البراغماتية بقوة.كما نجد ان عموم المنظمات الكردستانية غير الحكومية تأسست بقرار فردي محض وتبني تأسيسها من قبل شخص متنفذ سياسيا تحت دوافع مختلفة،ليظل هو وحده بمعونة مساعدين يعملون بأجر يرعى المنظمة ويديرها ويتولى شؤونها،لتستمر المنظمة غير الحكومية باداء نشاطاتها بوجود مؤسسها وحضوره وقدرته على رعايتها وتمويلها،وتتوقف بمرضه او غيابه او بقطع التمويل.وفي افضل الأحوال،تتأسس المنظمة غير الحكومية من عدد من الشخصيات الاجتماعية والسياسية بتوجيه وتمويل مباشر من المنظمات غير الحكومية الدولية والاجنبية المانحة،بقصد انجاز برنامج اجتماعي او تنموي،كما يحدث مع بعض المنظمات التي تعنى بشؤون الانتخابات واللاجئين والهجرة وبرامج”دعم المرأة الكردستانية والعراقية”بدعم وتمويل دولي واجنبي!.لازال الدعم الذي تحصل عليه المنظمات غير الحكومية من الهيئات الدولية محدودا ومقيدا باجراءات بيروقراطية مزعجة،حيث لا يمكن استعمال التمويل الخارجي في دفع رواتب الموظفين او ايجار المكاتب مما يدفع ببعض من هذه المنظمات الى الغش واستعمال الاموال لتغطية نفقات اخرى،الشيء الذي يؤثر في جودة وفعالية المشاريع!وتعاني المنظمات غير الحكومية الكردستانية والدولية العاملة في العراق عموما من القصور في التمويل،وان القطاعات الانسانية الرئيسية تواجه نقصا كبيرا في ميزانيتها(هذا ما تؤكده التقارير الفصلية عن التمويل الانساني الاقليمي لمكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية).
يفترض ان تعتمد المنظمات غير الحكومية سواء كانت”مؤسسات”او”منظمات”او”منتديات”او”جمعيات”او”تحالفات”على العمل المؤسساتي اي العمل المنظم الذي يستند الى منظومة قيم،ويسعى الى انجاز مجموعة اهداف واضحة ويخضع لقوانين ولوائح،العمل الذي تكون فيه مرجعية القرار عبر الاطار الجماعي المنظم..هذا يتعارض مع كل اشكال الفردانية والشخصنة والاحتكارية التي تعني التعثر والتوقف عن العمل عاجلا ام آجلا!.ويفترض ان تسعى المنظمات غير الحكومية الى ان تتحرر من ادائها التقليدي في توزيع المساعدات ومطالبات حقوق المرأة والطفولة وغيرها لتتحول الى منظمات ضاغطة رقيبة على الحكومة العراقية والاقليمية معا!
تساند المنظمات الكردستانية غير الحكومية مطالب المؤسساتية المدنية العراقية في الغاء القرارات- التدخلات الحكومية(استخدام سلاح التشريع لفرض الوصاية الحكومية على المؤسساتية المدنية)،كقرار مجلس الحكم المرقم(27)في 25/8/2003 الخاص بايقاف الحركة الانتخابية النقابية في العراق الى اجل غير مسمى بحجة اعداد دساتير و لوائح داخلية وبرامج عمل تنسجم مع مرحلة ما بعد الدكتاتورية،وقرار مجلس الحكم رقم(3)في 7/1/2004 الذي تقرر بموجبه حل كافة الادارات والمجالس المؤقتة للنقابات والجمعيات،وقرار اللجنة العليا المشرفة على تنفيذ قرار مجلس الحكم المرقم 3 لسنة 2004،القرار المرقم(110)الخاص بتجميد ارصدة المنظمات غير الحكومية،وقرار مجلس وزراء الائتلاف العراقي الموحد المرقم 8750 الذي يحرم به الاتحادات والنقابات والجمعيات المهنية من فرصة الحصول على الدعم المادي لانشطتها المشروعة.كانت المشكلة الاساسية للمجتمع المدني في العراق ولاتزال تتركز في سعة سطوة الدولة في كل الاتجاهات والمجالات الاجتماعية في اطار مشروع شمولي تتنفس من خلاله الهويات والولاءات دون الوطنية.

13/10/2008