الرئيسية » مقالات » صـــناعة العراق الجديد… المشاكل و الحلول (1)

صـــناعة العراق الجديد… المشاكل و الحلول (1)

كيف نستطيع الوصول بالعراق إلى محطة الديمقراطية و الأمان و الاستقرار؟

إنه سؤال كبير و لكننا سنحاول و خلال أكثر من مقال أو إثنين أن نضع أصابعنا على مكامن الخلل و الضعف لتجاوز الأخطاء و المشاكل في التجربة العراقية و ثانيا أن نضع أيدينا على الإيجابيات و ما هو مفيد و عصري في التجربة العراقية لنقوم باستثماره و تقويته و البناء عليه، بهذا المنهج العلمي و الواقعي البعيد عن لغة الشعارات التافهة و السخيفة سنتجاوز الأزمة الحالية، و لعلنا نساهم و لو بشكل بسيط في التغيير الإيجابي.

من سمات العراق الحالية هو بناء دولة برلمانية يتم بناء و صياغة هيئتها و قوانينها و حتى تعيين رئيس حكومتها “رئيس الوزراء” و رئيس الجمهورية و سائر السلطات من خلال البرلمان، و من خلال معاينتنا خلال هذه السنوات للبرلمان العراقي، نجد أنه برلمان ضعيف تسوده الخطابات الرنانة و اللا واقعية و الخطاب الآيديولوجي التنظيري الديني و القومي، بل إن بعض الكتل تنظر إلى المواضيع المطروحة للنقاش بما يشبه “عمى الألوان”، فالشيء – القوانين و الاتفاقيات و تعديلاتها – هي إما سوداء أو بيضاء، كما أن التعامل مع هذه القوانين و التشريعات (مثالنا الحاضر الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة) لا يتم إلا بالنظر إليها على أنها شرُّ كلي أو خير كلي، و هذا بالتأكيد خطأ أوقع العراق في أزمة حقيقية منذ تشريع الدستور المشوه و الناقص، حيث يظن البعض مثلا أن الفدرالية تعني “فوضى شاملة” و قام بتطبيقها على هذا الأساس، من هنا وجب للشعب أن يصوت للعقل العلمي الوطني الذي يضع العراق نصب عينيه دون أن يتأثر بالشعارات الدينية “الإسلاميون مثلا” و القومية و حتى التنظير الفلسفي الفارغ كما يفعل الشيوعيون.

إن النظام البرلماني غالبا ما يكون ضعيفا أو مائلا إلى إضعاف الدولة و آلية صناعة القرار، و كنماذج على ذلك نجد أن إيطاليا و إسرائيل و و لبنان تعاني من هذا الأمر، لكن النظام الرئاسي و لأنه لا يصلح غالبا في دولة سادته الدكتاتورية لأمد طويل أو قصير، كالعراق و ألمانيا، لكن يمكن تقوية الدولة البرلمانية لتصبح مركزية – قانونية – كالنموذج التركي، الذي طور نظاما برلمانيا يصنع رئيسا للوزراء (السلطة التنفيذية) مقابل رئيس جمهورية يتم انتخابه عبر التصويت المباشر السري و ليس عبر البرلمان، و إيجاد صيغة كهذه يهدف إلى إخراج البلد من حالة “التوافقات” و المساومات التي تعطل الديمقراطية و هذه الصيغة البديلة عن هذه الصيغة الموجودة و المطبقة في العراق حاليا هي الحل الأمثل لمشكلة المحاصصة الطائفية و العراقية القومية.

كان العراق في ما قبل البعث و هيمنته و قبل “الثورة الإيرانية” يعيش حالة من الانفتاح الفكري و الأخلاقي رغم الضجيج الذي كان يثيره الشيوعيون و القوميون و كان المجتمع – على سبيل المثال – ينظر إلى المرأة باحترام أكثر قبل أن تظهر موضة “المرأة عـورة”، لكن هذا الانفتاح انتهى بهيمنة البعث و الثقافة القومية و الذي أنتج بالمقابل خطابا معارضا “آيديولوجيا” يلتزم الخطاب العقائدي المؤمن بالصراعات، و للأسف فإن تجربة ما بعد تحرير العراق 2003 أفرزت مرة أخرى برلمانا مليئا بخطاب الأزمات الطائفية و القومية، إحدى تيارات البرلمان مثلا يتبنى خطاب الكراهية تجاه الأمريكيين أسوة بجيراننا الإيرانيين و كتلة أخرى تكره أمريكا و إيران لمساهمتهما – حسب هذه الكتلة – في إسقاط صدام و حكم الطائفة الفاسدة، و كتلة ثالثة تتبنى القومية و تطرح خطابا شعاراتيا “أخويا” و على أرض الواقع يكرهون الجميع و يتبنون قتل المرأة كنهج عشائري.

من النقاط الخطيرة الأخرى المهمة التي يهتم العراقيون لها كثيرا هو خوفهم من الدكتاتورية، و من الخطأ أن يظن العراقيون أن هناك تلازما بين بين المركزية و الدكتاتورية و أنه لا مجال للخيار فإما الدكتاتورية أو الفوضى، و هذا بالتأكيد فهم خاطيء للواقع، فالدكتاتورية ليست مسألة مظاهر، كأن يكون العراق ذا نظام رئاسي أو برلماني، بقدر ما هو انتزاع الهيمنة القانونية و التنفيذية من الحزب و العشيرة و الطائفة لصالح المواطنة و المواطن، و من المؤسف أن هناك من جعل الإسلام تبريرا لاستمرار الدكتاتورية، بل إن عضوا في منظمة إسلامية سياسية قال حرفيا بأن الحكم الإسلامي هو نقيض للديمقراطية لأن الإسلام يعني حكم الله و الديمقراطية تعني حكم الشعب بالتالي فإعطاء حق التشريع للشعب يعني أن الشعب ضد الله، من هنا كان واجبا علينا كعراقيين أن نقوم بتنزيه الدين “المقدّس” عن السياسي “المدنـّس” لأن خلطهما يؤدي إلى تشويه الإسلام و الدين عموما، و من المؤسف أننا نشهد ترويجا لثقافة تعتبر أن “كل دولة ديمقراطية” هي نقيض أو في أحسن الأحوال ندّ للإسلام لأنها ببساطة لا تقطع اليد و ترجم الزاني و الزانية و ما إلى ذلك، بل أستطيع أن أحكم على هذا العقل بأنه خرافي رجعي و أنه ببساطة شر مطلق.

إن الدكتاتورية كانت، و لا زالت، حصيلة و نتاج مجتمع، و لا يمكن أن نقبل أكاذيب البعض ممن ينتحل السياسة حينما يزعمون أن صدام و نظامه كان نتاجا للغرب و أمريكا، فطوال التاريخ و منذ أيام معاوية و الحجاج و بني أمية و بني العباس و آل عثمان و امبراطورية التقوى و الورع الكاذب، كان العراق يعاني من ويلات الاستبداد و حكم الأقلية الفاسدة، من هنا علينا أن لا نصدق هؤلاء الذين يرسمون صورة مشوهة عن الواقع – و كأن صدام و البعث هبطا الباراشوت على العراق – لأن رؤية الواقع بخلاف ما هو واقع و موضوعي و تصور أسباب و علل وهمية لما هو موجود ينتهي بالشعوب إلى أن تحل بها الكوارث، خير مثال على ذلك هو ما حل بالألمان حينما صدقوا هتلر و حزبه النازي فقاموا بإبادة الأقلية اليهودية و حملوها كارثة الحرب الكونية الأولى 1914 – 1918 و نتائجها الوخيمة على الألمان، فكان أن حاقت بهم كارثة الحرب الكونية الثانية 1939 – 1945 و التي أدت إلى محو ألمانــــيا كدولة، و نحن العراقيون إذا صدقنا مزاعم التيار البعثي و القومي فيما يسمى بالمؤامرة الأمريكية المزعومة على العراق فإننا بالتأكيد لن نتجاوز هذه المرحلة و سنكرر إنجاب المستبدين و الطغاة، و إلى حلقة أخرى..