الرئيسية » مقالات » هل من الممكن بناء {دولة القانون} دون الالتزام بالقانون والدستور؟

هل من الممكن بناء {دولة القانون} دون الالتزام بالقانون والدستور؟

بعد استقبال رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي لعدد من رؤساء عشائر ووجهاء محافظة كركوك في بغداد يوم الثلاثاء المصادف 4/10/2008 صرح الناطق باسم الحكومة العراقية الدكتور علي الدباغ في اليوم التالي أن السيد المالكي وجه الجميع على ضرورة “بناء دولة القانون”. واستمر قائلا ان رئيس الوزراء أكد على “فرض القانون وفرض دولة القانون”.

ولكن الغريب في هذا التصريح هو قول رئيس الوزراء ان الحلول المتعلقة بمدينة كركوك يجب أن تكون “حلولا … ليست مفروضة في اطار القانون والدستور والمادة 140”. (المصدر: فضائية العراقية 05/11/2008 ومواقع الكترونية)

لسنا هنا بصدد قضية كركوك (سوى من زاوية واحدة وهي إذا ارتأى السيد رئيس الوزراء “أن تكون الحلول لهذه المدينة العزيزة حلولا مقبولة من الجميع” فلماذا لم يطرح حلولا مقبولة من الجميع بالنسبة لحقوق الأقليات من مسيحيين وأيزيديين وكرد فيليين وصابئة وشبك؟ لماذا تم فرض حلول عليهم غير مقبولة منهم؟ أليست هذه ازدواجية؟)، ولكن بصدد السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو هل من الممكن بناء دولة قانون إذا لم تلتزم الدولة وسلطاتها وأجهزتها المختلفة، وإذا لم يلتزم المجتمع ومواطني الدولة بالقوانين بشكل عام والقانون الأساسي – الدستور – بشكل خاص (والذي ينظم العلاقات بين سلطات الدولة نفسها (السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية) وكيفية توزيع السلطات والصلاحيات بين مختلف التقسيمات الإدارية والجغرافية للدولة وبين الدولة ومواطنيها وبين المواطنين أنفسهم)؟

مقياس دولة القانون هو مدى التزامها بالقوانين النافذة، خاصة القانون الأساسي – الدستور. وهذا ما يميز دولة القانون الديمقراطية حيث يتم سن القوانين والقانون الأساسي من أجل الالتزام بها وتطبيقها بحذافيرها وليس بشكل انتقائي أو مزاجي أو كيفي، ومن أجل عدم الخروج عليها ومحاسبة ومسائلة كل من يخرج على هذه القوانين سواء كان مواطننا عاديا أو ملكا أو رئيس جمهورية أو رئيس وزراء، في حين أن دولة اللاقانون الدكتاتورية الشمولية تسن القوانين لتضربها عرض الحائط ولا تلتزم بها في التطبيق العملي لتبقى حبرا على ورق ويقوم الدكتاتور بإصدار القوانين والقرارات وتعديل القانون الأساسي – الدستور – متى وحسبما يشاء وحسب مزاجه (وقد خبرنا نحن العراقيين مرارة تجارب نصف القرن الماضي في هذا الشأن وكيف جلبت الولاء والبلاء على شعبنا).

فهل القوانين والقانون الأساسي – الدستور – في العراق الذي صوت عليه بالموافقة حوالي 80% من المشاركين في الاستفتاء هو مجر حبر على ورق غير ملزم لأحد؟ كيف يمكن للشعب والمستفتين أن يثقوا بمصداقية وصدقيه قادتهم السياسيين الذين يعيدون ويكررون الكلام عن الديمقراطية وبناء دولة القانون وفرض القانون وفي نفس الوقت يصرح مسئول كبير كرئيس الوزراء داعيا إلى حلول “ليست مفروضة في إطار القانون والدستور”؟

هل هذه التصريحات وغيرها من ما يطرح على الساحة ألآن هي تهيئة أجواء للقيام “بانقلاب قصر” وهل هي بوادر محاولات لإعادة العراق إلى الدولة المركزية القوية الشمولية والقائد القوي الذي خبرناه سابقا قبل 2003 والذي أذاق العراقيين ألأمرّين من موت وتدمير وحروب داخلية واعتداءات على الجيران جنوبا وشرقا وتهديد لبقية الجيران الإقليميين؟ ولا ندري إن كانت هذه التصريحات والتوجهات تعبّر عن رأي وطموحات السيد نوري المالكي أو عن رأي وطموحات حزبه (حزب الدعوة الإسلامية) أو كتلته (الائتلاف العراقي الموحد)؟

أم أن الديمقراطية في العراق يراد لها أن تكون ديمقراطية بالاسم والمظهر فقط ويكون الحكم شموليا في واقعه العملي بيد شخص واحد يقرر كل صغيرة وكبيرة يعاونه عدد محدود من الأشخاص المحيطين به يقرر بشكل كيفي واعتباطي حلولا “ليست مفروضة في إطار القانون والدستور”؟

على ضوء هذا التصريح وغيرها في الفترة الأخيرة القصيرة نسبيا من الدعوة لبناء “دولة مركزية قوية” (والتي تتطلب بطبيعة الحال “قائدا قويا” تتركز في يده كل السلطات)، والدعوة إلى تقليص صلاحيات التقسيمات الجغرافية-الإدارية إلى ألحد الادنى لصالح الدولة المركزية القوية، والدعوة لتهميش و”تقليم أظافر” وتحجيم ألآخرين، مثل تقليص حق قسم من الأقليات في الحصول على تمثيل عادل في مجالس المحافظات إلى اقل حد ممكن وإهمال قسم آخر إهمالا تاما بحجج واهية، وغير ذلك، كلها مؤشرات تدل على بداية البداية لمسيرة التقهقر إلى الوراء ومحاولات العودة إلى “الدولة المركزية القوية” بقيادة “قائد قوي” – “دكتاتور صالح” – يضع تحت تصرفه قوة ضاربة تتكون من “جيش قوي” و”شرطة قوية” وأجهزة “مخابرات وأمن قوية”، إضافة إلى “حرس قومي” و”جيش قدس” و”فدائيي صدام” بمسميات جديدة، ولائها “للقائد القوي” شخصيا. هذا إضافة إلى غيرها من عناصر وملامح ألدولة الشمولية العدوانية المعادية في الواقع العملي للديمقراطية والتعددية والفدرالية الاتحادية وحقوق ألآخرين والمُهدِدة لجيرانها؟ ويتكلمون عن الديمقراطية.

حتما شارك السيد رئيس الوزراء وجماعته وحزبه وكتلته بشكل مباشر وغير مباشر ليس فقط في صياغة الدستور وإنما في تشجيع العراقيين على التصويت عليه في الاستفتاء العام! وألان يريد السيد نوري المالكي والذين يشاركونه توجهاته الجديدة أن يغيروا أو يتلاعبوا بالدستور – القانون الأساسي – حسبما يشاءون وحينما يريدون. فهم يعيدون ويكررون بمناسبة وبدون مناسبة التأكيد على بناء “دولة القانون” ولكن في نفس الوقت يدعون إلى ضرب القانون (الأساسي) عرض الحائط وكأن الدساتير هي مجرد ورقة دعائية تكتب عند الحاجة لترمى في سلة المهملات عند انتفاء الحاجة “المرحلية” إليها.

العراقيون الذين أجبرهم النظام الشمولي السابق على ترك بلدهم والسكن في البلدان الديمقراطية في أوربا وغيرها يعرفون أية شروط صعوبة للغاية يتطلبها تغيير مادة أو فقرة في مادة دستورية في هذه البلدان الديمقراطية. ولكن يبدو أن هناك في العراق “الديمقراطي” عدم جدية واستخفاف بالقانون الأساسي (الدستور) وبالقوانين الأخرى بين الكثير من السياسيين في السلطة والموظفين في دوائر الدولة وعدم احترام لإرادة الموافقين (80% من العراقيين) على الدستور في الاستفتاء العام.

كل شيء، حتى الدستور والقوانين الأخرى، عند هؤلاء الساسة والموظفين في خدمة سياساتهم الفئوية وتوجهاتهم الضيقة. لذا نرى أن كثيرا من القوانين يضمنها القانون الأساسي ومواده تبقي مجرد حبر على ورق وكل موظف صغير حتى المدير وحتى رئيس الوزراء، الذي من المفروض أن يكون المثل الصالح للآخرين، يطبقون أو لا يطبقون القانون والقانون الأساسي حسب الرغبات وألا هواء المتغيرة من حين إلى آخر.

لذا فهم غير قادرين على بناء “دولة القانون” بمصداقية دون انتقائية ولو تكلموا عن “دولة القانون” ليل نهار، إذ لا يمكن بناء “دولة قانون” بدون حلول يفرضها القانون والدستور ومواده، هذا الدستور الذي تبنته الغالبية العظمى من العراقيين. “دولة القانون هي المقوم الأساسي للثقة والأمن والسلام والعمل الاقتصادي الناجح.” و”البديل عن دولة القانون هو في العادة العنف، الذي يمكن أن يخرج في صور متعددة “ليس فقط في صورة عنف جسدي ولكن أيضاً على شكل عمليات التخويف والمراقبة التي تسير ببطئ سريان السم القاتل”.(*)

يبدو أن ألمنطلقات الجديدة هي إعادة اصطفاف بين أعداء وخصوم الأمس مضاد إن لم يكن معاديا للطرف الكردي، الذي يعتبرونه حاليا خصما وربما أكثر من خصم بعد أن كان حليفا وندا وشريكا لهم لفترة طويلة حين كانوا خارج الحكم وألان بعد أن اعتقدوا أن أقدامهم ثبتت وسواعدهم تقوت بعد تسنهم زمام الحكم بعد 2003. وربما استقووا بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية قرب تسنم السيد باراك اوباما لرئاسة الجمهورية في 12/1/2009 وتنفيذ وعده بسحب القوات الأمريكية من العراق بنهاية 2010. وفي اعتقادهم سيضعف ذلك موقف الأكراد داخليا (بعد إعادة اصطفاف أضداد الأمس) وخارجيا (حيث تحيط بالأكراد حكومات، هي في أحسن الأحوال غير صديقة لهم، وهي تركيا وسوريا وإيران) وستتحالف هذه الحكومات مع القوى العراقية الداخلية ضد الأكراد بعد رحيل القوات الأمريكية عن العراق خاصة إذا لم يتم التوصل إلى حلول مشتركة حول بنود اتفاقية انسحاب القوات الأميركية، علما بأن حكومتا إيران وسوريا تعارضان علنا هذه الاتفاقية وتعتبرانها تهديدا لهما. وفي 4/11/2008 صرح السيد رجب طيب اردوغان، مضيفا صوته إلى أصوات مسئولين أتراك آخرين، “أن تركيا تتكون من امة واحدة وعلم واحد وأرض واحدة ومَن لا يتفق مع هذا عليه مغادرة البلاد”! فهل سنسمع عن قريب مثل هذه التصريحات من مسئولين عراقيين أيضا.


منير الشيخلي

12/11/2008

(*) صرح وزير الخارجية الألمانية فرانك ـ فالتر شتاينماير في مؤتمر للخبراء في مجال دولة القانون “أن دولة القانون هي المقوم الأساسي للثقة والأمن والسلام والعمل الاقتصادي الناجح.” ومن الجدير بالذكر أن هذا المؤتمر يأتي في إطار رئاسة ألمانيا لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى. كما قال شتاينماير مؤكداً: „أنا أعتبر أن دولة القانون المقوم الأساسي لمجتمع يعيش فيه الناس بحرية وبوعي.”

وأضاف وزير الخارجية أن البديل عن دولة القانون هو في العادة العنف، الذي يمكن أن يخرج في صور متعددة “ليس فقط في صورة عنف جسدي ولكن أيضاً على شكل عمليات التخويف والمراقبة التي تسير ببطئ سريان السم القاتل.

(المصدر: موقع وزارة الخارجية الألمانية، المركز الألماني للإعلام

(. http://www.almania-info.diplo.de/Vertretung/gaic/ar/04/DL__in__der__Welt/Rechtsstaatlichkeit__BM__30-Nov-07__Seite.html