الرئيسية » مقالات » هل نصدق استطلاعات الرأي العام

هل نصدق استطلاعات الرأي العام

قد أكون متشائما أو مغاليا أو مخطئا وقد يكون حليفي الصواب ولكن أعد الأخوة الذين يتابعون مقالاتي بأني لن أتجاوز الحقائق أو أخالف المنطق أو أتجاوز الثوابت إذا قلت أن معظم استطلاعات الرأي العراقي لا تمثل ما نسبته 5% من الحقائق على الأرض ،ولعلي قاسيا أو متطرفا في أحكامي ولكني أستند إلى وقائع ثابتة ولا أندفع وراء النظريات والأقوال الجاهزة أو التي لا تستند لأرضية صلبة من الواقع وخصوصا لمن لم تطأ أقدامهم أرض العراق منذ عقدين أو أكثر ولا زالوا يعيشون أفياء الماضي الزاهر بكل ما هو جميل ،فيا أخوتي الأكارم لقد تغيرت الناس وأصبحت(نسناس) أو (فركاس ما ينجاس )فلا الأرض أرضي ولا البلاد وبلادي وليس الشعب العراقي ذلك الشعب الذي عهدناه وخبرناه في الماضي الحافل بالأمجاد والبطولات لقد تغير الناس وتغيرت نظرتهم للحياة وضاعوا في متاهاتها اللعينة بفضل القيادة الصدامية المنحطة التي وأدت كل ما هو جميل في نفوس العراقيين وأسلمتهم إلى الضلالات والخرافات حتى بات الأستاذ الجامعي في عراق اليوم يحلم بالطناطل والجن وربما يقوم بتحضير الأرواح ويستند في كل أموره إلى أشياء ما أنزل العقل بها من سلطان وحتى الطبقة المثقفة أو شبه المثقفة لا تمتلك القليل من الوعي بل لا ترقى إلى وعي المزارع العراقي في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات ومن لا يدري فعند جهينة الخبر اليقين فقد سرقت مناضد الطلبة في أحدى المدارس الثانوية فذهبت الإدارة الجليلة بكل طاقمها الذي يبني الجيل المتسلح بالعلم والمعرفة إلى (أبو مراية) ليعرف لهم من السارق فإذا كان المثقفين أو أشباههم بهذه العقلية فهل نبقى ننادي يا أبناء شعبنا العظيم،قد يلعنني البعض وقد يسلقني آخرون بألسنتهم الحداد ولكن هذا هو الواقع المر وما عليه الحال في هذه السنين العجاف ولنا أن نثق بما تقرره استطلاعات الرأي !!!،وقبل الدخول في هذه الاستطلاعات أود أن أبين أن هؤلاء المستطلعين لا يأتون إلى البيوت من أبوابها ،أو يدخلون من مداخلها السليمة وإنما يأتونها من الشبابيك فيستطلعون آراء المكتبيين أو القريبين من وسائل الأعلام أو الناس الذين يمتلكون الرصيد المقبول من الثقافة السليمة ولا يدخلون إلى المعامل أو الأسواق أو المزارع ويسألون أبن الشعب وابن الشارع لأن هؤلاء هم الأكثرية الصامتة التي تحسم النتائج ،وليس الأقلية التي لا زالت تحتفظ بشيء من نور المعرفة والثقافة.



فقد نشرت وكالات الأنباء نقلا عن شبكة pna أن استطلاعات الرأي أظهرت أن أغلبية ساحقة من العراقيين يرفضون توظيف الرموز الدينية في الحملات الانتخابية، قبل أسابيع من موعد إجراء انتخابات المحافظات في البلاد. ورفض أكثر من 90% من المستجوبين في الاستطلاع، الذي أجرته صحيفة الصباح الحكومية وشارك فيه 16277 عراقيا من مختلف الأعمار، أن تستعمل الأحزاب العراقية رموزا دينية في حملاتها الانتخابية.

لنتساءل ما قيمة الرفض الشعبي لاستعمال الرموز الدينية إذا كانت القيادات الفاعلة توظف هذه الرموز في دعايتها ،ومن هي الجهة القادرة على منعها إذا علمنا أن جميع إدارات المحافظات ترتبط بها بشكل مباشر وتمثلها من حيث الأهداف والتوجهات،هل يتمكن أي طرف آخر من منع مثل هذه الشعارات أو محاسبة من يرفعها إذا كانت جميع أجهزة الإدارة تمثل هذه التوجهات،وهل أن مفوضية الانتخابات التي شكلت على أسس محاصصاتيه تتخلى عن توجهاتها وتمنع مثل هذه الممارسات.

ولو ألقينا النظر بتجرد على من استطلعت أرائهم لوجدنا أن نتائج الاستطلاع قد حسمت سلفا باختيار نماذج لا تشكل أغلبية شعبية حتى يمكن الركون لآرائها واعتبارها الفيصل أو إنها تمثل رأي الأكثرية ،فقد أستطلع رأي أحد الصحفيين الذي يعمل بلا شك في الصحف العلمانية،ورأي أستاذ العلوم السياسية الذي هو في أقل الفروض يملك ذات التوجه ويحلم بالدولة المدنية التي توفر له الحد الأدنى من الحياة الفكرية الرصينة،أو رأي رجل قانون يخشى أن “يتم التلاعب بنتائج الانتخابات المقبلة معتبرا أن القوى الدينية العراقية المختلفة “تستحوذ على القرار السياسي وتملك تأثيرات قوية على سير العملية الانتخابية”. وأن الأمر سيكون مختلفا إذا كانت هناك رقابة مستقلة على سير الانتخابات, متوقعا “نتائج مدهشة” لصالح “المشروع الوطني الذي يمنع تقسيم العراق في المرحلة الحالية على الأقل ويعيد اللحمة إلى أبناء بلاد الرافدين”.وأين للجهة المحايدة من إثبات وجودها وسط هذا الجو الحافل بالغرائب والعجائب ومن يستطيع الدخول وسط هذه المعمعة ويخرج سالما من رذاذها،وهل نستطيع جلب مراقبين من دول أخرى يكون لهم الأشراف الكامل على الانتخابات بعيدا عن ألعراقيين الذين يعملون لهذه الجهة أو تلك،وأين هي الشفافية أو عدم الانحياز الذي يمكن الركون إليه في نزاهة الانتخابات.

فيما أظهر استطلاع آخر في مدينة كربلاء أنهم يميلون إلى انتخاب أحزاب غير إسلامية، وفي بغداد كان ثلثا الأصوات لصالح الأحزاب العلمانية، وكذلك الحال في محافظة صلاح الدين التي مركزها مدينة تكريت شمال بغداد، وفي محافظة الأنبار التي مركزها مدينة الرمادي غرب بغداد.



أما المشاركون في الاستطلاع من سكان مدينة النجف -التي أعلن فيها مكتب المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني عدم تأييده لأي جماعة أو حزب ديني خلال الانتخابات- فقد صوتوا بنسبة 56% لصالح التيارات الدينية.فيما صوت 70% من المشاركين في الاستفتاء من محافظة البصرة -أقصى جنوب العراق- لصالح الشخصيات المستقلة والأحزاب غير الدينية، كما سجلت نتيجة مماثلة في محافظة ديالى، ومركزها مدينة بعقوبة شرقي بغداد.

أن مثل هذه الاستطلاعات لا يمكن التعويل عليها لأن الواقع العراقي متقلب بين لحظة وأخرى ،تحركه العواطف والأهواء فقد كان لاستطلاعات الانتخابات الأولى نتائج مذهلة في صالح الأحزاب العلمانية إلا أن تصريحات المرادي لقناة الجزيرة العميلة حسمت الانتخابات لصالح الأحزاب الدينية،فيما حسم اللقاء مع الربيعي في الانتخابات الثانية الأمور لصالحهم وتمكنوا من تأليب الرأي العام لهم بفعل التصريحات التي أدلى بها هؤلاء المتطفلون وجعلوا منها قميص عثمان في الدفاع عن المقدسات التي تناسوها بعد ظهور النتائج مباشرة ،فهل هناك من ضمان أن لا يخرج علينا مرادي أو ربيعي بقنبلة مدفوعة الثمن ويغير اتجاهات الرأي،وهل هناك قوة قادرة على منع التلاعب بنتائج الانتخابات أو تزويرها لصالح هذه الجهة أو تلك ،والأكثر من ذلك ماذا قدم العلمانيون لجماهيرهم بعد وصولهم إلى البرلمان ،هل أدوا ما عليهم بالحضور الفاعل والمطالبة بحقوق المواطن والوقوف بوجه القرارات التي أضرت بمصالحه أم أنهم جعلوا من خارج العراق ملاذ آمنا لهم لرعاية مصالحهم التجارية والتصريح عبر الفضائيات بما لا يغني عن جوع،أن الواقعية هي عماد العمل السياسي والذي يعيش في أوهام يصنعها خياله لن يقدر له النجاح فيما الأطراف الأخرى تعمل بصمت لصالحها وبدأت فعلا بالتحضير للمعركة المقبلة في الوقت الذي لا زالت الأطراف العلمانية تتصارع على السمك الذي في البحر ،والمستقبل كفيل بإظهار ما رأيناه وما أثبتته نتائج الاستطلاع الفاشوشية.