الرئيسية » مقالات » الثورة تأكل أبناءها ليس بمثابة الرد وإنما فيضٌ من خلجات الروح (الحلقة الأولى و.. ربما الأخيرة)

الثورة تأكل أبناءها ليس بمثابة الرد وإنما فيضٌ من خلجات الروح (الحلقة الأولى و.. ربما الأخيرة)

إستهلال:
لقد قرأنا الكثير عن المآسي والويلات التي لحقت بالعديد من المناضلين والسياسيين والكتاب وذلك جراء تخوينهم، ليس من السلطات والجهات المعادية لهم فهذه (أي تخوينهم وتجريمهم من قبل تلك الجهات تعتبر من بديهيات القاموس السياسي الشرقي بالمعنى السلطوي الاستبدادي). ولكن المأساة الحقيقية عندما يُخوَّن ويلفظ السياسي أو الكاتب من (رفاق الدرب) ورفاق الأمس أو من قِبَل من يجدر بهم أن يحتضنوه أيام المحن والمآسي ونعتقد أيضاً بأن العديد منا قد سمع أكثر من قصةً من هذه القصص ولكن بعدما يكون “البطل” قد غُيِّب بفعل الطبيعة البيولوجية الفانية للإنسان و.. أصبح قبره مزاراً للمريدين.

ما يشبه المقدمات أو العامل المستفز:
لا ننكر بأننا فكرنا، ولأكثر من مرة، أن نخوض هذا الموضوع وخاصةً في الفترة الأخيرة؛ أي من بعد اعتقالنا في (15/3/2008) والتي أحدثت إنقلاباً جذرياً في حياتنا ولا نبالغ بأن نشبهها بأحداث الحادي عشر من سبتمبر – طبعاً على الصعيد الشخصي والعائلي بالنسبة لنا – ولكن كنا دائماً نصطدم بما يمكن تسميته بـ”الوعي السياسي الذاتي والجامد” وبأن المرحلة لا تتحمل الخوض في مثل هذه القضايا الحساسة؛ كون الحزب والقضية الكوردية عامةً وفي غرب كوردستان خاصةً تتطلب التعبئة الجماهيرية القصوى وليس التيأيس ودفع البقية الباقية من الجماهير الحزبية إلى النكوص والقنوط. ولكن الرسالة الأخيرة من (السيد حسين عيسو) كانت بمثابة “الشعرة التي قصفت ظهر البعير” والتي شكلت لدينا – بدايةً – مجموعة من الشكوك والتساؤلات تفضي لسؤال ما زال يحيرنا؛ لما كل هذا الحقد الدفين، ولأي ذنبٍ أقترفناه؟!!!.

ولكي لا ندخل القارئ العزيز في دوامة الأسئلة والاستفهامات فها إننا نقدم الرسالة (رسالة السيد حسين عيسو) كما وصلتنا على بريدنا الالكتروني: “السيد بير روستم. أكتب هذه الرسالة لا لأقول تقديرا لتاريخك لأنك كما علمت إنسان بلا تاريخ ولا أقول احتراما لنضالك لأنك تركت أهلك وهربت من أول استدعاء أمني ,ولن أقول احتراما لثقافتك لأنك كتبت قصة لم يقرأها غيرك .أما هذياناتك على مواقع الانترنت فلا تحسبها كتابة وأنا واثق بأن أحدا غيري لم يقرأها وذلك لأني أحاول قراءة ما يكتبه المستجدون أمثالك لمعرفة مستوى كتابات شبابنا الجدد .قلت أنني أحترم شيئا واحدا وهو كونك كرديا لا أتمنى أن يهذي على صفحات الانترنت ويخاطب نفسه بصفة الجمع وينظر لنا ويعرضنا لسخرية الآخرين لقد قلت لك ذلك في ردي السابق الذي أردته أن يكون مهذبا جدا رغم تفاهات ما ذكرت , هل هذا لأنك حين استدعيت الى جهة أمنية تركت كل شيء وهربت لتتحول من هناك الى نمر ينصح وينظر وينادي بالحرية !. أنت تعلم يا سيد بير أن للحرية الحمراء باب لم تستخدمه أنت لقد استخدمت بابا لا علاقة به للحرية ولا حاجة لتكرار ما ذكرت , ثم تكتب عن الثقافة , أقول بصراحة أنني سررت في بداية مقالتك حين قرأت ما كتبته نقلا عن معنى الثقافة وقلت لقد سمع هذا الإنسان نصيحتي وحين أكملت ورأيت مدى الهذيانات التي أدخلت نفسك فيها وجدت نفسي مضطرا هذه المرة أيضا للرد عليك , والمقالة جاهزة عندي وفيها كل ما قيل عنك وعن الرعب الذي أصبت به كما قاله كل الذين يعرفونك حتى من رفاقك ثم تنمرك اليوم وادعاؤك الكاذب الا أنني فكرت لماذا نحول كتاباتنا الى تفاهات يستهزئ بها الآخرون ولذا أردت الكتابة مباشرة اليك حتى تحاول في المرة القادمة أن تكتب على مستواك ولا تعرضنا ككرد الى سخرية الآخرين .أعود مرة أخرى لأقول بالله عليك هل فهمت ما ذكرته عن الثقافة حين كتبت حول انقرض المثقفين ألم تسمع عن محمد موسى الذي استعي (أستدعي – نعتقد أنه خطأ مطبعي) عشر مرات ثم أودع السجن وبعد شهرين خرج وكانت الاستقبالات له بالآلاف فلو فعل مثلك لكان حرمنا من المناسبة السعيدة باستقباله بين أهله مرفوع الرأس وغيره المئات والآلاف فهل انقرضت الثقافة بهربك طبعا لا أعتقد لو أنك فهمت معنى الثقافة لما كتبت ذلك الكلام وختمتها بالحرية ……………………ثم الحرية فهل أسلوبك يجلب الحرية .أخيرا نصيحتي لك أقرأ……. ثم اقرأ لتعرف كيف تكتب .حسين عيسو كاتب سوري كردي مستقل”. نقطة وأنتهت الرسالة و.. شاباش للكوردايتي وللكورد وكوردستان، (الجملة الأخيرة هي لنا وليست له).

لن ندخل – عفواً سأكتب بضمير المفرد وليس الجمع لكي لا يتحسس الأخ حسين، مع العلم وكل الأصدقاء والأخوة الذين أراسلهم يعرفون أنني أستخدم في مخاطبتهم ضمير الجمع وليس المفرد إن كانت بالنسبة لهم أم لي؛ زيادةً في التقدير والإحترام والذي لا يحترم ذاته لا يمكن أن يحترم الآخرين – المهم.. سوف أستخدم في رسالتي/مقالتي هذه ضمير المفرد عندما أتحدث عما يخصني بينما للآخرين – ومنهم (الأستاذ حسين عيسو) – سيكون لهم ضمير الجمع. قلت وأكرر لن أدخل في متاهات وتفاهات الدفاع عن نفسي و”تاريخي/اللاتاريخ” – حسب توصيف (الأخ حسين) ولكن وفقط للتاريخ ولمن لهم تواريخ وسجلات ودوسيهات التاريخ نقول: قليلاً من الإنصاف والموضوعية والمحبة، عوضاً عن كل هذا الحنق والحقد والضغينة التي (تلونون/تسودون) بها تاريخ الآخرين.

بما يمكن أن يوصف بالمتن:
(أخي العزيز حسين عيسو).. قبل سنتين ونصف تقريباً – وأعذرني إنني أعود للتاريخ، أو على الأقل أسمحوا لنا أن يبدأ تاريخي من ذاك اليوم – وتحديداً نوروز عام (2006) وذلك عندما قررت أن أنخرط مجدداً في العمل السياسي الميداني (الحزبي)، كوني وبعد إنقطاع عنها (عن العمل الحزبي) دام أكثر من خمسة عشر عاماً ومن بعد نكسة وتفتيت (حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا) والذي كنت عضواً فيه لمدة عشرة أعوام (1980-1990) ولجوئي للكتابة الأدبية – القصصية وغيرها من الأجناس “والتي لم يقرأها غيري” – نعم.. في ذاك النوروز قررت أن أنضم لصفوف الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) وقد بيّنتُ الأسباب؛ أسباب إنضمامي لهذا الحزب في العديد من المقالات التي كتبتها في هذه السنتين والنصف – أستميحك عذراً (أستاذي العزيز حسين عيسو) على هذه الهفوة – نسيت بأن تلك المقالات ليس إلا “هذيانات على مواقع الانترنت” لذلك فلا “أحسبها كتابة” كونك “واثق بأن أحدا غير(ك) لم يقرأها”، مع جزيل الشكر والإمتنان لشخصكم الكريم بأن أعطيتم تلك المقالات (التافهة) بعضاً من وقتكم الثمين والنفيس.

ومن هنا؛ من إنضمامي لصفوف (البارتي) أشتدت المعاناة – حيث كانت هناك قبلها الضغوط الأمنية والاستدعاءات ولعشرات المرات وبكل فروعها وذلك نتيجةً لمشاركاتي في الفعاليات الثقافية والمنتديات، إن كان في داخل سوريا أو خارجها وخاصةً في إقليم كوردستان (العراق) و.. لكن هذا أيضاً تاريخ وأنا رجلُ (بلا تاريخ) فلا يحق لي التحدث في قضية غير موجودة أساساً ومنكم السماح مجدداً.. (أستاذي العزيز) – نعم.. منذاك اليوم بدأت المشاكل والمعاناة وخاصةً بعد إنتخابي كعضو إحتياط في اللجنة المركزية وذلك في المؤتمر العاشر للحزب، إن كانت مع الأطراف والكتل السياسية الأخرى (أحزاب كوردية) أو مع السلطات الأمنية في البلد وحتى مع قوى المعارضة السورية الداخلة في إئتلاف (إعلان دمشق)؛ كوني كنت أمثل الجبهة الديمقراطية الكوردية، مع زميل آخر أحتفظ بحق إخفاء أسمه لدواعي أمنية. ولكن تفجرت أكثر (أي المعاناة) بعد إنعقاد المجلس الوطني لقوى إعلان دمشق والاستدعاءات الأمنية والتي شملتني أيضاً كوني كنت مشاركاً ولن أقول بفاعلية أو دونها والتاريخ سيكشفها، مع أن الجهات الأمنية وبتلك الاستدعاءات قد كشفت عن المستور والمخبأ؛ فكان هناك بحدود (163) عضو مشارك فلم يستدعي إلا أقل من خمسون مشاركاً فهل سألتم أنفسكم لما أستثني البقية الباقية، ولا نخون أحد، بل نبحث عن مسألة الفاعلية.

كانت تلك بداية الضغط الأمني الأكثر حقداً وشراسةً معي والذي تفجر في (15/3/2008) باستدعائي إلى فرع الأمن الجوي بحلب وحجزي ثمانية أيام في منفردة (ثلاث في حلب وخمسة في فرع التحقيق بدمشق) وذلك على ذمة التحقيق، ولن أقول ماذا جرى معي في الجلسات الثمانية مقيد اليدين معصوب العينين، بل إن (المشوار الأمني) من حلب إلى دمشق كان كذلك وذلك عندما أيقظوني في الثالثة صباحاً في فرع حلب ليودعوني فرع التحقيق في مزة بدمشق. ولكن فقط أود أن أقول لكم جملة قالها نائب رئيس الفرع؛ حيث هو من كان يحقق معي في كل الجلسات ما دون الأخيرة والتي حضرها مع رئيس فرع التحقيق وبزبانيته وأسواط الريح لـ(بساط الريح) – حيث قال، من بعد ما ضرب بكلتا يديه على الطاولة – وهذه أستنتجته من خلال حاسة السمع وليس الرؤية، كوني كنت معصوب العينين – نعم.. صرخ كأي جلادٍ في هذا العالم البائس التعس: “يا (…) أمامي ألف صفحة وصفحة مطبوعة من كمبيوترك الشخصي وأنت تهاجم النظام فيه” – حيث كان الكومبيوتر قد صدر بعملية مداهمة البيت وما زال مرهوناً لدى تلك الجهة الأمنية – وهنا أود أن أقول: (مرحى وبارك الله) في نظامٍ أمني يقرأ للمعارضة، بينما من يُجدر بهم أن يقرؤها هم بغافلين عنها، ولكن لا بأس هناك من قرأها، ألا وهو (السيد حسين عيسو).

نعم (ياسيدي).. لا أخفيكم ولا أخفي على القراء الأعزاء بأنني عشت حالات رعب حقيقية – تعتبرونها ضعفاً جبناً فأنتم وضمائركم وسجلاتكم التاريخية كفيلةٌ بالإجابة عليها وعلى غيرها من الحالات الإنسانية – بل أصارحكم أكثر بأنني (تعهدت أن أبقى بعيداً عن السياسة والعمل الحزبي الميداني ولسوف ألتفت إلى عائلتي ولتأمين عيشٍ مقبول لطفلتي) ولكن وعلى الرغم من ذلك (التعهد) طُلِبَ مني وبكل وقاحة وجلافة أمنية أن “أتعامل معهم” – طبعاً ليس في بيع الزيت والسماد، بل أمنياً – وعندما رفضت – وهذه ليست للمتاجرة السياسية، وإلا كنتُ الآن بين أهلي ورفاقي وعلى رأس عملي التجاري وكذلك السياسي وليس الأمني، وربما هو أيضاً، وبالتالي (أُستُقبِلتُ) إستقبال الأبطال والفاتحين لديار كوردستان وأدراك ما الـ(كوردستان)، وهنا أيضاً لا أخون أحداً (معاذ الله) – نعم.. عندما رفضت ذلك قالوا بالحرف: “سوف نخلي سبيلك الآن وعليك بعد عشرة أيام بمراجعة فرع حلب، وإلا فسوف يكون لنا معك حديث وأسلوبٌ آخر”. وهنا لربما يقول قائل: “هذه للترهيب والتخويف” وأنا أوافقه تماماً، ولكن سؤالٌ لا بد منه: أيعقل أن تتغافل الجهات الأمنية مع من يشكل خطراً حقيقياً عليهم وتجربة قيادة إعلان دمشق وغيرهم من الكتاب والناشطين ومحاكمتهم و(إدانتهم) وزجهم في الزنازين ماثلةٌ أمام الأعين.

ففي ظل أنظمة القمع والاستبداد تنعدم أوكسجين العمل والنشاط السياسي الحقيقي والفاعل، وليس للمناضلين إلا المعتقلات والمنافي – ولا أعتبر نفسي من بينهم، إنما كل ما هنالك إنني حاولت وما زلت أن أفتح كوة، مع الآخرين، في جدار الصمت السياسي الكوردي – وربما يقول قائلٌ آخر: “إن كانت تلك حقيقة الأنظمة الاستبدادية الأمنية، فلما أخلي عنك”. وهنا لست في صدد الدفاع عن النفس بقدر ما أدافع عن قيادات الحركة السياسية الكوردية وكوادرها؛ حيث جلهم إن لم نقل كلهم مكشوفون للجهات الأمنية ودون أن يستدعي أكثرهم لأي جهة أمنية. فالموضوع بحاجة إلى الدرس والتدقيق والبحث عن الأسباب (أسباب عدم إعتقالاهم كغيرهم من الفعاليات والكوادر)، وربما الإجابة تكمن في إنتفاضة الشارع الكوردي لعام (2004) والمثال الأخير لاعتصام دمشق (2/11/2008) والاعتقالات التي تلتها ثم الإفراج عن المعتقلين وفي نفس الليلة خير شاهدٍ ودليل.

أخيراً أود أن أقول لكم (ياسيدي المثقف) بأنني أتمنى أن أكون بين أهلي وناسي جثة هامدة ولا أن أعيش في (جنة كوردستان) – بإقليم كوردستان العراق – وأنا شاهدٌ على إختناقات إبنتي من البكاء حسرةً ولوعةً على فراق الأهل والخلان وزميلاتهن في الدراسة – صدقاً ودون منمقات أدبية وقبل أن أكتب رسالتي/مقالتي هذه، بكيت بحرقة وصمت وأنا أُدخل إبنتي التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها؛ (STÊR) إلى سريرها وعلى ملامحها حزنٌ عميق – ناهيك عن معاناتي وزوجتي وعائلتي خلال هذه الأشهر التسعة الأخيرة والخوف والرعب الذي عاشوه وما زالوا وكذلك عن المسألة المالية والتي كلفت أهلي إلى الآن ما يقارب الدفتر – على قول العراقيين، وللعلم أن الدفتر في البورصة العراقية تعني (10) عشرة آلاف دولار أي ما يقارب نصف مليون ليرة سورية.. – نعم، إنني أخاف الأمن السوري فإن كنتم بغير خائفين فألف تحية لكم (يا مناضل). ولكم الكلمة الأخيرة: لستُ بحاقدٍ عليكم ولكنني حزينٌ لأجلكم.

ملاحظة أخيرة:
سوف تكون هذه الحلقة الأولى والأخيرة، على الأقل في هذه المرحلة، ولن أتحدث عن المعاناة التي لقيتها في (مشوار) المنفى إلى أن وصلت إلى إقليم كوردستان، وهناك الكثيرين الذين عاشوها معي.. وذلك لدواعي سياسية حزبية بحتة.

إقليم كوردستان – هولير
2008