الرئيسية » التراث » دراسة عن النسيج اليدوي في حي الأكراد بدمشق -ورشة سليم ديركي نموذجاً الحلقة الثانية( 2 من 3 )

دراسة عن النسيج اليدوي في حي الأكراد بدمشق -ورشة سليم ديركي نموذجاً الحلقة الثانية( 2 من 3 )

نقابة عمال النسيج اليدوي في حي الأكراد : لما كانت معظم هذه الصناعة محصورة في حي الأكراد نظراً لإتقانهم لها ، ولرخص اليد العاملة فيها ، وتوفرها بكثرة ، لذلك فكروا بإقامة وتشكيل نقابة لهم تدافع عن حقوقهم تجاه أصحاب الورشات وتجاه السلطات . وقد تشكلت النقابة فعلاً في سنة 1935م ( نقابة عمال النسيج في حي الأكراد ) ، ولكن الصدام والخلاف الذي وقع بين ممثلي النقابة وأصحاب الورشات أدى الى انحلال النقابة العمال ، ولم يتمكن العمال من الصمود للنيل مطالبهم بالنظر لطغيان الروح العشائرية والعائلية في الحي ، فكثير من العمال لم يصروا ( تنازلوا ) عن مطالبهم بالنظر لكون أصحاب ورشاتهم من أفراد عشيرتهم ، وكان ذلك كافياً لضرب حركتهم النقابية .
شروط العمل على أنوال النسيج اليدوي :
يحتاج كل نول يدوي الى ثلاثة عمال كما أسلفنا سابقاً ، وهم الصانع أو المعلم ، والحريف ، ومدور المواسير ويكون طفل . هولاء الثلاثة ينتجون في يوم العمل والذي يعادل 10 – 12 ساعة مقدار ( 10 ) أذرع كحد أقصى ( أي صابتين ، والصابة تساوي – 5- أذرع ، ويستلم الصانع أجور العمل من صاحب الورشة ، ويعطي منها حصة الحريف ومدور المواسير ، ويستلم الصانع أجرة الصابة الواحدة (350 ) قرشاً يعطي منها للحريف ( 135) قرشاً أما مدور المواسير فينال أجرته ومقدارها ( 50 ) قرشاً لكل يوم من صاحب الورشة مباشرة ، فيبقى للصانع ( 215 ) قرشاً من أجرة صنع الصابة الواحدة ، وبذلك تبلغ أجرته اليومية ( 430 ) قرشاً وأجرة الحريف ( 270 ) قرشاً كحد أقصى ، أما صاحب الورشة وهو تاجر الممول فيتناسب ربحه اليومي مع عدد أنواله ، ويقدر ب ( 150 ) قرشاً عن كل صابة ، فإذا كان يملك عشرون نول كا ورشة رضا النحاس يكون ربحه اليومي ( 12000 ) قرش ( 20 X 2= 40 X 300 = 6000 X 2 ورديتين = 12000قرش في اليوم الواحد ذات عمل ورديتين ) ، وصاحب الورشة إما أن يشتري الحرير على حسابه ، ويبيع القماش المصنوع على حسابه أيضاً ، أو أن يأخذ الحرير من أحد التجار ويعيده إليه قماشاً مصنوعاً ، وهو ما يدعى ب ( مصانعة ) ، وأحد الأمثلة على ذلك التاجر ( محمد علي القطب ) في سوق الحميدية بدمشق ، وهو من كبار التجار يشتري الحرير على حسابه الخاص ويبيع المنتجات ويصدرها على حسابه الخاص أيضاً .
ملاحظة : جميع الأرقام الواردة في هذا البحث عن أسعار وأجرة العمال يعود الى فترة ما قبل عام 1952م.
قص الصوف يغسل الصوف أما قبل أو بعد غزله أو بعد حياكته ، وغالباً ما يغسل شعر الماعز لاحتوائه على المادة الدهنية ، أما صوف الغنم فمن الأفضل غسله قبل قصه ن حيث يقومون بغسل الأغنام باستثناء رؤوسها ويتركونها يوم أو يومين حتى يجف صوفها تماماً ، ويتم نتف وبر الإبل مرة واحدة في السنة عندما يبدأ هذا الوبر بالتساقط ، وذلك قرب نهاية فصل الصيف ، يبدأ قص الغنم في أول أيام الصيف ، أي في شهر أيار في مناطق السهول ، وفي شهر حزيران في المناطق الجبلية ، بواسطة مقصات خاصة ثم يقومون بلفه وتنظيفه لحين الحاجة .
الغزل : بعد انتهاء عملية قص الصوف وتنظيفه تتم عمليات تحضير الصوف للغزل ، وذلك بتمشيطه وتنظيفه من القش العالق به ، أما أذا تم غزل الصوف والقش ما زال عالقاً به فانه يصبح من الصعب نزعه منه خلال مراحل النسيج الأخيرة ، وتوجد طريقتين لتحضير الصوف للغزل ويعتمد الخيار الأول الى حد ما على المواد الخام، يتم تمشيط الصوف بواسطة الممشطة اليدوية أو بواسطة الممشطة الميكانيكية ، حيث يجعل الصوف بعدة اتجاهات وبهذه الطريقة يصبح الصوف ناعماً ورقيقاً ، وتكون الخيوط المغزولة متوازية وناعمة ومتينة أيضاً ، ويفضل النساجون الخيوط المشدودة والمتينة والشعر الطويل القاسي والصوف الخشن ، حتى يتمكنوا من تمشيطه بعناية تامة والمحافظة على بقاء الخيوط باتجاهات متوازية .
طريقة عمل الجدلة : يتم عمل الجدلة على شكل رقم ( 8 ) بالإنكليزية بواسطة أداة تسمى ( المقدادة أو المقدال ) وهي عبارة عن عصا خشبية أو ضفيرة متصلة بعروة ، تربط المقداة بالسبابة لتسهيل عملية الغزل من جهة وحتى تكون الجدلة بعيدة عن الخيط المغزول من جهة أخرى ، يعمل الرعاة المقداة من صوف الغنم بينما يعملها البدو من قطعة قماش ، ويقومون بلف هذه القطعة بواسطة اليد باتجاه واحد وثنيها من الوسط وتثبيت طرفيها معاً وجدلها مرة ثانية باتجاه معاكس ابتداءً من العروة حتى الطرفين ، وبعد ذلك يعقد الطرفان بقوة ويتم لف الجدلة حول المقداة من العقدة حتى الطرف المقابل للحصول على عروة كافية يمكن تعليقها في الأصبع وتسمى المقدة مع الجدلة الملفوفة حولها ( اللوية ) .
كما يستخدم البدو العصا في غزل الخيوط الصوفية والقطنية ، إن هذه الطريقة بطيئة ولكنها مناسبة جداً لغزل الخيوط الثخينة المطلوبة لنسج أكياس ضرع الناقة ويقومون بوضع كتلة من الشعر الممشط في اليد وغزلها بواسطة الإصبع ولفها على عصا قصيرة بدون خطاف ، وعندما تمتلئ اليد بالخيوط فإنهم يقومون بلفها حول الذراع من اليد الى الكوع ، وتكون الخيوط المغزولة إما مفردة خيط واحد أو حزمة من الخيوط أو خيطيين مجدولين ، كما يقومون بنسج مصدات الرياح وأحزمة عدة الدواب من هذه الخيوط كما ينسجون الحبال من شعر الماعز ، إذ يقوم أحد الأشخاص بمسك طرف الخيط وتثبيته على عصا بينما يقوم شخص آخر بإضافة الخيوط ولفها .
كما هناك المغزل المعلق ، ويستخدمونه للحصول على خيوط ناعمة الملمس بالإضافة الى ذلك هناك أنواع عدة من المغازل حسب المناطق المختلفة ، فمثلاً هناك المغازل من جذور شجر السلام والاكاسيا ، وكذلك يصنعون صنارة من شجر ألغاف ويدهنون العمود وصنارة المغزل بالزيت للحصول على لون داكن ، ويجب أن تكون خيوط السداة قوية جداً بحيث تتحمل قوة الشد الناتجة عن النول والضغط الناتج عن تلك الخيوط وضربها ، أما خيوط اللحمة فلا ضرورة لمتانتها وتكون هذه الخيوط ناعمة وذات ثخانة قليلة ، ويمتاز صوف الأغنام التي تعيش في الجبال بجودته ومتانته ونعومته ، وهو أفضل بكثير من صوف الأغنام التي تعيش في السهول .
صباغة المنسوجات : تحتاج الخيوط الصوفية الى مادة كيماوية لتثبيت لونها قبل صباغتها بالصبغة النباتية ، ويستخدم بعض الرعاة حجر الشب في صباغة الخيوط حيث يقومون بسحق حجر الشب وخلطه بالماء ثم يضعون شلل الصوف في هذا المحلول ويتركونه لمدة ليلة واحدة ، وبعد ذلك يخرجون الشلل الصوفية من المحلول ويجففونها ، وللحصول على الصبغة الحمراء كانوا يقومون بإحضار جذر نبات الغوة والماء ويتركونه لمدة ليلة كاملة ، كما استعملوا الليمون الحامض الجاف بإضافته للغوة ويتركون الماء يغلي لمدة ساعتين ثم يضيفون الصوف الى الماء المغلي لبضع دقائق وبعد ذلك ينزلون المرجل عن النار ويتركونه حتى يبرد الماء ومن ثم يقومون بإخراج خيوط الصوف ويعلقونها حتى تجف ، وقد كانوا يعيدون هذه العملية عدة مرات للحصول على لون ثابت وجيد حسب الطلب ، وتستغرق هذه الإجراءات بما في ذلك عملية الصبغ أسبوعاً ، أما في الوقت الحاضر فقد أخذ الصباغون يستعملون المواد الكيماوية بدلاً عن الأصباغ القديمة ، كما أن سكان الساحل كانوا يستعملون الأصداف الأرجوانية اللون في صباغة الصوف ، وكانت مدينة ( صور ) الفينيقية القديمة مركزاً للصبغة الأرجوانية ، تستخرج الصبغة من الغدة المخاطية للحلزونات البحرية وتعطي ألواناً حمراء وزرقاء وبنفسجية كالأرجوان ، أما صناعة النيلة ( الصباغ الأزرق ) فقد أستعملها البدو في صباغة ملابسهم الخاصة بواسطة حبوب النيلة مع قليل من الزيت والهال والزعفران .
عملية النسج : يعتبر النسج من الحرف القديمة في العالم ، وربما نشأت مبدأ هذه الحرفة من تشابك أغصان الشجر والحشائش والقصب ، يتكون عملية النسيج من خيطيين وهما السداة واللحمة ، فاالسداة تشكل خيوط النسيج الطولانية في القماش وتكون تحت ضغط قوي ، أما اللحمة فإنها تشكل خيوط النسيج العرضانية في القماش ، ويشار الى خيط السداة الواحدة بالطرف بينما يشار الى خيط اللحمة بالغرزة ، وتشير المساحة المربعة في مركز قطعة القماش الى العلاقة بين عدد أطراف السداة وعدد غرز اللحمة ، ومن خلال ذلك يستطيع النساج أن يقرر المركز أي منتصف قطعة القماش قبل البدء بنسج القطعة .
يوجد عدة طرق لعمل النسيج : وفيما يلي الطرق الثلاثة المتبعة في نسج الأقمشة :
إذا كانت عناصر السداة واللحمة متساوية القياس فانه يمكن الحصول على نسيج متوازن ، وكذلك يمكن رؤية السداة واللحمة بالتساوي ، وبهذه الطريقة تنسج أكياس الضرع ، تكون دائماً أطراف السداة متقاربة من بعضها وأكثر عدداً من خيوط اللحمة ، وبهذا يمكن رؤية أطراف السداة فقط ، وهذه الطريقة المتبعة في نسج مصدات الرياح المنسوجة من شعر الماعز وبسط الجمال المزخرفة ، أما اللحمة فهي العكس تماماً إذ تكون المسافة بين عناصر السداة أوسع بحيث تسمح لعدد أكبر من عناصر اللحمة لملئ هذه المسافة ، وبهذا يمكن رؤية اللحمة فقط ، وخير مثال على ذلك البسط المزخرفة ، إن النسج بالطريقة البسيطة مألوفة رغم تعدد الألوان ( آلات النسيج ) الغير مستعملة ، وهناك تصميم ورغبة في عمل ألوان صنع يدوي متقن من نسج أطراف السداة أو لف خيط اللحمة ، إن النساجين يستخدمون الأطراف في القياس حسب الطريقة التقليدية بدلاً من أدوات القياس المترية والبوصة .
بعض المقاييس المستخدمة لدى النساجون الباع = مسافة امتداد الذراعين بعيداً عن الجوانب . نصف الباع = المسافة من الأنف الى رؤوس الأصابع مع امتداد الذراع بعيداً عن الجوانب . الذراع = المسافة من الكوع الى رؤوس الأصابع ( تستخدم هذه الطريقة لقياس طول السداة ) . الشبر = المسافة بين الإبهام ورأس الإصبع الصغير مع امتداد كف اليد ( تستخدم هذه الطريقة لقياس عرض السداة ) . القتر = المسافة بين الإبهام ورأس السبابة مع امتداد الإبهام والسبابة .
بعض المصادر والمراجع :
1- النشرة الاقتصادية لغرفة تجارة دمشق : الربع الثاني – 1950 م – النشاط الصناعي في سوريا – ص 21 .
2- المجموعة الاقتصادية السنوية لغرفة تجارة حلب : لعام 1948 م – ص 205 – 207 .
3- بيلون أحد السواح – جهانامه –
4- خطط الشام : محمد كرد علي – الجزء الرابع .
5- الغزل والنسيج التقليدي : جيجي كروكر جونس .
6- الصناعات النسيجية واليدوية والمهنية والإلية في دمشق حتى عام 1952م : حياة مساح – رسالة جامعية لنيل الأجازة في الجغرافية .
7- جولات شخصية الى ورشات النسيج اليدوي في دمشق .
8- مقابلات شخصية مع أصحاب الورشات ولا سيما السيد سليم ديركي في حي الأكراد بدمشق .

نشرة جين ( الحياة ) في دمشق – العدد 53- انتهت الحلقة الثانية