الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) للدكتور بدرخان السندي — 78

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) للدكتور بدرخان السندي — 78

إن ما يذكره ويكرام قد لا يكون لصيقاً بالكرد وحدهم بل هو ما تؤمن به الشعوب الشرقية عموماً والإسلامية منها بخاصة وحتى في الديانات التي اعتنقتها الأقوام الشرقية قبل الإسلام كان بعضها يشير إلى القضاء والقدر والأجل المحتوم ولكن الإسلام عمق هذه العقيدة لديهم أي لدى هذه الشعوب .
لكن من الجدير بمكان أن نشير الى أن الكرد تميزوا بشدة التمسك بالعقيدة الإسلامية وربما هذا الموضوع بحاجة إلى بحث في عوامله ومسبباته السياسية والأنثروبولوجيا الاجتماعية لهذه الشعب، وهذا خارج نطاق دراستنا ولكنه يبقى من البحوث التي تنتظر من يبحث فيها وهي ليست من البحوث السهلة.
ويضعنا ويكرام أمام بعض المعتقدات الأخرى، فهناك (أرواح) الجبال والسهول والتي تمسك المسالك على المسافر، أما في سهل الموصل فهناك اعتقاد بوجود وطاويط مصاصة للدماء وهي مسوخ نصفها بشر ونصفها تبوس تخطف المسافرين من الممرات وتمتص دماءهم، كما يذكر وجود قبر لواحد من هذه العفاريت في قرية أرادن يفقس منه نوع من ذباب الخيل وهو ذباب قتال يصيب الملدوغين بالجنون وداء الكلب.
كما أن هناك عقيدة بوجود نوع من الجنيات المصغرات التي تغشى حظائر الغنم إذ يضطر معظم الرعاة إلى السهر بمفردهم وتغدو حالاتهم العقلية مهيأة لتقبل كل الأخيلة الغريبة التي تعن لهم، ومن القصص الطريفة التي يذكرها ويكرام في هذا المجال أن الجن كان يأتي ويجلس بمواجهة الراعي بصمت تام أمام النار الموقدة ويأخذ بتقليد كل حركة يأتيها الراعي فضاق الراعي ذرعا بالجني وانهارت أعصابه وطلب النصح من أحد العقلاء فأشار عليه بخطة طريفة وعمد إلى تنفيذها فوضع قدراً من الماء بجانب مجلسه عند النار وقدراً من النفط بالقرب من مجلس الجن فما أن أقبل معذبه واتخذ مكانه قبالته حتى بدأ الراعي يأخذ من القدر ماءً ويبلل ثيابه وراح الجني يقلده بالنفط دون أن يدرك الفرق بين السائلين ، وبعد فترة أخرج الراعي جمرة من النار ملتهبة ووضعها على ثيابه المبللة فانطفأت وخمدت بفعل الماء طبعا وفعل الجني فعله فوجد النار تشتعل فيه فهب من مجلسه وهرب لا يلوي على شيء وهو يصرخ ألماً (302).
ثم يحدثنا ويكرام عن معتقد الكرد واعتزازهم بجبل جودي وهو واحد من سلسلة جبال آرارات في كردستان وقد حطت سفينة نوح عليه السلام عليه هذا وان الناس من مختلف الأديان والطوائف تجتمع في يوم معين وتنسى كل خلافاتها لإحياء ذكرى رسو السفينة(303). ويسرد ويكرام ما سمعه عن رسو السفينة ودور الحية التي سدت الأخدود في جبل سنجار لكي تعبر السفينة على ظهرها لكن الأفعى لم تلق جزاء حسناً من النبي نوح فقد عمد نوح إلى حرقها لكنها انتقمت بأن أنجبت مجاميع من البراغيث (304).
ومن طرائف المعتقدات التي يذكرها ويكرام أن بعض الكرد يعتقدون جازمين بأن الجنة من نصيبهم فيتبرعون ببعض من حصصهم في الجنة لغيرهم من الناس الذين لن تكون الجنة من نصيبهم، ولما خلع زميل ويكرام ضرس أحد القرويين وكان يؤلمه أعطاه (مجيديين) فرفض الرجل الإنكليزي ذلك وقال نحن نعالج مجاناً فأجابه القروي حسناً إذن أنا سيكون لي سبعون حورية عندما أدخل الجنة وبما انك نصراني فإن المكان الذي ستذهب إليه في الآخرة سيكون خالياً من الحوريات لذلك أتبرع لك باثنتين من حورياتي فماذا تقول؟ فوافق الطبيب الإنكليزي بعد أن حسب هو وويكرام سعر الحورية بالمجيدي وبالشلن فكان سعر الحورية (مجيدياً واحداً) مما يعادل ثلاثة شلنات وستة بنسات أي ما يعادل (175) فلساً عراقياً للحورية الواحدة! (297).
وقد لاحظ ويكرام أن الكرد يؤمنون بإصابة العين وهو يتحدث عن رجل بائس معدم جاء به وفد من أهالي قريته وطلبوا من ويكرام أن يشفيه ووصفوا أعراض مرضه انه إذا وقعت عيناه على وعاء فيه حليب فسد الحليب وان نظر إلى شاة افترسها أحد الذئاب وان تطلع إلى طفل سقط الطفل في النار وقالوا لويكرام أن لهم أملاً كبيراً بالانكليز أن يشفوه بفضل علومهم ويعلق ويكرام على ذلك أنه اعتذر اليهم لان قانون الادوية الصيدلانية في بريطانيا لا يحوي علاجاً لمثل هذا المرض بالرغم من أن ويكرام يعترف بصفته رجل دين كان في حوزته رقى وتعاويذ ضد العين الشريرة مثل (وعاء جبرائيل رئيس الملائكة ضد بنت الآثم المهلكة) (297).
ومن المعتقدات الطريفة التي شهدها ويكرام أثناء مكوثه في كردستان أن رجلاً كردياً حضر عند الشيخ صديق والد سيد طه الشمزيني والشيخ صديق سليل أسرة دينية لها منـزلتها الكبيرة في كردستان، وأدعى هذا الرجل الكردي الذي كان يحمل معه ديكاً، إن ديكه دأب على التبشير بدين النصارى وانه عندما يصيح فإنه يصيح(دين دين عيسى) ويبدو أن الحاضرين صدقوه أو هكذا تراءى لهم وهم يفسرون صياح الديك الذي بادر إلى الصياح في حضور الشيخ صديق.
لقد كان الشيخ صديق ذكياً على ما يذكر ويكرام فنطق بجواب يدل على حضور بديهة وذكاء ولكنه جواب مر الطعم كما يقول ويكرام بصفته مسيحياً ومبشراً. لقد قال الشيخ صديق أن المعجزة هي من الله وان هذا الديك يجب أن يبقى حياً وينـزل منـزلة الاحترام والتقديس ولكن بما إن للمسيحية عدة مذاهب وكل مذهب يدعي هو الدين الحي وانه يسير على دين سيدنا عيسى الصحيح وبما أن الديك لم يصرح أي مذهب من هذه المذاهب هو الدين الصحيح لذلك ليس على المؤمن المسلم أن يفعل شيئاً حتى يتفق المسيحيون كلهم على اختلاف مذاهبهم لاتباع دين واحد أو حتى يهبط على الديك وحي أكثر وضوحاً (154).
ويختتم ويكرام أحاديثه المتفرقة عن المعتقدات أن شيخاً كردياً ذا صلاح وتقى وغيرة شديدة على الإسلام حتى أن السلطان عبد الحميد كان يراسله بجفرة خاصة. كما اعتاد أن يطلب منه الدعاء تلغرافياً كلما يعن له أمر أسود ويفكر في الإقدام عليه (310). والمرجح إن الشيخ الذي عناه ويكرام ولم يذكر اسمه هو الشيخ جواد النقشبندي صاحب التكية المعروفة في مدينة كركوك.
يبدأ هاملتون بملاحظة المعتقدات الكردية وهو في بداية رحلته من أربيل مستقبلاً الجبال الكردية ماراً بالحقول التي كان يجري حصاد غلتها آنذاك. يحدثنا عن فلاح أنفصل عن جماعته مقبلاً على هاملتون ومن معه مستوقفاً إياهم في الطريق وهو يهرول وقد حمل منجله بيد وحفنة من الحنطة بيد أخرى. وكان هاملتون- على ما يبدو- يعرف هذا المعتقد أو ربما عرفوه به، فقد تناول ملء القبضة من الحب ووضع في يد الفلاح عدداً من المسكوكات النقدية وإبتسم الفلاح بسعادة لان هذه العملية التي يسميها هاملتون خرافة، من وجهة نظر كردية انذاك مسألة ستجعل السعادة حليفة هاملتون، وهو يعترف أنه كان سعيدا في كردستان ولكن ربما-على حد قوله- الفلاح الذي تسلم النقود السخية كان أسعد . ويبدو أن رجلاً كردياً اسمه حسن كان يرافق هاملتون، إذ أخبره أن السعد سيكون حليفه لأنه أكرم فقيراً ضريراً في كركوك وأكرم فلاحاً يحصد المحصول (51).
وقد استرعت أكداس الحجارة التي يضعها الكرد للتعبير عن مشاعر التقديس انتباه هاملتون، وقد ذكرنا ذلك في موقع آخر من هذا الفصل والكدس الذي شاهده هاملتون كان تعويذة من الأرواح الشريرة (77). ومن خلال إحد المواقف يؤكد هاملتون على تمسك الكرد وتشددهم في صيانة أجسام الموتى والحرص على مواراتها التراب، وكذلك فانهم يتمسكون بواجب الحصول على الجثة مهما كانت الأخطار لكي يتم دفنها باحترام وفق الشرع (70). وهاملتون مثله مثل الآخرين من الرحالة والمستشرقين، لاحظ إيمان الكرد بالتعاويذ والتمائم التي تقي صاحبها من الرصاص (كوله بند) وهو يذكر أنه التقى بأشخاص كانوا قد حاربوا في صفوف الشيخ محمود الحفيد مؤكدين أنهم رأوا بأعينهم أن الرصاص كان يخترق جسد الشيخ وتقتل من يليه أما هو فلا يصاب بأذى مؤكدين أن قتله في الحرب أمر غير ممكن (156).

Taakhi