الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) للدكتور بدرخان السندي – 77

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) للدكتور بدرخان السندي – 77

الحلقة السابعة و السبعون
إن هوبارد يقول بعد أن عرف حقيقة اعتقاد هؤلاء الناس أن الامام كان قد مات ولا يعرف كم مضى على وفاته من السنين أو القرون ولكنه كان قد دفن بالقرب من البركة وبطريقة لا يمكن توضيحها- على حد تعبير هوبارد- فأن روح الامام قد حلّت في هذه الأسماك.
ومضى الوقت بالشرح حتى وجد أن هذه السمكات الثلاث (المسكينات) قد لفظن أنفاسهن وأصبح الوقت متأخراً لمعالجة الموقف أو إصلاح (الجريمة)، كما وجد في ذات الوقت أنها مسألة تدعو للأسف أن يخسر المرء هذه السمكات وشرع يطهو السمك وكما يقول سواء كانت روحاً أم لم تكن فقد كانت لذيذة جداً.
لقد انقسم الأكراد إلى قسمين إزاء هذا الموقف المرعب الذي شاهدوه فمنهم من رأى فيه فعل التدنيس. وقسم وجد فيه نصف ذنب ينطوي على تهور ووقاحة ويضيف هوبارد أن الشك بدأ يساوره أزاء مشاعر هؤلاء الحضور فقد أخذوا ينتظرون بفضول كبير ما الذي سيحل بشخص أكل الإمام.
يقول هوبارد ، لو كنت أملك قليلاً من القدرة على تكلم الكردية لاستطعت أن أخرج بنتيجة معهم والتوصل إلى معتقداتهم الـ (ما وراء الطبيعة) فقد فشلت في معرفة كيفية وصول هذه الأسماك إلى هذه البركة وكيف تستطيع هذه الأسماك البقاء في هذا المجال الضيق ويعلق هوبارد من بعد قائلاً لم أحصل على عقاب سريع وربما انتقمت مني السماء بعد (224-5)
وتذكر مدام شانتر التي أقتبس تومابوا منها انطباعها عن معتقدات الكرد بالكواكب والأجرام السماوية منهم وتعد شانتر هذه المعتقدات (آراء غربية) فهم أي الكرد كما تذكر شانتر يعدون القمر والشمس كأخ وأخت يتبع أحدهما الآخر دائماً فالقمر هو أخ الشمس ويحدث كسوف الشمس بسبب هذه الأخت المدللة.(122)
الحقيقة أن ما تقدم من مشاهدات الرحالة والمستشرقين في البيئة الكردية يقع ضمن موضوع التوتمية . أن موضوع إضفاء طابع قدسي على حيوان أو نبات من الأمور التي استرعت ملاحظات علماء الأنثروبولوجي وعلماء النفس الديني في محاولاتهم تتبع نشوء الديانات في الأزمنة الغابرة لدى الشعوب. وقد أطلقت على هذه الظاهرة مصطلح التوتمية. إن التوتم يمكن أن يكون حيواناً أو نباتاً تتخذه القبيلة أو القوم رمزاً مقدساً وليس من الشائع أن يكون التوتم من غير الحيوان أو النبات أي الجمادات. ويذكر بنتون أن التوتمية مرحلة من مراحل نشوء الديانات البدائية وقد عثر على آثار التوتمية أو بقاياها في أماكن مختلفة من العالم ولكن بنسب متفاوتة في مدى انتشار التوتمية(72).
ومما تقدم ومن خلال دراسة كل أشكال التغيرات الاجتماعية نجد أن بعض الاشياء التي كانت ملازمة لحياة المجتمع لا تنقرض تماماً بل تبقى أو يبقى ما يرمز لها كعقيدة وليس كدين وربما كدين في بعض الامثلة. لذا قد لا نستغرب من إضفاء مشاعر أو انفعالات تتسم بالقدسية أوالرهبة المقدسة على حيوان ما أونبات ما عند هذا الشعب أوذاك. . إنها من وجهة نظرنا بقايا التوتمية أو ما يشبه التوتمية أي تقديس الجمادات مثل الصخور التي أحالها الإنسان من بعد إلى أصنام. فهذه مجموعة ترى في الديك مثار انفعال روحي ومجموعة أخرى ترى في الطاووس شيئاً مقدساً وأخرى ترى في قطعة صخر مثار تقديس وأخرى تجد في نبات ما قداسة أو تتوهم فيه روحاً مقدسة.
ومن التوتميات المتعلقة بالجمادات تلك الأسطورة التي رواها مارك سايكس في إحدى رحلاته قبل قرن من الزمان إذ يذكر وهو في طريقه إلى دوكان تراءت له صخرة منحدرة ولافتة للنظر ترقد على امتداد جانب الجبل وكأنها أفعى تزحف نحو الأعلى. وراء هذه الصخرة حكاية أسطورية تقول أن فتاة وفتى أحبا بعضهما وفرا إلى الجبال وفي أحد الكهوف بانت أفعى ضخمة تقدمت نحوهما تريد افتراسهما . دعت الفتاة من الله أن يحميهما.. وفي اللحظة استحالت الأفعى إلى صخرة وأصبح العاشقان شجرتي رمان بين شدقي الأفعى (212).
إن المرأة الكردية مثل كل النساء الشرقيات تؤمن بالعين الحاسدة التي يجب اتقاء شرها لكن الكرديات على اختلاف مع الشرقيات في الاعتقاد إن العيون الزرق مجلبة للضرر أو الشر، فهذا الاعتقاد يكاد لا يكون موجوداً. وتعليلنا لملاحظة توما بوا هذه هو الكثرة النسبية للعيون الزرق أو الملونة في المجتمع الكردي قياسا بالمجتمع العربي او الفارسي او الهندي … الخ .
والحقيقة ان الدراسات المعنية بالسلالات والأجناس وأوصافها تشير إلى أن الكرد يمثلون خط الابتداء بانكشاف لون البشرة وابتداء تغير لون العين من السوداء إلى الألوان النرجسية والزرقاء فكلما تقدمنا في كردستان نحو الشمال كلما ازدادت نسبة الشقرة وقلت نسبة السمرة في البشرة وهكذا العيون ومن هنا لا تعد زرقة العيون (ندرة ) تدور حولها الشائعات الميتافيزيقية التي يمكن أن نلمسها في مجتمعات شرقية أخرى .
ويحدثنا توما بوا عن أشكال التعاويذ والتمائم فبعضها مصنوع محليا وتكون على شكل قلائد وأخرى يصنعها (سيد) متجول على شكل كيس مقابل مبلغ من المال وهي أوراق يخطط فيها كلمات وحروفاً غريبة وأرقاماً كما يمكن مشاهدة بعض الرسوم في التميمة مثل صورة سيف أو قلب و إذا أضيف قليل من شعر الزوج إلى هذه التميمة فان الزوجة تكون قد ضمنت حب زوجها.
كما تصنع بعض التمائم للأطفال وتعلق على ثيابهم أو حول الذراع لكن أهل المدن اقل تمسكا من أهل القرى والأرياف بـهذه التمائم . فمن الشعائر السحرية والقوى المؤثرة ضمن معظم المعتقدات يضعنا توما بوا أمام بعض المعتقدات التي لاشك أنها اصبحت اليوم تراثاً عفا عليه الزمن ومن هذه المعتقدات أن الزوجة إذا أرادت أن تسيطر على زوجها ويرضخ إلى أرادتها أطعمته مخ حمار تدسه له في الطعام .
ومن المعتقدات الأخرى أن الدائرة شكل مقدس وكان الكردي يخط حول نفسه دائرة وهو يختبئ في مكان منعزل ليقي نفسه من الأرواح الشريرة .والحقيقة إننا نذكر أن هذه القدسية للدائرة كانت موجودة لدى اليزيدية وربما بقيت إلى يومنا هذا عند بعضهم فإذا ما احيط اليزيدي بدائرة اصبح أسيرا لها لا يمكن أن يغادرها إلا أن يأتي صاحب نفس كريمة ويفتح الدائرة وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدائرة كانت موضع تقديس الأغريق وهي من وجهة نظر الفلسفة الاغريقية أكمل الأشياء وبذلك فهي تحمل صفة الفضيلة وإن كل نقطة ابتداء فيها يمكن أن تكون نقطة انتهاء والعكس صحيح وهنا يجب أن لا ننسى أن كثيراً من التنظيرات الفلسفية والرياضية انتقلت إلى الاغريق من الشرق .
كما يتحدث توما بوا عن أشكال من المعتقدات والطقوس التي تجلب المطر إذا انقطع وبات الزرع مهددا و الطقوس التي تطلب انقطاع المطر إذا كثر سقوطه فبات مهددا للزرع. ومن هذه الطقوس الذهاب إلى النهر والاغتسال أو أن ترتدي النسوة اجمل ثيابهن ويسكب الماء على اجمل ثوب بعد أن ترقص النسوة حول قدر بانتظار نضج الطعام فيه وإذا لم يسقط المطر فتسكب كل النسوة الماء على ملابسهن.
وفي بعض المناطق يغطس رجل تقي في حوض من الماء وقد يصنع الأطفال دمية من خشب يلبسونها العمامة والثياب وتغطس الدمية في الماء ويتجولون بها في الأزقة منادين ببعض الارجوزات الخاصة بجلب المطر.
وفي موقع آخر يكتب توما بوا عن المعتقدات ذات العلاقة بالشفاء من الأمراض والصحة. فهذا إسماعيل بك جولو اليزيدي وهو أمير على ما يذكر توما بوا يبصق في الماء لتشربه النسوة الطالبات للعلاج، فالمرضى يشفون والعقيمات يحبلن وينجبن والمهجورات يرجعن إلى أزواجهن ويحدث الحب والعطف .
أما تراب ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني المأخوذ من أي مكان ففيه الشفاء والبقاء للأطفال وكذلك لإيقاف الحمى يوضع خيط احمر في عنق أو ذراع الطفل المريض .. أما ويكرام فيحدثنا عن عقيدة القسمة والنصيب والقدر عند الكرد وهو لا يتحدث عن هذه العقيدة كونها موضوعاً مباشراً ولكنه يلمح إلى ذلك عبر بعض المواقف التي تصادفه ، لكنه في موقع من كتابه يذكر إن عقيدة القضاء والقدر عقيدة لا تنجو النفس من إسارها في هذه الأرض، أرض القسمة والنصيب وإن مبدأها يتلخص في أن كل إنسان هو خالد حتى يلعب دوره كاملاً في الحياة ويؤدي رسالته(206).