الرئيسية » مقالات » أجل حكومة إنقاذ وطنية عراقية نزيهة …؛؛

أجل حكومة إنقاذ وطنية عراقية نزيهة …؛؛

إن الآمال بنجاح الحكومة الثالثة في ظل الاحتلال قد ذهبت أدراج الرياح ، ويظهر أن رجال السياسة المصنعون في ورشة الأحزاب الدينية ، لا يصلحوا لغير تزوير الشهادات وعقود زواج المتعة ، ومنح الرتب العسكرية لأنفسهم ولمن يشاءون. وقد أظهروا براعة فريدة في ابتكار الفتاوى التي تجيز التصرف بالمال العام ، والتعاون مع المقاولين المزيفين مناصفة أو مثالثة في الأموال العامة المرصدة للمقاولات الوهمية. وبدا واضحا أن هذا النمط من الحكومات القريبة من أوهام ولاية الفقيه ، غير راغبة ببناء اقتصاد وطني قوي ، عماده إنتاج صناعي متنوع ، وزراعة حديثة وبنية تحتية متطورة. إذ بدون ترقية هذه القطاعات الثلاثة ، فأن الفقر والتخلف الثقافي لن يبرح مجتمعنا أبدا ، فزيادة دخل الفرد وتحسين مستواه المعيشي مرتبطان عضويا وتماما بتطور إنتاج تلك القطاعات.

لقد أهملت الصناعة الوطنية كليا ، فلم يجري وضع الحجر الأساس لمشروع صناعي واحد في المحافظات الأشد فقرا وحاجة عبر السنين الخمسة الماضية. ولا يعد هذا الأمر تقصيرا في الواجبات المناطة بالوزراء ، وإنما هو عقيدة ثابتة لطلبة الحوزات وأحزابها الدينية التي ترى بأن التجارة هي الأساس في تحقيق الغنى ، وهي مصدر الثراء الذي هو في نظرهم الذهب والمجوهرات التي تحتفظ به النساء في بيوتهن. وتنفيذا لهذا المنظور البدائي ، أزاحوا كل محددات الاستيراد التي تبنتها السياسات الاقتصادية السابقة ، وفتحوا أبواب الاستيراد على مصراعيها ، وبشكل خاص واستثنائي أمام التجار الإيرانيين ، كالتزام عقائدي لنصرة الشقيق الذي عجزت منتجاته الرديئة عن إيجاد مشترين لها في سوقهم الداخلي .

لم تدرك السلطة الحكومية بعد ، أن مثل هذه السياسة ستقضي على الصناعة العراقية التي أنفق عليها مليارات الدولارات خلال العقود الستة الماضية ، وهي بالفعل في طريقها إلى التلاشي والتحول إلى أنقاض. القطاع الصناعي يضم الصناعات التقليدية والحرفية الصغيرة والمتوسطة ، إضافة إلى الصناعات الكبرى ، كالحديد والصلب ، والمعدات الصناعية ، وصناعات مواد البناء على اختلافها ، والصناعات البتروكيماوية والكيماوية ، التي بإمكانها تشغل مئات الآلاف من العمال والمهندسين والإداريين المتخصصين. وإذا لم يعاد تأهيل ذلك القطاع كما ينبغي ، فإن تلك الآلاف من قوى العمل الماهرة والخبيرة ، ستتدفق إلى جيش البطالة المتخم أصلا بالعاطلين عن العمل من كل الأعمار.

المسئولون الحكوميون غير مهتمين أيضا بما يحيق القطاع الزراعي من أخطار ، ولا يعلمون أنه يلي قطاع النفط في أهميته بتكوين الدخل القومي. إن القطاع الزراعي يحتضر حاليا ، وذلك بفعل السياسة التجارية الخاطئة التي تعتمد السوق المفتوحة من جانب واحد في تعاملها مع الخارج. فالمنتجات الزراعية العراقية تفقد الطلب الداخلي عليها ، نتيجة إغراق السوق الداخلية بالمنتجات المثيلة الواردة من دول الجوار، التي على عكس المنتجات الزراعية العراقية تحظى بدعم دولها. و إذا ما استمرت هذه الظاهرة بالاتساع أمام صمت ولا أبالية المسئولين ، فإن هجرة الفلاحين إلى المدن من قراهم ومصادر عيشهم تصبح حقيقة مريرة ، وسيكون من المستحيل بعد ذلك إعادتهم إلى مهنهم وقراهم ، وعند ذاك سيشكلون عبئا لن يكون بالمستطاع تحمل تبعاته أبدا. فالفلاحون بعد أن نفذت مدخراتهم وجفت القنوات التي كانت تروي مزارعهم ، وتوقف الدعم الحكومي الشحيح الذي كانوا يحظون به ، وجدوا أنفسهم صفر اليدين ، بعد أن كانوا مصدر الخير والنماء لقرون خلت. إن ضيق الحال يدفعهم إلى هجرة أرضهم ، هائمين على وجوههم بحثا عن لقمة العيش في المدن وبالأخص العاصمة. و الفلاحون الذين ظلوا لمئات السنين مصدر الخبز لشعب العراق ، لا يعقل أن يجوعوا ، وهم من منع عن سكان المدن العراقية المجاعات ، التي خلفت في دول أخرى الموت والأمراض في الأزمان الماضية.

كثيرة جدا هي نواحي الفشل و القصور في الأداء الحكومي على مختلف الصعد ، ولا نحمل هنا السيد المالكي مسئولية كل ذلك ، فالكتل السياسية التي تشارك في حكومته وفق مبدأ المحاصصة هي من يتحمل عبء ذلك بالدرجة الثانية بعد سلطة الاحتلال التي يتم كل شيء بأشرافها. إن السيد المالكي يخوض معركة خاسرة من أجل البقاء في الحكم ، ولم يدرك بعد ، إن كسب معركة الرقي وتقدم البلد لن يتم بالخطب والتمنيات والكلمات خشنة كانت أو ناعمة.

لقد أثبتت خمس سنوات من الإشراف الأمريكي ووعوده الفارغة ، أن لا أمل يرتجى من حكومة لا قدرة ولا صلاحية ولا برنامج عمل لها. ولذا ،

على مجلس الأمن الدولي ، أن يفكر جديا في جدوى نظام اختارته وأقرته سلطة الاحتلال كطريقة للحكم في العراق وهو نظام المحاصصة ، الذي يثبت مرة بعد أخرى عن فشله وضرره البالغ على تقدم العراق اقتصاديا وعلميا وتربويا وثقافيا واجتماعيا. إن مجلس الأمن الدولي مطالب بإعادة النظر في الخيارات التي تحاول الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة فرضها على العراق عبر الابتزاز. ولأن الحكومة الحالية مقيدة التصرف ، بسبب ما تكبله بها سلطات الاحتلال ، فإنها شبه مجبرة على الرضوخ للضغوط الأمريكية بالضد من رغبة شعبها.

أمام هذه الكارثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بالعراق إلى المجهول ، فإنه لابد من التفكير بصورة جدية بتشكيل حكومة إنقاذ وطنية ، تشارك فيها شخصيات مستقلة تماما عن التجمعات السياسية القائمة المشاركة في العملية السياسية ، على أن تكون عناصرها من ذوي الخبرة والنزاهة ، تتعهد بخدمة الشعب وفق برنامج وطني محدد بفترة زمنية ، وتعمل بجد لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. إن سلطة الاحتلال لم تعد مؤهلة للقيام بذلك ، خاصة بعد أن أعلنت عن تسليمها على مراحل المسئولية السياسية والأمنية والعسكرية للكتل السياسية التي تعاونت معها في احتلالها العراق.

باقتناعنا أن للشعب العراقي الحق إذا ما أبدى الرغبة بذلك بالطلب من الأمين العام للأمم المتحدة لوضع دولته تحت إشرافها لفترة محددة ، يستعيد خلالها استقلاله الكامل من النفوذ و التأثير الأمريكي. تقوم المنظمة الدولية على إثر الطلب الشعبي ، بإجراء مشاورات مع أحزاب وشخصيات مستقلة لتشكيل حكومة وطنية مؤقتة ، دون مشاركة الأحزاب السياسية الحاكمة. تتعهد الحكومة المؤقته بإجراء انتخابات عامة في البلاد ، تنبثق عنها حكومة دائمة ، بعيدة عن نفوذ رجال الدين وعن الطائفية. وفي هذا الاتجاه ينبغي أن تعمل كافة القوى والتيارات السياسية العراقية على توحيد جهودها والطلب من الأمم المتحدة للمساعدة في تحقيق هذا الهدف. يتطلب هذا الأمر أولا وقبل أي شيء آخر ، تشكيل لجنة من تلك القوى السياسية والشخصيات المستقلة ، لبحث هذا التوجه وصياغة الطلب وتقديمه إلى الأمين العام للأمم المتحدة. إن الشعب العراقي بكافة مكوناته ، جدير بحياة لائقة كريمة ، يتمتع بها في ظل دولة ديمقراطية حرة من النفوذ الأجنبي ، تحظى باحترام وتضامن المجتمع الدولي ، وتعمل معه بنشاط من أجل أمن وسلام العالم.

علي ألأسدي
البصرة