الرئيسية » مقالات » الحقائق الناصعة في عملية الهروب من سجن الحلة/6

الحقائق الناصعة في عملية الهروب من سجن الحلة/6

ذكر الرفيق جدو في رسالته الأخيرة أنه جرى الاتفاق على أن يخرج من النفق في البداية الراحل حسين سلطان ويليه مظفر النواب والثالث جدو،وقد حدثني جدو في زيارته الأخيرة عن ما حدث بعد الخروج من النفق،وأمور أخرى لم ترد في رسائله رأيت تدوينها أكمالا للرسائل وإنهاء للعملية لأن الأخ عقيل حبش -على ما أخبرني في رسائله التي سأشير إليها- لديه العديد من الملاحظات حول ما ورد في رسائل الرفيق جدو وطلبت منه نشرها بعد اكتمال نشر الرسائل ونحن الآن بانتظار تعقيباته ليتسنى لنا الرد عليها نفيا أو تأييدا بعد الرجوع الى صاحب العلاقة الرفيق جدو،وأود أن أشير في نهاية المقال الى شخصية كان لها أثرها في الاختلافات عن المخطط الحقيقي للنفق وهو حسين ياسين الذي كان يلعب على أكثر من حبل ويتعامل مع أكثر من طرف لما جبل عليه من نفسية متذبذبة لا تستقر على حال وأمور أخرى سنتناولها راجين ممن يمتلك معلومات أخرى عن هذا الشخص الذي تسبب بكوارث عديدة للحزب وقضية الشعب أن ينشروا ما لديهم من معلومات عنه ليكشفوا حقيقته الانتهازية المراوغة وما يتحلى به من خلق بعيد عن أخلاق الشيوعيين بمختلف أشكالهم وألوانهم.
يقول الرفيق حميد غني جعفر(جدو): بعد خروجي من فتحة النفق وتنشقي لنسيم الحرية سرت بمحاذاة سياج الكراج باتجاه بابه المطلة على الشارع الرئيسي قرب ساحة تتفرع الى أربعة شوارع أحدهما باتجاه الديوانية والثاني باتجاه كراج بغداد والثالث الى مركز المدينة والرابع شارع السجن،وعند وصولي الى الباب وجدت حارس السجن واقفا فسلمت عليه بهدوء ورد علي السلام لأني كنت الشخص الثالث الذي خرج من الكراج وعندما أصبحت خارج الكراج تلفت يمينا وشمالا وأنا لا أدري أين أتجه لأني غريب عن المدينة ولم أشاهدها في حياتي ،وفي تلك اللحظة مرت أمامي عربة (ربل) فتسلقتها وركبت في المؤخرة طالبا من السائق التوجه الى كراج بغداد بما يستطيع من سرعة لأني على عجلة من أمري لوجود وفاة عندي وأعطيته ما طلب من أجرة لأن الرفيق حسين سلطان منحني مبلغا قدره خمسة دنانير،وبعد أن سارت العربة لمسافة أنزلني السائق مشيرا الى كراج السيارات المتوجهة الى بغداد،فنزلت هناك وتوجهت الى الكراج فوجدت أمامي كل من مظفر النواب وحسين ياسين وحافظ رسن وفاضل عباس وشخص آخر لم أتبين وجهه عرفت فيما بعد أنه جاسم المطير،فأشار لي مظفر بالركوب معهم حيث اكترينا سيارة صغيرة خمسه راكب،وكان النواب يرتدي الزي الريفي وكأنه أحد شيوخ الأعراب،وكان الجميع يعلمون أني لا أحمل هوية لأن المنشقين عملوا الهويات لجماعتهم مستثنين جماعة اللجنة المركزية في أول خرق وتآمر على رفاقهم رغم الاتفاق المسبق بيننا على عمل الهويات للجميع وقد زودناهم بالصور على هذا الأساس،فسأل مظفر السائق بلهجة ريفية جنوبية(خويه الأسم بالخير) فرد عليه السائق(حسين) فقال مظفر(خويه أبو علي أرد أنشدك أكو سيطرة تفتيش بالطريق)فقال السائق(أكو سيطرة وحده بس من توصلون يمها أقره آية الكرسي وأنشالله كلشي ماكو)فأحس مظفر أن السوآل ربما يجلب الشك فأردف قائلا(خويدمك هذا(مشيرا لي) نسه هويته بالبيت وهو طالب مدرسة وأجينه مستعجلين لأن عدنه جنازة) وعندما وصلت السيارة الى السيطرة لم يوقفها مراتب السيطرة لأن التفتيش تلك الأيام كان روتينيا ولم يصل خبر الهروب إليهم ليتخذوا الأجراآت المشددة،وتمكنا من عبورها وعندما وصلنا الى ساحة المتحف في علاوي الحلة نزلنا جميعا من السيارة وكانت الساعة بحدود العاشرة ليلا فقال لي حسين ياسين (تجي ويانه) فقلت له (لا هذا حدن هوياكم) في أشارة لاختلافنا وانشقاقهم عنا وتآمرهم على الحزب،فافترقنا وذهبوا الى جهة لا أعرفها .
وتوجهت الى مدينتي الكاظمية،وخشية من وصول خبر الهروب الى شرطة المدينة لم أتوجه الى أهلي مباشرة وتوجهت الى بيت شقيقتي الذي لم أتبينه في تلك الليلة فشاهدت شخصا أعرفه في الزقاق فسألته عن البيت فأرشدني إليه دون أن يعرفني لأن الظلام كان حالكا تلك الليلة فطرقت الباب ودخلت عليهم فعجبوا لإطلاق سراحي قبل انتهاء محكوميتي فأخبرتهم بهروبي من السجن عند ذلك دخلت الى الحمام واغتسلت جيدا وقد أرسلوا خلف أخي الذي سبق له أن واجهني في السجن ولم أخبره بنية الهروب لأن تلك أسرار الحزب التي لا يمكن إفشائها لأقرب الناس رغم أن أخي كان شيوعيا،وقد أتصل أخي بالحزب في اليوم التالي وأخبرهم عن وجودي في بيت شقيقتي حيث جاء الرفاق واصطحبوني معهم الى أحد البيوت الحزبية ومن تلك اللحظة تفرغت للعمل الحزبي،وبقيت أعمل في البيوت الحزبية حيث نقلت الى لواء الكوت للعمل في الريف وممارسة نشاطي هناك،وعندما حدث انقلاب 17 تموز 1968 وبدء التقارب مع البعثيين وصدور قانون العفو العام عن السجناء السياسيين خرجت الى العلن ومارست النضال السري بعد إيقاف التعقيبات القانونية عن كافة الدعاوى المرفوعة ضدنا ،وقد استدعيت للخدمة العسكرية وأنهيتها وتسرحت مع مواليدي ومن الطرائف أني التقيت بأحد ضباط الصف في وحدتي العسكرية بعد تسريحي فأخبرني بورود أمر إلقاء القبض علي لهروبي من سجن الحلة،ثم صدر قانون آخر بالعفو عنا ،وبعد الجبهة عملت بصورة علنية في صفوف الحزب واشتغلت في مقر الحزب لحين انهيار الجبهة فاضطررت الى الهروب والاختفاء في أطراف بغداد والعمل في أحد معامل البلوك الذي يمتلكه أحد أصدقاء الحزب وبقيت معه لسنتين تقريبا مع مجموعة من المطلوبين للسلطة ،وبعد تلك السنتين اضطررنا لترك المكان خشية العثور علينا فانتقلت للعمل في المزارع خارج العاصمة،وبعد ذلك سكنت مدينة الحرية وقد خدمتني الظروف لاختلاف أسمي في الأحوال المدنية عن أسمي المعروف به بين الناس ،فكان أسمي في منطقتي وداخل العائلة مجيد،والحزب يطلق علي لقب جدو لأني كنت أصغر الرفاق المعتقلين سنا،وفي سجلات الحكومة كان أسمي حميد حتى أن القائمة التي صدرت عن أسماء الهاربين كان أسمي فيها عبد الحميد وهذا الاختلاف قدم لي خدمة كبيرة وجعلني بعيدا عن أنظار السلطة.
ومما أتذكره عن تلك الفترة أني كنت أعمل في محل مقابل مدرسة الخلد الابتدائية في منطقة الوشاش وذات يوم رأيت حسين ياسين واقفا بباب المحل ينظر الي فعرفت أنه قد عرف شخصيتي فدعوته الى الدخول ،وأخذنا نتحدث في أمور شتى وقد حثني عن بطولاته بعد سقوطه وانغماره في العمل مع البعث وعودته الى الوظيفة وعمله الصحفي ومما حدثني به أنه كان يكتب في صحف السلطة تحت أسم (حسين المعله) وأنه كتب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مقالا في جريدة الثورة الناطقة بأسم البعث الحاكم بعنوان(الشيوعيين السوفيت يمزقون عضويتهم ويرقصون فرحا) يقول بعد كتابة المقال بفترة بلغت بالمثول أمام صدام حسين فذهبت الى القصر الجمهوري وأدخلت على الرئيس فقدموا لي الشاي ثم جاء صدام وسلمت عليه فأثنى على ما كتبت ثم أعطاني مظروفا فيه هدية وهي مبلغ من المال فقلت له (أن رؤيتك هي الهوية) فشكرني على ذلك ،وقد قام حسين ياسين بالإبلاغ عن وجودي الى الجهات الأمنية حيث جاءني بعد أيام ضابط الأمن (أبو درع) وسألني هل تعرف حسين ياسين ثم تحدث معي عن عملية الهروب من السجن فعلمت أن حسين ياسين هو وراء هذه الوشاية وأنه أخبر الأمن عن وجودي في المنطقة مما اضطرني الى مغادرتها الى منطقة أخرى.
وحسين ياسين شخصية عجيبة متقلبة لا يؤتمن جانبه ولديه ألاستعداد لخيانة أقرب المقربين أليه فبعد خيانته الكبرى وإفشاءه أسرار الحزب أنضم الى المنشقين من جماعة عزيز الحاج ،وخيانته الثانية عندما قام بأحداث فتحة في النفق للهروب منفردا وقد ظهر أن الفتحة في داخل ساحة السجن مما جعل العاملين في النفق يسارعون الى إغلاقها خشية انكشاف الأمر،ثم قام بمحاولة لأغراء احد السجانين لمساعدته بالهروب مما كاد أن يكشف عملية الهروب،وأصبح على ما يقال من قادتهم واختير عضوا في المكتب السياسي للمنشقين،ورغم هذه المكانة الكبيرة إلا أنه كان يعمل مع السلطة بشكل سري ويخبرهم بآخر النشاطات التي يقوم بها المقاتلين ألأبطال في الأهوار وكان وراء الهجوم الكبير وإنهاء حركتهم وإلقاء القبض عليهم وقد أصبح بعد انهيار الجماعة المنشقة دليلا للسلطة البعثية وأرشدهم الى بيوت الحزب السرية وأماكن اختباء المنشقين وكان له الدور الكبير في إنهاء الحركة والقضاء عليها ،وأصبح قادتها عملاء للسلطة يعملون في صحفها ممن يعرفهم الجميع.
وللأسف الشديد فأن مثل هذه العناصر التي تدعي الثورية وتؤمن بالكفاح المسلح والتي كانت وراء ذلك الانشقاق الكبير انهارت في لحظات وأصبحت معينا للبعثيين في محاربة الشيوعيين حيث لم يقتصر تأثيرهم على المنشقين وحدهم بل تعداه الى الرفاق الشيوعيين فكانوا أدلاء للسلطة على جميع الشيوعيين لسابق العلاقة ومعرفتهم للكثيرين منهم. وبعد سقوط النظام البعثي أضطر حسين ياسين الى الهروب لجهة مجهولة لما له من أدوار في خطيرة في إلقاء القبض على الكثيرين عمله مع الجهات الأمنية ضد المعارضة العراقية ويقال أنه حاول الاتصال ببعض الحركات السياسية للانضمام إليها والعمل في صفوفها إلا أن وجود بعض المعارف السابقين جعله يختفي عن الأنظار خشية انكشاف حقيقته وفضح ماضية المثقل بالكثير من الأخطاء والسلبيات.
من هنا يتضح لنا أن المنشقين على الحزب أو قياداتهم الفاعلة لم تختلف كما يشاع لأسباب فكرية أو تبنيا للكفاح المسلح أو لروحهم الثورية وإنما كانوا مدفوعين بعوامل أخرى هي ارتباطاتهم المشبوهة بجهات أخرى أدت الى تفتيت وحدة الحزب وأشغاله بصراعات جانبية حتى لا يأخذ دوره في أحداث التغيير المطلوب،وإنهاء الأشخاص الذين يؤمنون بالعمل المسلح بكشفهم أمام السلطة خشية أن يكون لهؤلاء تأثيرهم في حركة الحزب بشكل عام،وأن أي انشقاق مهما كان حجمه ونوعه لابد أن يكون له أهدافه غير المعلنة التي تصب في مصلحة أعدائه لأن التغيير الحقيقي هو ما يجري من خلال الأطر الرسمية التي وفرها الحزب في الرأي والرأي الآخر والاعتماد على الأكثرية في صياغة سياسته مع احترام رأي الأقلية بما لا يؤدي لاختلاف يؤثر على وحدة الحزب وقوته.