الرئيسية » مقالات » الزمهرير ( قصة قصيرة )

الزمهرير ( قصة قصيرة )

كان الثلج يسقط طوال الليل، ولازال مستمرا في سقوطه . غطت طبقة سميكة من الثلج السماء والأرض . السماء بيضاء والأرض بيضاء وعند المسافات البعیدة تحولتا إلى قطعة واحدة . كانت السماء قد تدنت من الأرض إلى تلك الدرجة التي تبدو من شدة احتضانها لها وكأنها ستدمر بطرفة عين كافة كائناتها الحية .

بين بياض الأرض والسماء كان يمكن تمييز اللون الداكن لعدة عربات وخيول ومجموعة من النساء والرجال وطفل أو طفلين فقط ، وشجرة وحيدة اكتست هي الأخرى بالثلج الآن ، لکن جزء من جذعها وأغصانها الغليظـة القهوائيـة اللـون المتدلية منها خرق ملونة هي الوحيــدة التـي نجـت مـن هجـوم الثلـج عليهــا . وإذا ما استمر الثلج بالسقوط على هذا المنوال لضم وبسرعة المسافرين المتعبين والخيول اللاهثة والشجرة الوحيدة العجوز تحت جناحيه البيضاء أيضاً.

رمقت المرأة الرجل برموش متجمدة كالقناديل ونظرة باردة . كان يتموج في نظرتها شيء ما, شيء أشبه بالتضرع، الغضب، الطلب، العناد، العجز و … ظلت المرأة تواصل التحديق بعيون الرجل الرمادية والضبابية بنظرة متسائلة … وهو بدوره يرمقها بنظرة عميقة منهكة وعقيمة … أبعدت المرأة عينيها عنه ووجهتها بقلق وغموض نحو الشجرة الهرمة الوحيدة . أدار الرجل رأسه لا إراديا باتجاه الشجرة . أعادت المرأة تحديقها بالرجل ، وهذه المرة بنظرات مضطربة ومتسائلة ، لكن أكثر عناداً وإلحاحاً وصراحة . شعر الرجل بضغط النظرة الملحة للمرأة عليه ، أبعد عينيه عن الشجرة وظل ينظر إلى المرأة خفية لكن سرعان ما أبعد عينيه عنها نحو الأرض المغطاة بالثلج وكأنه يهاب نظراتها .

عندما بدأت أجفانه ، ثم شيئا فشيئا كل وجهه يسخن تحت وطأة ثقل نظرة المرأة وسريان الحرارة في كل ذرة من ذرات كيانه على الرغم من البرد القارص، أخذ يحرك رجله اليسرى وكأنه يحاول دفع كتل الثلج التي كانت ترتفع شيئاً فشيئاً إلى مستوى ساقه جانباً . كانت تفاحة آدم تحت حنجرته ترتفع وتنخفض بصعوبة . تحرك شاربه الأصفر المتجمد الذي كان يمكن تشخيص لونه الآن بصعوبة, لكنه واصل تحديقه بالأرض . أدارت المرأة رأسها إلى جهة أخرى ، نظر إليها عدد من مرافقيهم بنظرات مذهولة حائرة لكنها هزت رأسها بعجز . وهز عدد آخر رؤوسهم بيأس ايضاً وتمتم آخرون بكلمات لاذعة ، بينما اكتفى البعض منهم بالتحديـق بالأرض فقط .
كان صمت عميق يخيم على الأجواء . ولا يسمع إلا صوت أجش لصهيل حصان أحياناً . ويتبين من الصهيل إنه لم يبقى لدى الخيول قدرة على التحمل . كانوا قد ساروا أيام متوالية وثم ابتلوا بهذا الزمهرير ولم تكن الخيول وحدها مرهقة إنما عيون المسافرين تمطر تعباً مفرطاً أيضاً. فقد قطعوا مسافات طويلة حتى وصلوا إلى هذه المنطقة وإلى شجرة المراد هذه حاملين معهم آمالاً كبيرة وصغيرة ، ليربطوا خرقهم ومناديلهم بأغصانها العارية عسى أن تحقق لهم أمانيهم .

ثم إن هذا البرد المفاجئ والسقوط المستمر للثلج ، وولادة المرأة الحبلى لطفلها ، وموت حصانين … زادت كلها من فداحة الأوضاع . وفي اليوم السابق توجه اثنان من المسافرين إلی أقرب قرية ليوفروا لهم الخيول والمواد الغذائية والوقود .
متى سيعود هؤلاء ؟ ماذا يفعلون بهذه المرأة التي ولدت حديثاً وبهذا المولود الجديد؟ كيف يمكن تحمل هذا البرد القارص؟ … أسئلة كانت تدور في أذهانهم جميعاً وتنعکس في عيونهم .

كسر صراخ المولود الجديد الصمت المخيم على البرية ، توجهت كافة النظرات نحو المولود وأمه . ضمت المرأة المسكينة مولودهـا الی صدرها بشـدة لکی تدفئه بجسمها . لابد أن یعیش هذا الولد الصغیر بأی ثمن کان . الولد الذی من أجله تحملت کل هذا الطریق معرضة حياتها للخطر . وربطت من أجله مندیل أحمر بالشجرة لکی یکون مولودها الخامس ولداً . والان، کیف تسمح ان یتلف ابنها الوحید ؟ ماذا ستقول لزوجها ؟ خلع الرجل ردائه الصوفی ولف به الوليد.
عادت نفس النظرات تتسائل ، ماهو الحل إذاً؟ فقد نفذ الوقود الذي كان لديهم .

هبت ریح باردة جعلت ندف الثلج الصغیرة تتراقص في الهواء .

أبعدت المرأة عینیها عن الأم وطفلها وعاودت التحديق بالرجل ، بصورة أکثر عنادا وسماجة ودهشة وتضرعاً وتأمراًً , نظرة كان نصل سهامها يستهدف قلب الرجل تماماً . صرً الرجل على أسنانه ووجه نظراته مرة أخرى نحو الأرض . وفجأة ، وكأنه اتخذ قراره ، قام من مكانه وذهب نحو عربة الحمل ، توجهت كافة النظرات نحوه . كان الرجل يتحرك بصعوبة نحو الامام . لا يعلم إن كانت أكوام الثلج هي التي تكمن وراء صعوبة حركته أم ثقل الأنظار التي كان يشعر بها على أكتفاه ! ما اطول المسافة بينه وبين العربة .

وصل الرجل إلى العربة بعد لحظات أو يمكن بعد ساعة ويحتمل بعد … توجه نحو الشجرة حاملاً فاساً بيده دون أن يعير أهمية للنظرات أو الإثارة التي كان يشعر بها الباقين . أطلق البعض منهم آهات عالية ، وتمتمت أمرأة عجوز معترضة.
قالت أم الوليد بصوت منخفض : ياربـــــي و …. لكنها اطبقـــت شفاههــا بسرعــة ،
ويحتمل إن الثلج هو سبب شدة انطباق شفاه المرأة . نظرت إلى الطفل النائم في حضنها ثم إلى شجرة المراد وألتصقت شفاهها أكثر من ذي قبل. تجمدت الحروف والكلمات ولم تخرج من حنجرة المسافرين المنجمدين من البرد.

بين الصمت المخيم على المسافرين، توجه الرجل نحو الشجرة ببطيء ، كلا ! كان يتحرك بسرعة ، يمكن انه كان يتصور ان خطاه سريعة . كانت الخرق الملونة ، الحمراء ، الصفراء، الزرقاء، الخضراء …. بادية للعيان من خلال الأغصان المغطاة بالثلج ، تبدو وكأنها تضحك على الرجل أو يحتمل إنها كانت تبكي ، أو تتضرع ، أو أنها … وقف الرجل إلى جانب الشجرة . ألقى نظرة عليها من الأعلى الى الأسفل! تذكر كلام جدته ، تذكر الآمال التي تحققت ، تذكر الخرق التي أعطتها له أمه لكي يعقدها على الشجرة . العقد ، العقد ، الخرق ، المناديل ، الحمراء ، الصفراء ، الزرقاء ……انعقدت نظراته بالأغصان . النظرات ، النظرات المنتظرة ، المؤلمة ، النظرة ، النظرة ، النظرة ، العيون ، العيون ، البرد ، بكاء الطفل ، صهيل الحصان ، نظرة المرأة ، عيون الرجل العجوز. يدي المرأة الهرمة ، شجرة المراد ، الجدة ، المراد ، الآمال ، الموت ، الزمهرير ، الإنجماد ، التنمل ، الموت ، الموت ، هل يمكن للميت أن يطلب المراد ؟!! المراد ، المراد و…

رفع الفأس عالياً ، هوت الضربة الأولى ، انتشر صدى صوت الضربة الأولى على الجذع اليابس الهرم في البرية كلها . الضربة الثانية ، الثالثة و … وبعد ساعة ، كان الجميع يجلسون حول نار كبيرة ودافئة ذات لهيب احمر متمرد محدقين بالنار… وألسنة النار المتأججة تتراقص في أحداقهم، وأذاب الثلج من عيونهم ، كان الطفل نائماً في حضن أمه . توقف الثلج عن السقوط ، كان الجو باردا، لكنهم كانوا يشعرون قرب النار ببرودة اقل ، ملئت رائحة الخرق المحترقة الحمراء والصفراء والزرقاء والخضراء الفضاء … إنما لا يشعر أي منهم بالبرد .

ترجمة: نظيرة إسماعيل كريم

17/10/2008