الرئيسية » مقالات » انهيار العمل الدعوتي في العراق!

انهيار العمل الدعوتي في العراق!


حين الحديث عن العمل الدعوتي بمعناه الاعم او الحركي بخصوصيته في العراق لابد من التعريج بشئ عن الماضي طالما انه كان السبب الاساس في ظهور مثل هذا الخط. الماضي وبكل مايحويه من تعقيدات وملابسات وشد وجذب واخذ ورد فهو في النهاية منهل ليس عنه غنى فكيف اذا كان الماضي لازال قائما وكأن عجلة الزمن متوقفة لم تدر البتة؟!


ترجع بدايات العمل الدعوتي في العراق الى بدايات القرن الماضي وتحديدا مع الاحتلال البريطاني للعراق وجلاء القوات العثمانية التي كانت سببا وعاملا محوريا في تأخر العمل الدعوتي (الشيعي تحديدا) باعتبار ان “الباب العثماني” اسلاميا ويمثل بالتالي خطا متصلا بالخلافة الاسلامية ولايجوز الخروج عليه خصوصا وسط تكالب الاستعمار بكل اشكاله على بلاد المسلمين عامة والعرب خاصة. مع احتلال العراق ونشوب ثورة العشرين تكاثرت الاصوات الداعية الى تأسيس منهج دعوتي ليتطور لاحقا الى منهج حركي يأخذ على عاتقه تثقيف الناس وتعريفهم بدينهم فضلا عن تحفيزهم لاخذ موقعهم المناسب في المجتمع والدولة. أضافة الى وجود المحتل وماترافق هذه الحالة من افرازات سلبية فقد وافقته بدايات تشكيل المنظومة الدولية الجديدة التي شقّت طريقها بحربين عالميتين افرزتا في النهاية قطبين متناحرين بينهما حرب باردة في جزء من العالم وساخنة في جزءه الاخر. ومن الطبيعي لمثل تلك الحال ان يخرج من تلك العباءة مؤيدين وأنصار ومعارضين وأفكار فأجتاح المد الشيوعي بلاد المسلمين ولم يكن العراق باستثناء فكان محركا اخر يدعم الاصوات الداعية الى ضرورة تحرّك اسلامي شيعي لملئ الفراغ وهو ماكان!


الحركة الاسلامية في العراق واجهت تحديات عديدة ليست سياسية في مجملها بل فكرية ايضا تمس العقيدة في صلبها فكان الدعاة الاوائل يجاهدون على اكثر من صعيد. ربما من المفيد هنا ان نذكر رد العلامة محمد الجواد الجزائري على شاعر المنفى ايليا ابو ماضي وتحديدا قصيدته “لست ادري” او “الطلاسم” حيث بيّنت كل قصيدة خطا مختلفا ليس في الرأي فحسب بل وفي الحركة والفكر والعقيدة. ففي الوقت الذي يقول فيه ايليا:


جئت ، لا أعلم من أين ، و لكني أتيت


ولقد أبصرت قدامي طريقا و مشيت


و سأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت


كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟


لست أدري


 


 يردّ عليه الجزائري بقصيدتة الموسومة “حل الطلاسم” فيقول فيها:


 


ضمني الكون و مالي منية كانت لديه


لا و لا راق لعيني يوم أقبلت عليه


دفعتني حكمة من عالم النور إليه


أنا لا أجهل مِن أيـن أتيت


أنا أدري


 


ولم يقف الاختلاف عند هذا بل تعداه الى أصل الوجود والغاية والحكمة وجدلية واجب الوجود وممكنه والجبر والتفويض، فيقول ايليا:


أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود ؟


هل أنا حر طليق أم أسير في قيود ؟


هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود ؟


أتمنى انني أدري و لكن …


لست أدري


 


فجاء رد الشيخ الجزائري وافيا شافيا  يؤكد صلب النظرية الاسلامية بقوله:


 


أنا من حيث أتيت جئت محدود الوجود


بحدود انتجت اشكالها نظم الحدود


فأنا الممكن و المحـتاجُ و الكون الجديد


كيف جئت الكون محدوداً وجودي


أنا أدري


 


ثم تبع ذلك بالقول:


 


حكمةٌ قد سيّرتني بين اطلاقٍ و أسر


و تمشّـت بفعالي بين تفويضٍ و جبر


فأنا بينهما أملك في مسراي أمري


كيف كان الدرب كيف السير فيه


أنا أدري


 


في لغة اليوم يواجه الرعيل الثاني والثالث واتباعهم من الدعاة تحديات مختلفة تماما عن القديم من الضد تتمثل بالضد النوعي تارة وبالضد الجنسي تارة اخرى. ففي الوقت الذي كان يحلم فيه الاسلاميون حكم العراق فقد تحققت تلك الامنية بحكمة الله جلت قدرته فقدّمها لهم ليرى ماهم صانعون واين هم من الشعارات الى العمل والتطبيق! بعض هؤلاء الدعاة يرى طبعا انه من المبكر جدا الحكم على الاسلاميين تحديدا وتحميلهم تبعات فشل ساهم الاخرون فيه مساهمة فاعلة وكل ذلك في وقت يعيش فيه البلد احتلالين اهونهما الامريكي واشدهما الارهاب وان كانت الصلة بين الاثنين واضحة ومتجلية في اكثر من مقام ومقال!


لكن أليس هؤلاء الدعاة مؤمنون بأن الله يختبر عباده في مواطن ضعفهم وقوتهم على حد سواء وانه في الامتحان يُكرم المرء او يُهان؟! هل يتوقع هؤلاء ان تملأ الارض عدلا وقسطا حتى تستقيم لهم الارض ويحكموا بلا مشكل ولامعضل ام ان العمل الجاد والصادق يظهر ولو كانت الارض سيخ بأهلها “واما الزبد فيذهب جفاء واما ماينفع الناس فيمكث في الارض”؟! لماذا يتحجج الدعاة اليوم بحجج واهنة ويبحثون عن شمّاعات لتعليق فشلهم السياسي والدعوتي في وقت يحكمون فيه ويقبضون على كل مفاصل الدولة بقبضة من حديد؟! لماذا يتكالب “الدعاة” على حطام الدنيا ولذه زائلة تحت حجج “الافضل” واشغال الفراغ في وقت يسلبون فيه ارادة الامة في الاختيار والعمل وهو يقدمون اسوء نموذج للحكم الاسلامي ويستبدلون العمل الدعوتي المؤسساتي بمنظماتهم الحزبية وانشقاقاتهم الفئوية؟!


الواقع الميداني يؤكد ان الرعيلين الثاني والثالث من الدعاة لم يكونوا على قدر المسؤولية الاسلامية خصوصا والانسانية عموما والتي تحلّى وتميّز بها الرعيل الاول والمؤسسون فبعد الانشقاقات الداخلية وبروز تكتلات وحركات تتخذ من الدين والدعوة وسيلة للمشاركة السياسية والتكالب على “حطام الدنيا” فقد انتقلت الى مرحلة اخرى هي اخطر بكثير من كل مامر على العمل الاسلامي العراقي عبر قرن من الزمان بشقيه الدعوتي والحركي فيما هي “مرحلة الاقصاء المتعمّد”. مرحلة خطيرة تنبأ بانهيار العمل الاسلامي تدريجيا وانحساره بشكل ملفت الامر الذي يعيد الى الاذهان نظرية “اذا تم شئ بدا نقصه … ترقّب زوالا اذا قيل تم”!