الرئيسية » مقالات » نظرية الدولة العراقية – الحديثة

نظرية الدولة العراقية – الحديثة

إذا كانت مرجعية نظام وقوانين الدولة العراقية هو الدستور، لكن هل وضع الدستور والمصطلحات المستخدمة مأخوذة من مراجع فقهية وقانونية وذات دلالات واضحة ومتماسكة أم هناك شبهات وخلط بين القصد والمفهوم وبين مكان المصطلح الموافق للنص الدستوري.
المقالة الأولى والثانية تحدثت عن المادة الأولى والثانية في الباب الأول وفقراتها أ – ب – و ج ولم أتطرق لثاني فقرة من المادة الأولى. هنا أود التطرق لكلمة قد تكررت في العديد من فقرات الدستور العراقي الدائم، وللفائدة هي محاولة لفهم المصطلح والقصد من وروده في بعض الفقرات.

ثانياً :ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق لدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والايزديين، والصابئة المندائيين.

المعروف في الاصطلاح القانوني بخصوص (الضمان) له علاقة بالأمور المادية فلم أجد ضمان عقائدي وروحي ومعنوي. العقيدة تقوى وتضعف وتتبدل وتقل وتكثر حسب الرغبة الشخصية واندفاعه واجتهاده، ولا يمكن ربطها بالدولة أو تدخل أي مؤسسة حكومية بها. فلو كانت للعقيدة قيمة مادية يمكن صحة وضع الكلمة في هذه المادة، لكن العقيدة مسألة ذاتية تخص كل شخص وحرية اعتناقه للدين الذي يؤمن به….(لا إكراه في الدين…). وعادةً الضمان القانوني يوثق بورقة مصدقة ولها اعتبارها القانوني والشرعي كمادة يتحقق الضمان بتحريرها والعمل بموجبها.

الضمان هنا جاء بخصوصية الحفاظ على الهوية الإسلامية بينما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية وذكر عدد الأديان. فالملاحظ: أن للإسلام خصوصية وفرق في المضمون بين الدين الإسلامي وبقية الأديان والمعتقدات الأخرى…حيث ضمن هوية الأول وهم الأكثرية وضمن كامل الحقوق للديانات الأخرى في حرية العقيدة والممارسة الدينية. وهنا الفقرة فيها نوع من التمييز وهذا يعارض مع مواد دستورية أخرى في مسألة المساواة بين المواطنين. ولكن قبل البحث في موضوع التمايز الدستوري علينا معرفة رأي العلماء بخصوصية مصطلح الضمان لغةً وقانوناً.

لا أفهم المقصود من كلمة الضمان وما هو دليلها القانوني لكي تحافظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي ولنتعرف على معاني هذه الكلمة لغةً واصطلاحا.

تعريف الضمان لغة .

يُطلق الضمان في اللغة على معان منها :
أولاً : الكفالة والالتزام (1).
ثانياً : الغرم (2).

المطلب الثاني :
تعريف الضمان اصطلاحاً

استعمل الفقهاء لفظ الضمان بمعنيين :
المعنى الأول :-وهو الذي يهمنا ــ الغرامة ، فقد قالوا : هو ( عبارة عن رد مثل الهالك إن كان مثليَّاً أو قيمته إن كان قيماً )(3)
أو هو : (( إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات وقيمته إن كان من القيميات) (4)
المعنى الثاني:- ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق .
أو هو : ضم ذمة الضامن إلى ذمة الأصيل في المطالبة .
أو هو : شغل ذمة أخرى بالحق .
أو هو : التزام حق ثابت بذمة الغير (5)
قانونياً:
اختلف القانونيون في تكييف خطاب الضمان على أربعة أقول:
1 – أنه صورة من صور الكفالة وتنطبق عليه أحكام الكفالة.
2 – أنه يمكن تكيفه على أساس الإنابة القاصرة، وهي تتم إذا حصل المدين على رضاء الدائن بشخص أجنبي يلتزم بوفاء الدين مكان المدين بالإضافة إلى المدين، بحيث يصبح للدائن مدينان بدلاً من مدين واحد.

3 – أن خطاب الضمان يمكن تكيفه على أساس نظرية الاشتراط لمصلحة الغير حيث إن العميل يشترط على البنك دفع مبلغ معين من النقود للمستفيد، فأطراف خطاب الضمان ثلاثة يرتبط اثنان منهما بعقد ويشترط أحدهما لشخص ثالث أجنبي عن العقد أن يكون مستفيدًا.
4 – يرى بعض القانونيين أن خطاب الضمان يمكن تكيفه على أساس الإرادة المنفردة المنشئة للالتزام.(6)
فالالتزام في خطاب الضمان لا ينتج عن تلاقي ارادتين، بل عن إرادة مصدر الضمان الذي لا يستطيع التذرع بأي سبب للتحلل من التزامه الذي أفرغه في الخطاب الذي وجهه إلى المستفيد، وقد لوحظ على هذا التكييف أن خطاب الضمان يتضمن مدينًا ودائنًا، ولا بد من وجود إرادة لهذا الدائن، وهذا توافق ارادتين ، كما أن الآثار القانونية للعقد ليست من تشكيل الإرادات المكونة له منفردة، بل هي أثر امتزاج وتفاعل تلك الإرادات عند إنشائه.
التكييف الفقهي لخطاب الضمان:
اختلف الفقهاء المعاصرون حول خطاب الضمان –كما اختلف القانونيون- إلى خمسة آراء:
1 – ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن خطاب الضمان كفالة، وممن ذهب إلى ذلك الدكتور الصديق الضرير، وبكر أبو زيد، واستدلوا لذلك بأن تعريف كل من خطاب الضمان والكفالة في الفقه الإسلامي متفقان من حيث المعنى وهو التزام الشخص مالاً واجبًا على غيره لشخص ثالث.

2 – ذهب بعض الباحثين إلى أن خطاب الضمان وكالة وممن ذهب إلى ذلك الدكتور سامي حمود حيث قال بعد أن أورد نصوص بعض الفقهاء “ويتبين من هذه الباقة من الآراء المختارة من مذاهب الفقه الإسلامي، أن خطاب الضمان المصرفي بعلاقاته المتعددة وغاياته المختلفة يستطيع أن يجد له مكانًا في إطار الفقه الإسلامي الخصيب، وأن تكييف خطاب الضمان المصرفي على أنه وكالة لا يبدو متباينًا مع نظرة الفقه الإسلامي للموضوع في نطاق الكفالة التي يرجع فيها الكفيل بما يدفع على من أمره بذلك تمامًا، كما يرجع الوكيل لأن الكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة بالأداء.

3 – ذهب بعض الباحثين إلى أن خطاب الضمان يمكن تخريجه على قاعدة الخراج بالضمان وممن ذهب إلى ذلك عبد الحميد البعلي حيث قال: “وفي هذا الخصوص أود أن أشير إلى حديث “الخراج بالضمان”(1) وهل في معناه متسع لمقابل ظاهر أو جزاء عادل إذا قلنا إن من يتحمل تبعية ضمان شيء لو تلف يكون من حقه أن يحصل على منفعة من الشيء المضمون، فالمنفعة مقابل الضمان في هذه الحالة، ويجري الاجتهاد حول الأساس العادل لتحديد ذلك المقابل، أو الجزاء لاشتراك البنك وعميله في المنفعة، ففي الحديث وقواعد الفقهاء متسع للمسألة، ومن قواعد الفقهاء في معنى الحديث الشريف ما قاله شريح بن الحارث الكندي “من ضمن مالاً فله ربحه.

4 – ذهب بعض الباحثين إلى أن خطاب الضمان جعالة وممن ذهب إلى ذلك السيد محمد باقر الصدر حيث قال يعتبر خطاب الضمان من البنك تعهدًا بوفاء المقاول بالشرط، وينتج عن هذا التعهد نفس ما ينتج عن تعهد طرف ثالث بوفاء المدين للدين، فكما يرجع الدائن على هذا الثالث إذا امتنع المدين عن وفاء دينه، كذلك يرجع صاحب الحق بموجب الشرط إلى البنك المتعهد إذا امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشرط، ولما كان تعهد البنك وضمانه للشرط يطلب من الشخص المقاول، فيكون الشخص المقاول ضامنًا لما يخسره البنك نتيجة لتعهده، فيحق للبنك أن يطالبه بقيمة ما دفعه إلى الجهة التي وجه خطاب الضمان لفائدتها، ويصح للبنك أن يأخذ عمولة على خطاب الضمان هذا، لأن التعهد الذي يشتمل عليه هذا الخطاب يعزز قيمة التزامات الشخص المقاول، وبذلك يكون عملاً محترمًا يمكن فرض جعالة عليه، أو عمولة من قبل ذلك الشخص.

5 – ذهب بعض الباحثين إلى أنه وكالة إذا كان خطاب الضمان مغطى تغطية كاملة من قبل العميل، وكفالة إذا كان غير مغطى، وأما إذا كان مغطى تغطية جزئية فإنه وكالة في الجزء المغطى وكفالة في غير المغطى وممن ذهب إلى ذلك الدكتور علي السالوس.

رأي مجمع الفقه الإسلامي:
قد رجح مجمع الفقه الإسلامي القول الخامس حيث جاء في الدورة الثانية المنعقدة في جدة 1.-16 ربيع الثاني 14.6هـ الموافق 22-28/12/198.م ما يلي:
1 – أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والنهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء فهو ضم ذمته إلى غيره فيما يلزم حالاً أو مالاً، وهذه هي حقيقة ما يعني في الفقه الإسلامي باسم الضمان أو الكفالة وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي الوكالة، والوكالة تصح بأجر مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له).

2 – إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان وقد قرر جمهور الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة، لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعًا على المقرض وذلك ممنوع شرعًا، ولذلك فإن المجمع قرر ما يلي:
أولاً: أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان (والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته) سواء كانت بغطاء أو بدون بغطاء.

ثانيًا: أما المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعًا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن يراعي في التقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء.

وبناء على ما سبق يجوز إصدار خطاب الضمان من قبل البنك الإسلامي مقابل أجرة فعلية للإصدار والمصاريف الإدارية، وليس مقابل تسليف مبلغ الضمان ومدته سواء كان مغطى تغطية كاملة أم غير مغطى
والله أعلم
حررت هذه الفتوى اعتمادا على المراجع التالية باختصار شديد وتصرف
– المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عثمان شبير
– عمليات البنوك لمحمود الكيلاني
-الاستثمار والرقابة الشرعية د. عبد الحميد محمود البعلي، خطابات الضمان د. الصديق الضرير بحث مقدم لندوة المستجدات الفقهية في معاملات البنوك الإسلامية عام 1994م
– وخطاب الضمان لبكر أبو زيد ضمن فقه النوازل
– البنك اللاربوي في الإسلام للسيد محمد باقر الصدر
– الكفالة وتطبيقاتها المعاصر د. علي السالوس
المصادر:
(1) انظر لسان العرب 13 / 257 ، ومختار الصحاح ص 384 ، والمصباح المنير 2/364 ـ 365 .
(2) انظر المصادر السابقة .
(3) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر 2/210 .
(4) مجلة الأحكام العد ليه مادة رقم 415 وانظر معجم لغة الفقهاء ص 256 .
(5) انظر التعريفات للجرجاني ص 137 – 138 ، ومعجم لغة الفقهاء ص 256 .
(6) http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?cid=1122528610608&pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaAAskTheScholar

* المادة (3):

(العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو عضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها، وهو جزء من العالم الاسلامي).

سوف أترك المادة (3) لمقال لاحق، لكن يجب أن أذكر كلمة أخيرة لعلي أجد من يدلني على الحقيقة من أمر الدستور الذي هو المرجع الأساسي والقانوني لنظام الدولة العراقية أو بالأحرى لنظرية الدولة العراقية إن أراد لها نظرية ودور فعال في بناء حضارة عراقية حديثة. وأن جميع الأخوة الأساتذة الأفاضل مدعوون للمساهمة وتذليل الصعاب وبيان الأفضل والرأي الصائب. وأنا شاكر لجميع الأعزاء لمراسلاتهم ونقدهم البناء. ولم يكن دوري إلا الملاحظة ونقل المعلومات والتفكير والتعلم.

المخلص
عباس النوري
‏2‏ ‏تشرين الثاني‏,‏‏ ‏2008