الرئيسية » المرأة والأسرة » المرأة تنتصر في كوردستان … وستنتصر في عموم العراق ؛

المرأة تنتصر في كوردستان … وستنتصر في عموم العراق ؛

تعاني المرأة العراقية بشكل عام ، والمرأة الريفية بشكل خاص من العنف بشتى أشكاله ، دون وازع أخلاقي أو خشية من قانون يحمي كرامتهن. كان للتقاليد والعادات البالية الموروثة من عهود الظلام والتخلف أثرها في تكريس التمييز والنظرة الدونية تجاه المرأة ، لكن هذا لايمكن أن يشكل قاعدة يأخذ بها في ظل النظام السياسي الراهن. وفي وقت تشرع القوانين والنظم تمشيا مع ضرورات التقدم و إشاعة ثقافة حقوق الانسان ، كما جرى في دول العالم المتمدنة ، شرع البرلمان الاتحادي العراقي نصوصا دستورية تحرم المرأة من حقوق اكتسبتها عبر العقود الماضية ، وهو أمر مناف لطبيعة الأمور وتطور الحياة. وليس ذلك فحسب ، بل أقرت اللجنة التي أشرفت على إعداد مسودة الدستور بنودا دستورية تجيز للزوج تعنيف وعقاب الزوجة ، كما جاء في المادة 41 منه ، في سابقة لا مثيل لها في زمننا الحالي.

ووفق الدكتورة هدية جاسم ، المختصة بالإرشاد النفسي ، فإن ظاهرة العنف ضد المرأة في العراق قد ارتفعت إلى 50 % خلال السنوات الأربع الأخيرة ، مطالبة بسن تشريعات تحميها من الانتهاكات النفسية قبل المادية. وتقول : ” تستطيع المرأة تحمل كل ما يحيط بها من انتهاكات ، لكن طاقتها البشرية تنفذ ولابد من قانون يحميها ، فهناك مئات الحالات في مستشفى الصحة النفسية نتيجة الضرب والسب والاكتئاب والإحباط المتراكم ، فضلا عن ضغوط البطالة التي يتعرض له أحد الزوجين أو كليهما”. وتشير الكثير من التقارير الدولية حول تردي أوضاع حقوق المرأة العراقية التي وصلت إلى حالة مقلقة للغاية.

وفي هذا الشأن ايضا ، أوضحت الدكتورة بشرى العبيدي ، المختصة في القانون الجنائي الدولي في حديث “لراديو سوا ” قائلة : “هناك سبع مواد في الدستور العراقي أعتبرها غاية في الانتهاك والغرابة ، ولا يجب صدورها عن مشرع موجود في دولة أول تشريع في العالم. فمثلا المادة 41 من الدستور العراقي تجيز للزوج حق تأديب زوجته ، وكلمة تأديب ماسة بالكرامة ، وتتنافى مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الحكومة العراقية “.

إن المادة 41 التي صيغت في الدستور العراقي الجديد ، قد حلت محل قانون رقم 188 لسنة 1959 ، وبذلك أعيدت المرأة إلى عصر الحريم الذي يعتبر وصمة عار الحضارة العربية القديمة. و برغم ما تحقق للمرأة من نصيب في السلطة التشريعية العراقية ، لكنها وجدت نفسها وجها لوجه في مواجهة تيارات محافظة تعمد إلى عزلها وتحجيم دورها. ولم يكن غريبا حينها ، أن تظهر منظمات إرهابية تحت مسميات إسلامية في البصرة وبغداد ومدنا أخرى ، تطارد المرأة في الشوارع والأحياء وحتى في المعاهد والكليات لمعاقبتها لعدم ارتداء الحجاب وقتلها أحيانا لنفس السبب. وقد شهدت البصرة خلال السنين الماضية حملة اغتيالات طالت أكثر من 200 امرأة بريئة ، وحرق السيارات التي تقودهن ، وتفجير بيوتهن ومحلات الحلاقة والموسيقى التي يرتزقن من ورائها.

لكن لابد للظلم والظلام أن ينجليا يوما ، وتنتصر إرادة المرأة وتنال حقوقها التي حرمت منها خلال العهود الكئيبة الماضية. فها هي اليوم تحقق أولى انتصاراتها في كوردستان ، وغدا في بقية محافظات ومدن العراق. فمنذ أيام يناقش برلمان كوردستان تعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي ، ليس لإلغاء حقوق نص عليها ، كما فعل رجال الدين في بغداد عندما صاغوا الدستور العراقي الجديد ، ولكن لتثبيت حقوقا أخرى للمرأة ، لإنصافها بما يتماشى مع دورها العظيم في العائلة والمجتمع.

لقد قام برلمان إقليم كوردستان بأجراء تعديلات مهمة على قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 ، حيث أعترف لها بحقوق لم تعهدها في تاريخ الحقوق المدنية والإنسانية في العراق. وما تزال جلسات البرلمان مستمرة لإجراء المزيد من التعديلات على مواد عديدة من القانون. ومن التعديلات التي أجريت ، تلك المتعلقة بسن الزواج في كوردستان ، حيث حددها بستة عشر عاما ، فيما أجاز تعديل آخر للزوجة بتطليق الزوج ، وجعل العصمة بيد الزوجة ، وفق شروط محددة وتحت ظروف معينة. إن تحديد سن الزواج بستة عشر عاما ، يشكل تحديا مهما وقويا لمروجي الشذوذ الأخلاقي والجنوح الإجرامي الذي يجيز زواج المتعة وزواج الإناث بعمر تسعة سنوات ، في بعض محافظات العراق.

و التعديل المهم الآخر في نصوص القانون العراقي ، هو إلزام الزوج بالحصول على موافقة الزوجة في حالة رغبته بالزواج من امرأة ثانية ، و بضرورة تقديمه كشفا حسابيا موثقا يوضح قدرته على إعالة عائلتين بعدالة لا لبس فيها. وقد جاء هذا التعديل كحل توفيقي ، في مواجهة اقتراحات أشد راديكالية ، تسعى الى منع تعدد الزوجات بشكل مطلق. وجاء هذا التعديل استجابة لأراء ترى ان المجتمع في إقليم كوردستان غير مستعد في الظروف الحاضرة لقبول تشريع يمنع التعدد أصلا ، آخذين بنظر الاعتبار وجود نسبة عالية من النساء الأرامل التي خلفتها الحروب وحملات الإبادة العنصرية ضد الشعب الكوردي إبان عهد النظام السابق.

إن ما يجري من انتهاك لحقوق الزوجة في الوقت الحاضر لا يمكن السكوت عنه ، و اذا كان البرلمان في كوردستان قد تحرك في الوقت والظرف المناسبين لإنصاف الزوجة والأم ، فإنه في أجزاء أخرى من العراق ما تزال المرأة ترزح تحت عبودية الذكور كما الحال في القرون الوسطى. الرجل في مناطق عديدة في العراق ، يمارس حق الزواج دون وازع أخلاقي أو شعور بالمسئولية أو خشية من عقاب. فالبحث عن المتعة هو الدافع للبحث عن زوجة ثانية وثالثة ، بعلم الزوجة أو بدون علمها ، ويساعدهم في ذلك فقهاء متلبسين لبوس الدين جشعين و لا ضمير لهم.

وقد مرر البرلمان تعديلا مهما آخر ، أجاز للقاضي بموجبه ، أن يعقد زواج المختل عقليا من الجنسين بشرط أن لا يضر مرضه بالمجتمع ، و أن يقترن ذلك بتقرير من الطبيب المختص. وهذا التعديل له أبعاده الإنسانية في مجتمع ينظر للمختل عقليا نظرة دونية مهينة ، يجري بناء عليها تجاهل حقوقه في العيش في كنف مجتمعه ، وبتكوينه عائلة مثله مثل بقية أفراد مجتمعه. وهذه خطوة متطورة الى الأمام ، على طريق إنصاف الشرائح المهمشة في المجتمع ، ومنحها التضامن والمحبة والكرامة التي تستحق.

وفي خطوة جريئة أخرى ، أجاز برلمان كوردستان تعديلا تقدميا آخر، ظفرت الوالدة بموجبه الحق بتزويج ابنتها أسوة بالأب والأعمام ، وهو نص لم يكن واردا في قانون الأحوال الشخصية العراقي ، الذي نص على وجوب تزويج البنات بوجود ولي الأمر ، وهو هنا والد البنت أو من يحل محله من الأعمام.

أن التشريعات المقترحة ، إذا ما أقرت بالفعل فستكون لها آثارا دراماتيكية في المجتمع العربي والإسلامي المحيط الذي لم يتحرر بعد من عقلية البداوة والتخلف ، و عاجلا أو آجلا ستتوحد الحركة النسوية العراقية من أجل الضغط على الحكومة والبرلمان الاتحاديين ، للحذو حذو برلمان كوردستان لإنصاف المرأة ومنحها المكانة التي حرمت منها عبر القرون.

علي ألأسدي

البصرة 31 /10 /2008