الرئيسية » مقالات » لماذا كل هذا الهوس الجنوني من الغزو الثقافي؟

لماذا كل هذا الهوس الجنوني من الغزو الثقافي؟

في فترة السبعينات من القرن العشرين، طغت موجة تشبه الهوس الجنوني في الثقافة العربية ضد الغزو الثقافي، ومظاهره، وآلياته، وذلك لعدة أسباب منها:

1- أن العرب كانوا خارجين من هزيمة سياسية وعسكريـة ماحقة في العام 1967 هزت أركان العالم العربي، ومحقت الحلم القومي العربي. وكان ذلك بسبب الغرب ومساندته القوية لإسرائيل.

2- نشوء وارتقاء الجماعات الإسلامية السياسية، التي اتخذت من الثقافة الغربية – التي نشطت حركة ترجمتها من الشـرق الأوروبي الاشتراكي في عهد عبد الناصر كما نشطت حركة ترجمتها من الغرب الرأسمالي واليساري في فترة الستينات وبداية السبعينات في لبنان- مدعاةً للغزو الثقافي، ووجوب مقاومته، كما قال الباحث المصري الإسلامي جلال كشك في كتابه (السعوديون والحل الإسلامي).

3- طغيان الفكر الاشتراكي والماركسي عموماً في عهد عبد الناصر، وترجمته بشكل واسع، والمناداة به في المناهج الدراسية المختلفـة وفي خطاب الدولة الرسمي وإعلامها، مما أثار حفيظة التيار الإسلامي بشكل خاص، وراح يناصب هذا الفكر العداء، سيما وأن العهد الذي تبنّاه كان ضد الأحزاب والجماعات الإسلامية بوجه عام. وانتشرت موجات مختلفـة لمحاربة الغزو الثقافي القادم.

4- ظهور مجلات ثقافية وأدبية في بيروت، كانت تنادي بالتركيز على الشكل الفني فقط دون الالتفات إلى معالجة المشاكل القومية والوطنية السياسية والاجتماعية، كمجلة “شعر” ومجلة “حوار”. فيما اتهُمت بعض هذه المجلات بأنها ممولة من جهات أجنبية كمجلة “حوار” ، مما اعتبرتها الأوساط الثقافية مظهراً من مظاهر الغزو الثقافي وآلياته الخبيثة، ( أنظر: ندوة الغزو الثقافي، التي تمّت في بغداد على هامش مهرجان أبي تمام في الموصل، وناقشت الدور الذي تقوم به بعض المؤسسات الثقافية المشبوهة كأدوات للغزو الثقافي الاستعماري، كما قالت مجلة “الآداب” البيروتية، في حينها، ونشرت هذه الندوة في عددها الثاني، 1972).

4- كان لحركة الحداثة والحركة العَلْمانية في النصف الأول والنصف الثاني من القرن العشرين واشتداد أثر هاتين الحركتين في الستينات ومقتبل السبعينات سبباً في اشتداد الحملة على الغزو الثقافي. فيما اعتُبرت هاتان الحركتان من المظاهر الأساسية للغزو الثقافي وآلياته.

5- لا شك بأن ظهور الأشكال الأدبية الجديدة المتمثلة بالشعر الحديث، وتقويض عمود الشعر التقليدي واستبداله بنظام التفعيلة ثم الانتقال إلى شعر النثر وازدهار فن الرواية العربيـة والمسرح العربي الطليعي، فيما اعتُبر هذه كله وبمجمله ثورة على الأدب العربي القديم، قد كان مدعاةً للتيار الإسلامي لكي يشنَّ هجومه على هذه الأشكال الأدبية والثقافية الجديدة ويتهمها بالمدارس الفنية المستوردة، ويصفها كشكل من أشكال الغزو الثقافي الذي يجب محاربته.( انظر الداعية السعودية عوض القرني، في كتابه “الحداثة في ميزان الإسلام” 1988، صفحات متفرقة ومتعددة. وفي هذا الكتاب هجوم كاسح على الحداثة ورموزها في العالم العربي، إلى حد تكفير بعض الرموز الثقافية الكبيرة لهذه الحداثة).

5- وأخيراً، محاولة الدولة العربية الحديثة في الستينات وبعد نيل الاستقلال تبنّي بعض مظاهر وآليات العَلْمانيـة في الإدارة والاقتصاد، مما أثار حفيظة التيار الإسلامي، ورمى تلك الإجراءات بأنها شكل من أشكال الغزو الثقافي الغربي للعالم العربي.

علاقة الغزو الثقافي بالاستعمار والاحتلال

ومن هنا، رأينا كيـف أن الغزو الثقافي كان قد استُعمـل كمشجب لتعليق كل ما لا نرضى عنه ولا يوافق أهواءنا وإيديولوجياتنا. فمدرســة “الفن للفن” مثلاً اعتُبرت في السبعينات من وسائل الغزو الثقافي، لأنها – حسب رأي الأيديولوجيين القوميين – تُفرِّغ الأدب من محتواه الثوري والوطني والقومي.

ويُلفت نظرنا بعض المفكرين، إلى أنه لا علاقة للغزو الثقافي بالاستعمـار السياسي وللاحتلال العسكري.

فظاهرة الغزو الثقافي هي في الواقـع حقيقة تستقل استقلالاً تاريخياً وكاملاً عن ظاهرة الغزو الاستعمـاري والعسكري، كما عرفه العالم العربي منذ القرن التاسع عشر. والدليل على ذلك أن تأثرنا بالثقافـة التركية لم يكن بدرجة تأثرنا بالثقافة الأوروبية في الفترة الممتدة من 1517-1918 وهي فترة الأربعـة قرون التي كنا فيها تحت الاحتلال العثماني. كذلك فرغم أن مصر كانت واقعة تحت الاحتلال البريطاني في الفترة 1882-1954، إلا أن تأثير الثقافة الفرنسية كـان أكبر بكثير من تأثير الثقافة الإنجليزية في الثقافة المصريـة.

ولعـل هذا الرأي في ظاهره، وللوهلة الأولى، يفنِّد كافة الآراء الأخرى التي تربط بين الاستعمار السياسي والاحتلال العسكري وبين هوية الغزو الثقافي.

ولكن هذا الرأي لا يلبث أن يُدحـض بقوة، عندما نرى أن الثقافة الفرنسية قد استطاعت أن تسيطر على الثقافة العربية في لبنان وقسم من سوريا وفي المغرب العربي عموماً، وهي مناطق كانت كلها محتلة من قبل الفرنسيين.

وهنا يبرز السؤالان التاليان:

– لماذا كان تأثير الثقافة الأوروبية على العرب أكبر بكثير من الثقافة التركية طيلة أربعة قرون من الاحتلال العثماني للعالم العربي؟

– والسؤال الثاني، لماذا كان تأثير الثقافة الفرنسية على الثقافة المصرية أكبر بكثير من تأثير الثقافة الإنجليزية، رغم احتلال إنجلترا لمصر طيلة أكثر من سبعين عاماً؟


الثقافة القوية تطرد الضعيفة

إنني أزعم أن الإجابة عن السؤال الأول تكمن في أن الثقافة القويـة تطرد الثقافة الضعيفة، كالعملة الجيدة التي تطرد العملة الرديئة. وقد كانت الثقافة التركيـة ثقافـة دراويش، وثقافة تكايا صوفية ضعيفة، وكانت الثقافة الأوروبية ثقافة علم وعقل قوية. فطردت الثقافة القوية الثقافة الضعيفة.

وأما الإجابة عن السؤال الثاني، فتكمن في زعمـي أن الإنجليز لم يكونوا معنيين كثيراً بنشر ثقافتهم وتثبيت لغتهم في الشعوب المستعمَرة كمـا كان عليــه الحال مع الاستعمار الفرنسي الذي كان يحمل معه رسالة ثقافية هدفها نشر اللغـة الفرنسية والثقافة الفرنسية في البلدان المستعمَرة. ويُستثنى من هذا الهند التي اضطرت لاستعمال اللغة الإنجليزية في الدواوين الحكومية وفي الدوائر المالية والاقتصاديـة ليس بفعل الاستعمار البريطاني للهند فقط، ولكن بسبب وجود عدة لغات محلية في الهند. وكان الحل لذلك استعمال لغة عالمية واحدة، وكانت هي اللغة الإنجليزية. ولهذا السبب لم يُوقف الهنود استعمال اللغة الإنجليزية كلغة رسمية بعد أن نالوا الحكم الذاتي في العام 1935، وبعد رحيل بريطانيا عن الهند بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يعدوا استعمالهم للغة الإنجليزية كلغة رسمية نوعاً من الغزو الثقافي الذي يجب أن ينتهي ويرحل مع انتهاء ورحيل الاستعمار، كما كان عليه الحال في المغرب العربي وفي الجزائر على وجه الخصوص التي عادت إلى استعمال اللغة العربية كلغة رسمية بدلاً من الفرنسية بعد رحيل الاستعمار الفرنسي.

إضافة إلى ذلك، فقد لعبت البعثات التعليمية إلى فرنسا بعد عودتها من هناك، دوراً مهماً في نشر الثقافة الفرنسيـة في مصر. وكان معظم الدارسين في الخارج من المصريين يذهبون إلى فرنسا لا إلى بريطانيا. وقد لعب مثلاً كـل من لطفي السيّد وطه حسين وتوفيق الحكيم وحسين هيكل وغيرهـم دوراً مهماً في نشر الثقافة الفرنسية في الثقافة المصرية. ويعتبر بعض الباحثين أن هؤلاء وغيرهم كانوا من أعمدة التخريب الثقافي في مصر والعالم العربي. وأنهم كانوا أعداء الداخل وأحد أسباب وآليات الغزو الثقافي الغربي لمصر والعالم العربي، كما يقول الباحث المصري حامد ربيع في(الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامل العربي، ص17).



مواقف عقلانية وإيجابية من الغزو الثقافي

وأما ما تبقى من مواقف الفكر العربي تجاه مسألة الغزو الثقافي، فقد تلخّصت في المواقف التالية، التي كانت في جملتها مواقف إيجابية وعقلانية إلى حد ما، وتقول:



– لقد كان موقفنا من الغزو الثقافي يدعو إلى السخرية والضحك والرثاء في آن واحد. فالدول الصناعية المتقدمة التي هي صاحبة المصلحـة الحقيقيـة في محاربة كثير من أنواع الفكر الذي نصفه نحن بأنه مستورد، تقف إزاء هذا الفكر – مهما تطرّف – موقفاً ينطوي على قدر كبير من التسامح واتساع الأفق والتعامل معه بمقارعته بالمنطق والحجة. ولو ظهــرت دعوة لمحاربة هذا الفكر في مجلة إنجليزية أو كتاب فرنسي أو صحيفة أمريكية لكانت تلك الدعوة أضحوكة الموسم، كما قال أستاذ الفلسفة والمفكر المصري فؤاد زكريا في (الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، ص198).

– من ناحية أخرى، فالغزو الثقافي ليس مجرد تأثير وسائل الإعلام الغربية ووكالات الأنباء الصهيونية، كما أنه ليس انتشار الحداثـة وتجلياتها في حياتنا المعاصرة، بـل هو شيء آخر أهم وأخطر مما تتلهّى به أدبياتنا الرائجة حول هذه المسألة. إنه بُنية قوية عميقة وفاعلة في حياتنا العامة والثقافية والعلميـة. ومن يظن أن بإمكانه فضـح الغزو الثقافي ومجابهته دون التصدي الشجاع لهذه البُنية المعطَّلة، يكون كمن يتلهّى بالقشور، ويناطح طواحين الهواء، كما قال أستاذ الفسفة والمفكر السوري صادق العظم في كتابه (ذهنية التحريم، ص 162).

– يقف جانب من الفكر العربي موقفاً مناهضاً للغزو الثقافي الغربي من خلال رؤيته لعدم المساواة بين الغازي والمغزي. ويرى أن عدم المساواة في التقدم والإنجاز العلمي هو الذي خلق العداء بين الثقافات. ويقول صالح أبو إصبع الباحث الفلسطيني “إن الدول الأوروبية التي امتلكت التقنية من صناعة الآلات إلى صناعة الأشرطة وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق العربية تهدد الثقافة العربية. حيث نجد العجز والتخلف الذي لا يستطيع مجاراة تلك التقنيات الغربية وإمكاناتها المادية. ومن هنا تكمن عدم المساواة التي تؤدي إلى ظلم المجتمعات بتهديد ثقافتها الوطنية وخلق حالات من الاستلاب لدى مواطنيها” (وسائل الإعلام الغربية والاستلاب الثقافي، ص 43).

– ومن المفكرين العرب من يعتبر الغزو الثقافي عملية دائمة في تاريخ علاقة الاستتباع والسيطرة. فالغزو الثقافي لا ينتهي كمُمهد عند مدارس الإرساليات في القرن التاسع عشر مثلاً، بل إنه يبدأ من هناك ويستمـر حتى اليوم عبر شبكة معقدة من الأقنية الثقافية الحديثة، طالمـا أن هناك حاجة لتطويع المناطق الممتنعة عن الاستهلاك الغربي، وطالما أن هناك مستجدات لهذا الاستهلاك، كما يعتقد المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني (الغزو الثقافي الممهد والمتوافق مع الاستعمار الحديث في الوطن العربي، ص 51).

– يقف بعض الباحثين العرب المعاصرين، كالباحث واللغوي الليبي عماد حاتم، في بحثه (الغزو الثقافي الغربي الممهد والمتوافق مع الاستعمار الحديث في الوطن العربي، مجلة الآداب، عدد3/4، 1982) موقفاً إيجابياً من الغزو الثقافي. ويعتبر أن الغزو الثقافي كان سبباً في بزوغ عصر النهضة في القرن التاسع عشر كرد على هذا الغزو “فرُبَّ ضارةٍ نافعة”. كما يعتـبرون أن الغزو الثقافي وتهديده للثقافة العربية كان سبباً في بزوغ فجر التنوير العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد عبَّروا عن ذلك بقولهم أن “الخطر المحدق بالأمة آنذاك كان يستدعي اليقظة العربية ويستدعي سؤالاً مصيرياً عن الطريق الذي يجب سلوكه نحو التحرر وبناء المستقبل. وكان أول ما اتجه إليه رجال النهضة هو الدعوة إلى تنوير الجماهير وتزويدها بالمعرفة الصحيحة”.

– يقول بعض المفكرين كالمفكر المصري جلال أمين (ابن الراحل أحمد أمين) في كتابه (تنمية أم تبعية قاتصادية وثقافية؟ ص 115) إنه من المناسب أن نميز بين الغزو الثقافي وخضوع حضارة لأخرى وبين مجرد تأثر حضارة بأخرى. وأن الحضارة العربية الآن تخضع للغزو وليس لمجرد التأثر فقط. “فهناك فارق جوهري بين التأثر المقترن باحترام النفس وبين الخضوع الناتج عن مجرد الافتتان بالقوة المادية أو محاولة المغلوب تقليد الغالب أياً كانت درجة التفوق الحقيقية للغالب أو المغلوب”.