الرئيسية » مقالات » الاتفاقية الأمنية شر لابد منه

الاتفاقية الأمنية شر لابد منه

تباينت آراء الكتل والأحزاب السياسية في مواقفها من الاتفاقية العراقية الأمريكية فالأكراد مع الاتفاقية بصيغتها النهائية ويرون فيها الضمان الكامل لسيادة العراق بما توفر لهم من مصالح تخدم الوضع الحالي في كردستان ،والتوافق تذبذبت مواقفهم بين معارض لها في الظاهر ومؤيد لها في الباطن لما تضمن لقياداتهم الحالية من بقاء واستمرارية واستعدادهم لإعطاء أي تنازل مقابل عودتهم الى الحكم ونكاية بالأحزاب الشيعية التي يرون رفض بعضها للاتفاقية تعبير عن موقف أيراني يصب في مجرى الصراع الدائر بين الأمريكان وإيران في فرض هيمنهم على العراق وتدخلهم السافر في المنطقة،فيما ترى أطراف أخرى في الائتلاف أن الاتفاقية ضرورية جدا لبقائهم في السلطة وأحكام قبضتهم على مقدرات البلاد وقد أخذ الصراع مداه الواسع بين الحليفين السابقين المجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة الحاكم مظاهره العلنية وعلى المستويات الدنيا من خلال هيمنة المجلس على مراكز القرار في المحافظات ومحاولات الدعوة لسحب البساط من السلطة المحلية بتشكيل الصحوات العشائرية التي يهيمن عليها الحزب الحاكم ،وهذا الصراع ظهرت آثاره في التعامل اليومي بين الحليفين المتصارعين وبالتالي فأن الدعوة ترى في الاتفاقية ضمان لبقائها في السلطة والحد من نفوذ المجلس الأعلى الذي خفت بريقه في الشارع العراقي،وبدء حزب الدعوة باحتلال مواقع مهمة بفضل هيمنته على السلطة التنفيذية ونفوذه في السلطة المركزية،فيما أتخذ التيار الصدري موقفا رافضا للاتفاقية نصا وروحا تبعا لسياسته المعروفة بتوجهاتها والفتاوى التي أصدرها زعيمه الروحي الحائري وقائده الشاب مقتدى الصدر،أما الكيانات الصغيرة الأخرى فلا تشكل مواقفها تأثير كبير على مجرى المفاوضات أو توقيع المعاهدة لاختلاف مواقفها بين مندفع بلا تحفظ في تأيدها ومعارض أو متردد منها ولذلك فأن تأثير هؤلاء لا يمتلك القوة الكافية لإقرارها أو رفضها،ويبقى رأي الشارع العراقي الذي تحركه أجندات دينية تتلاعب بعواطفه الوطنية لتحقيق غايتها البعيدة عن أي شعور وطني ،ولأن العراقيين بطبيعتهم رافضين لأي احتلال مهما كان نوعه أو لونه.
وقد حاولت الأطراف المؤيدة للاتفاقية تحت ستر المصلحة الوطنية التصريح بما يشبه التهديد المبطن بأن عدم توقيع الاتفاقية سيؤدي الى حدوث انقلاب عسكري يطيح بالحكومة الحالية فيما يصرح المسئولين الأمريكان بأن عدم التوقيع على الاتفاقية ستكون له تأثيراته السلبية على الوضع الأمني في العراق في حالة انسحاب القوات الأمريكية وترك العراقيين لمواجهة مصيرهم مع جيرانهم الطامعين باحتلال العراق بما يمتلكون من بعد داخلي مؤثر قد يقلب الموازين رأسا على عقب،وبالتالي فأن الحكومة العراقية ليس أمامها من أمر آخر غير التوقيع على الاتفاقية أو تحمل النتائج المترتبة على عدم توقيعها بما فيها الحرب الداخلية واستفحال الفوضى والتهديدات الخارجية التي لها أثرها فيما يجري على الأرض في العراق.
إزاء ذلك فالحكومة العراقية أمام طريقين ،أما التوقيع على الاتفاقية في ظل التقاطعات بين الأطراف المؤثرة في صناعة القرار بشروط مجحفة لها تأثيراتها على استقلالية العراق أو أتفاق جميع الأطراف على قواسم مشتركة ليكون المفاوض العراقي مدعوما بأغلبية تمنحه القوة في المفاوضات ،أو الرضوخ للأجندات الخارجية بتأييدها أو معارضتها وهؤلاء هم الخطر الحقيقي على مستقبل العراق،فيما تحاول بعض الأطراف المماطلة والتسويف لتأجيل التوقيع عليها بانتظار الانتخابات القادمة حتى لا يعطون الذريعة لأعدائهم بالتشكيك بوطنيتهم واللعب بهذه الورقة لإسقاطهم جماهيريا بعد أن ثبت فشلهم طيلة السنوات الماضية في إيصال البلد الى شاطئ الأمان.
أما الطريق الثاني وهو رفض الاتفاقية على ما فيها من نقاط ايجابية قد لا يحصلون عليها في ظل الإدارة الأمريكية الجيدة التي ستكون من الديمقراطيين حتما بسبب فشل الإدارة الجمهورية في عملية غزو العراق وعجزها عن تحقيق تقدم ملموس في المجالات التي ألزمت نفسها بها في القضاء على الإرهاب وبناء الدولة الديمقراطية وعجزها عن أجبار العراقيين على توقيع الاتفاقية وبذلك سيكون هذا عاملا مساعدا لنجاح الديمقراطيين،وبالتالي ستأخذ المفاوضات طابعا جديدا في ظل الفسحة الطويلة للإدارة الجديدة التي هي غير ملزمة بأي مفاوضات سابقة،وإذا لم توقع الاتفاقية ستضطر الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية الى تمديد بقاء قوات الاحتلال لسنة أخرى ويبقى العراق فاقدا للسيادة في ظل الهيمنة الأمريكية عليه وهذا الأمر له تأثيره الكبير على مستقبل العراق واستقلاله الناجز.
وتبقى التصريحات الخارجية لدول الجوار تفعل فعلها في التأثير على القرار العراقي في ظل الصراع المكشوف بين الأطراف المؤثرة على الداخل العراقي ومواقف أطراف العملية السياسية المؤيدة لهذه الجهة أو تلك ويبقى مصير العراق معلقا بخيط رفيع وسط تجاذبات لا علاقة لها بمصالحه الوطنية مما يستدعى أن يكون لجماهير الشعب رأيها البعيد عن تأثيرا القيادات الدينية التي أوصلتها الى هذه النهاية المروعة والعمل لاتفاق بين الحكومة الأمريكية والعراقية يضمن سيادة واستقلال العراق بعيدا عن التدخلات الأجنبية المختلفة والنظر الى المصالح الوطنية دون مصالح الآخرين،ولا أعتقد أن الشعب العراقي سيكون له تأثيره على ما يجري لأن المطبخ السياسي العراقي يهيمن عليه طباخين لهم أغراضهم وأهدافهم المتباينة والتي لا تصب دائما في مصلحة الوطن،ولهم أجنداتهم الداخلية والخارجية التي تبعدهم عن اتخاذ أي قرار وطني يصب في مصلحة الشعب.
لذلك فأن العراق بحاجة الى معاهدة تنظم فيها العلاقة بين الأمريكان والعراقيين على أن تضمن الحقوق الكاملة في السيادة الوطنية وأن يكون للحكومة العراقية الرأي القاطع في إنهائها بعد انتفاء الحاجة للوجود الأمريكي وقدرة العراقيين على حفظ الأمن وأن تتعهد الولايات المتحدة بالوقوف مع العراق إزاء الأطماع الإقليمية لدول الجوار لأن العراق في ظل الظروف الحالية ليس في مصلحته الاستغناء عن الوجود الأمريكي لما يعاني من ضعف واحتمالات الغزو الخارجي له من قبل الطامعين،وأن لا يكون العراق قاعدة لانطلاق القوات الأمريكية لضرب الدول المجاورة.