الرئيسية » مقالات » بين التكهن والتخمين في السياسة السورية .. المطلوب بصارة .!

بين التكهن والتخمين في السياسة السورية .. المطلوب بصارة .!

تدل المؤشرات والأحداث المتلاحقة ، أن سورية تمر في الوقت الراهن بصعاب جمّة على الصعيد الداخلي وكذلك الخارجي بمحوريه الإقليمي والدولي .
ومما لاشك فيه أن النظام الحاكم في سورية ، يُدرك تماماً انه في وضع لا يُحسد عليه مطلقاً ، وما تشديد القبضة الأمنية وحملات الاعتقالات المتواصلة والتنكيل برموز المعارضة المتنامية من جهة والأحكام الجائرة الاخيرة التي صدرت بحق معتقلي إعلان دمشق ألاثني عشر وكذلك جملة المراسيم والقوانين الاستثنائية و العنصرية التي صدرت عن رئاسة النظام ، والتي كان آخرها المرسوم 49 السيئ الصيت ، إلا دليل على هذا الإدراك الذي يعكس مدى التخبط والرهبة من مستقبل منظور ينتظره .

أما على الصعيد الإقليمي فان الثابت الوحيد انه رعى و يرعى جملة أعمال القتل وتهريب الأسلحة والتسلّل والتفجيرات الانتحارية والإرهاب المنظم في كل البلدان المجاورة وفي الاتجاهات الأربعة ، كما انه اشرف ونفذ سلسلة من الاغتيالات السياسية لكبار الشخصيات في لبنان بدءا من محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة والعملية الإرهابية التي أودت بحياة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الى آخر قائمة عمليات الاغتيال التي وقعت في هذا البلد، إضافة الى ضرب عرض الحائط كل القرارات الدولية ذات الصلة بالوضع اللبناني ،إضافة الى عمليات مد ميليشيات مختلفة بالسلاح بطريقة غير شرعية ورعاية المعسكرات الشبه فلسطينية على الأراضي اللبنانية ، وإيواء كبار قادة حماس وغيرها من المجموعات الفلسطينية في العاصمة دمشق ، ويبقى الأبرز من كل ذلك إيواءه لشبكات إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة تقوم على إرسال المقاتلين من كل الدول العربية نحو العراق بحجة الجهاد .

إن جملة تلك السياسات التي ينفذها النظام الحاكم ، أدت الى إدراج اسم سورية على قائمة الإرهاب الدولية ، وفرضت عليها دول عديدة مجموعة من العقوبات المختلفة ، كان على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، رغم أنه قد أعطيت له فرصا كثيرة من قبل المجموعة الدولية إقليمية كانت أم غربية فهو لم يستفد من التقارب الذي جسدته الحكومة العراقية ، ولا من التوجه اللبناني نحو بناء علاقات سليمة ، ومعه كل الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية و مصر ، وكذلك الرعاية التركية في موضوع التفاوض مع إسرائيل للولوج نحو السلام في المنطقة ، وآخرها محاولة التقارب التي أتت من الحكومة الفرنسية الجديدة في بداية عهد رئيسها ساركوزي ، مما يعزز القول أن النظام ليس في وارد استثمار أية فرص أو مساعي دولية تضمن السلام والأمن الدوليين في المنطقة ، الأمر الذي يدعو الى سؤال جوهري مفاده :
كيف وعلى ماذا يستند ويراهن النظام الحاكم في دمشق رغم الأحداث المتلاحقة ..؟

ولمحاولة الإجابة على هكذا سؤال ، لابد لتا من قراءة تلك الأحداث أو على الأقل استذكارها لما تحمل من أهمية أمنية وسياسية في بلد مثل سورية ، فعمليات الاغتيالات التي حدثت في الفترة الاخيرة منذ اغتيال شيخهم أبي القعقاع في حلب الى اغتيال العماد مغنية وصولا الى اغتيال العميد محمد سليمان في طرطوس ، هذا الضابط الأمني الخاص والذي وصف برجل المهمات الصعبة ، والعديد من العمليات والأحداث الأمنية التي وقعت في سورية وعلى مقربة من دوائر الأمن المحصنة والحساسة على أهميتها ، تبقى اقل تأثيرا من تلك العمليات التي تقوم بها إسرائيل بين الفينة والأخرى بواسطة طائراتها منفذة خروقات جوية عديدة حتى أنها طالت القصور الرئاسية ، و كان آخرها تدمير المفاعل النووي السوري السري في دير الزور.

وجاءت عملية الإنزال الأميركي على منطقة البوكمال ، غداة تأكيدات بان الضغط المكثف الذي مارسته الولايات المتحدة على سوريا لوضع حد للنشاطات التي يقوم بها تنظيم القاعدة عبر الحدود السورية-العراقية وضبط الجانب السوري من هذه الحدود لم تجدي نفعا .
كما برهنت هذه العملية على أن النظام اليوم على عكس الفترة الماضية ، وهو لم ولن يكون بمنأى عن ردة الفعل المحتملة والخطرة من قبل المجتمع الدولي التي تنحصر مطالبه بوجوب تجفيف منابع الإرهاب حول العالم ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها سورية .
كما أن هذه العملية جاءت لتدحض كل مزاعمه ولتقلق راحته من جديد ، ودون أن تظهر القوات السورية أية مقاومة للطائرات الأميركية في الجو وعلى الأرض ، رغم امتلاكها ترسانة متنوعة من السلاح الذي كلف الشعب السوري قوت يومهم طيلة أربعين عاما !

وبرهن هذا التحول القاسي والمفاجئ على أن كل الأساليب الدبلوماسية والسياسية لم تنفع مع هذا النظام طيلة الفترة الماضية ، وحتى الإنذارات والمطالب الدولية ابتداء من تلك التي تقدم بها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والتي عرفت بالنقاط ألاثني عشر يومها ، الى ما قدمته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أخيرا لوزير الخارجية السوري وليد المعلم ، خلال لقائهما الأخير ما اعتبر إنذارا شفويا لكي لا يفهم النظام السوري عملية الانفتاح الأوروبي عليه بشكل خاطئ ، وان هذا الانفتاح مشروط بما يقدمه النظام السوري في كل الاتجاهات ، وضرورة إعادة التفكير بالإستراتيجية التي يعتمدها تجاه القضايا والدول .

والمفارقة هنا أن النظام السوري قام بنشر قوّة عسكريّة كبيرة قبالة الحدود الشمالية للبنان ، لم تلبث أن امتدّت حتّى البقاع الشماليّ مما يؤدي بطبيعة الحال الى إرباك الداخل اللبناني امنيا وسياسيا ،ويبرهن على أن النظام السوري لم يتراجع فعلا عن هدفه الأساسي القاضي بإعادة ربط لبنان بسوريا وإحكام سيطرته عليه ، و لا يزال مصمما على التعامل مع الغالبية النيابية والشعبية وكل قوى 14 آذار على أساس أنها معادية لسوريا ،ولذلك يسعى الى دعم المعارضة اللبنانية المتمثلة في مجموع قوى 8اذار في سبيل تحقيق الفوز بغالبية المقاعد في الانتخابات النيابية التي ستجري في مطلع العام المقبل ، الأمر الذي سيؤدي بطبيعة الحال الى تقليص دور القوى المناهضة له من جهة وإضعاف الحماية الدولية والعربية لهذا البلد من جهة أخرى ، كي يتثنى للنظام السوري من جديد ممارسة نفوذه المباشر والواسع في الحياة السياسية والأمنية اللبنانية ، معتمدا في كل ذلك على ادعاءات واهية تحت شعار محاربة التهريب والإرهاب ، ومنع تسلّل الإرهابيين.!

من الواضح أن النظام السوري فهم مرة أخرى وبشكل خاطئ ذلك الانفتاح والفرص التي أتيحت له وظن أن نظامه اليوم ليس كما كان قبلا ، ولكن إذا ما اكتفى النظام برد انفعالي لوزير خارجيته وليد المعلم ومعه غضب رئيس مجلس الوزراء و إذا كان هذا هو مستوى الرد الرسمي وهو كما عودنا سوف يرد في الوقت المناسب على العملية ، فلماذا يلوم الأنظمة العربية وينتقدها ولما الذهاب الى حد وصف هذه الدول بشركاء في الجريمة وهم كثر ..؟

وهل ما حدث في البوكمال يشبه في مضمونه ما وقع في التفجير الأخير وطال إما العميد عبد الكريم عباس أو العميد جورج الغربي أو كليهما ولكن مع اختلاف الأسلوب والجهة المنفذة ..؟
يبدو الأمر كذلك فالعملية إذا استهدفت المدعو أبو غدية الذي هو خليفة محمود غول اغاسي الملقب أبو القعقاع الذي اغتيل أيضا قبل عام تقريبا وهذا ما أعلن عنه ناطق رسمي أميركي وكذلك تأكيدات رسمية عراقية قابلها الجانب السوري الرسمي بالإنكار.

ويبقى أن نقول واستنادا الى حجم التطورات أن الإدارة الأمريكية الحالية تحضر المنطقة كلها لتطورات وتغيرات ما يفهمها القادة العرب جيدا وهذا ما يفسره الصمت العربي الرسمي الذي انتقده النظام السوري بشدة ويبدو انه سيدفع ثمن سياساته الحمقاء أخيرا ، وسيحاول جاهدا أن لا ينسف جسور الاتصال الخفية مع الولايات المتحدة الأميركية من جهة كما يسعى لكسب الوقت في انتظار الإدارة الأميركية الجديدة من جهة أخرى ويبدو انه كما المستجير بالرمضاء من النار .

أسئلة كثيرة قد تصعب الإجابة عليها بدقة ، ولكنني أريد أن اصرخ بصوت عال في آذان من يريد أن يهمس بأذن الأشقاء وأقول : الفجر لا بد انه قادم ……