الرئيسية » مقالات » ((صراع الديّكة))

((صراع الديّكة))

لاتكاد قناة فضائية او محطة إذاعية او صحيفة عراقية او عربية او عالمية إلا فيها حيز كبير لمتابعة الانتخابات الامريكية الحالية والتي تدور كالعادة بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة واللذان لايمثلان غير وجهان غير مختلفان لعملة واحدة إلا وهي سلطة رأسمال والاحتكار في الولايات المتحدة الامريكية ،وطبيعة الصراع والمنافسة على المكاسب والمراتب والإرباح بين فروعه واحتكاراته المختلفة كشركات البترول وشركات الاتصالان والصناعات العسكرية وقطاع الخدمات…..الخ.

في حين الظاهر على السطح يظهر وكان الانتخابات تهم كل الشعب الأمريكي بمختلف طبقاته وشرائحه الاجتماعية، هذه الانتخابات التي تمثل في وهرها أكثر أنواع الديكتاتوريات مركزية وصرامة وتسلطا في العالم وأكثرها قدرة على التضليل الإعلامي والنفسي والخداع الايدولوجي حيث يمثل جوهرها حمل ديكتاتور فرد محمولا عل أكتاف الجماهير وكأنه المخلص المنتظر على الرغم من انه ليس أكثر من خادم تافه ومطيع لقوى الرأسمال ولي نعمته ورافعه الى منصة الحكم وهي قادرة عبر آلات حبكة حبكا محكما على نبذه وإقصائه واستبداله بغيره حينما لايمتثل لإرادتها وليحقق مصالحه. ان هذه الانتخابات إذا جاز لنا ان نصفها بالانتخابات لايشترك فيها إلا اقل نسبة من ابناء الشعب الأمريكي اللذين يحق لهم المشاركة والتصويت مقارنة بما يجري في كل بلدان العالم فنحن لانرى إلا حشودا تحت أضواء كاميرات التصوير ودبلجات التحوير والتزوير. بسبب كون نتائجها وبرامجها ورموزها لاتمثل إلا أقلية من المواطنين الأمريكان ممن يملكون المال الوفير والإعلام القدير والذراع الشرير على الساحة الامريكية وفي كل إرجاء العالم.

ومن ميزات هذه الدورة الانتخابية انها تجري في ظل أثقل كابوس لأسوء أزمة مالية يمر بها الاقتصاد الأمريكي ومن خلفه الاقتصاد الرأسمالي العالمي عموما وبذلك فمثله مثل فرد يعالج سكرات الموت في غرفة الإنعاش يراد إجلاسه على عرش السلطة كسوبرمان منقذ وسط هرج وتهريج وصفير ديماغوجية إعلامية مجنونه.

كذلك فان من ميزتها انها تجري والرأسمالية الامريكية تكشف عن أبشع صورها الوحشية وهي تتعامل بالحديد والنار والقهر والاستئثار مع مختلف شعوب العالم و حتى مع حلفائها وأصدقاءها المقربين من اجل قهرها واستعبادها ونهب ثروتها وإخضاعها لإمبراطوريتها الشريرة متخلية بالكامل عن رداءها وقناعها المزيف بصورة المحرر وباني الديمقراطية والحرية على كوكب الأرض بعد انهيار غريمها الاتحاد السوفيتي والعالم ((الاشتراكي)) برمته.

كما انها تجري في ظل انهيار اهمم مبدأ من مبادئ الرأسمال والذي هو روح الرأسمالية في العصر الراهن إلا وهو مبدأ حرية السوق اي مبدأ اللبرالية الاقتصادية الذي أثبتت الأزمة الحالية فشله الذريع مما دعا دول الرأسمال العالمي الى التدخل الفوري والواسع في محاولة لإنقاذ اقتصادها والاقتصاد العالمي التابع المتهالك بضخ آلاف المليارات من الدولارات الى البنوك المفلسة. ولاشك ان هذا الامر يوجه لطمة قوية لللافواه الداعية الى اللبرالية الاقتصادية في البلدان المتخلفة ومنها العراق وربطها مصير الاقتصاد العراقي بالاقتصاد الرأسمالي عبر حرية السوق والتبعية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي حامي حمى الرأسمال العالمي ومنفذ إراداته.

كما ان من ميزات هذه الدورة الانتخابية الامريكية ان المخرج الرأسمالي لهذه العروض قرر ان تكون باللونين الأسود والأبيض بدلا من عرضها باللون الأبيض فقط طوال عشرات من السنين وطبعا مستبعدا منذ عهد االمكارثية وما بعدها اي احتمال لإشراك اللون الأحمر كما حصل ويحصل في بعض الدول الرأسمالية الأوربية،حيث دخل اوباما بعد ان امتصت الدهشة قبله من الشارع الأمريكي العنصري كل من كونداليزا رايس وكولن باول حيث دخل اوباما ليكون بطلا من أبطال هذه المسرحية ثنائية اللون وحيدة الطبقة آملا ان يضيف لها ملحا يحسن من طعمها الذي أصبح باهتا وممجوجا وعسى ان يكون هذا اللون تشويقا وعامل جذب للجمهور من اجل الفرجة على العرض الممل وليثبت خطل نظرية القائلة باستحالة تحول المعادن الخسيسة الى معادن نفيسة. فيبدو المتصارعان الوحيدان كأنهما في حلبة صراع الديكة التي يحيط بها جمهورا من المقامرين والمراهنين حاملي ماركت الاحتكارات الرأسمالية وكل منها يشجع ويصفق ويصفر لديكه المفضل مطمئنا ان الصراع يدور بين فصيل وجنس واحد يرمز للرأسمال الأمريكي المهيمن على السلطة السياسية منذ ولادة الولايات المتحدة الامريكية ولحين التاريخ حيث يتعانق الديكان في نهاية العرض كل منهم مهنئا غريمه المفتعل بفوز الرأسمال بالسلطة المطلقة واستبعاد كل منافس محتمل. فظهور هذا اللون الأسود على مسرح الساسة الامريكية لم يكن مطلقا بدافع الروح الإنسانية للرأسمال او حصول تغير او تبدل في جوهره الاقصائي العنصري ولكن بسبب تزايد نفور الناس في الشرق والغرب وحتى من قبل عموم الشعب الأمريكي من التمييز العنصري وتهميش جماهير السود فأخذ هذا الكره يحد من النفوذ التضليلي للرأسمال الأمريكي مدعي حقوق الإنسان والديمقراطية ، وبالتالي اخذ يأكل من جرف الربح الرأسمالي الذي لايعرف الحدود ولا السدود ولا العوائق الجغرافية ولا الجنسية ولا القومية ولا العرقية ولا الوطنية فالدولار فوق كل الاعتبارات مهما كانت، حيث لم يكن للمرأة ولا للزنوج حق الانتخاب ولا الترشيح الى وقت قريب،ولكن مهما كان الغربال ملونا وجميلا ومصنوعا من افخر المعادن ومرصعا بأثمن الجواهر لايمكن ان يحجب نور الشمس الكاشف لمدى همجية ووحشية وفشل الرأسمالية كنموذج للحياة البشرية حيث مليارات البشر تتضور جوعا وعشرات الملايين تغص بهم السجون والمعتقلات وأجساد النساء تباع بالجملة في كل أسواق الرأسمال ورؤوس الزنوج والهنود الحمر وغيرهم تسحق وتهان كل لحظة في كل العالم وآلاف الأطفال يتامى ومشردين وجياع ولكل هذا شواهد كثيرة في معقل الرأسمال وراعية ((الحرية)) أمريكا الرأسمال، وهنا لابد للبشرية ان تتجاوزها بنظام أكمل وأفضل يحقق الأمن والعدل والمساواة والرفاه والديمقراطية الحقيقية لكل البشر.

أما فيما يخص الشعب العراقي ومحنته الحالية تحت الاحتلال الأمريكي وبعد انهيار الديكتاتورية فلا نرى ان هناك اي فرق من حيث النزعة الاستغلالية والاحتلالية بين بوش الابن او وريثه اوباما او ماكين فكليهما يعمل ويتصرف بروح الرأسمال الأمريكي المتوحش لافرق بين ابيض واسود ولابين ديمقراطي او جمهوري فان وجه احدهما اللوم والنقد للآخر فإنما يوجهه له لعدم قدرته وإبداعه وخفته في الانقضاض على الفريسة وكتم أنفاسها ومن ثم التهامها بوقت أسرع وبخسائر وكلفة اقل في المال والرجال وليس بدافع الإنسانية او احترام إرادة الشعوب وسيادة البلدان او الترفع على روح ألاستغلال والربح والنهب والاستعباد وامتصاص دماء البشر.

فهاهم يحملون لنا سلاسل الاستعباد وفق مايسمونه المعاهدة الأمنية طويلة الأمد، ويحملون أكياس السلب والنهب عبر مايسمى قانون النفط والغاز المزمع المصادقة عليه في البرلمان العراقي خلال الأيام القادمة.

وبذلك ليس لنا ان نراهن على مجريات او إفرازات ونتائج الانتخابات الامريكية المقبلة بل على وحدة صف شعبنا وقواه الوطنية الحرة بكل فصائلها للعمل من اجل الاعتماد على الذات وبمساعدة قوى التحرر في العالم للعمل من اجل استكمال سيادتنا الوطنية والتخلص من براثن الاحتلال والاستغلال بكافة أشكاله وألوانه وكل مبررات وجوده والعمل على بناء دولتنا الديمقراطية الحرة المستقلة الموحدة.