الرئيسية » مقالات » )مدين لقاتلتي بالحياة) لسعيد التاشفيني :الحب والأمل في زمن الرداءة

)مدين لقاتلتي بالحياة) لسعيد التاشفيني :الحب والأمل في زمن الرداءة

كنت من قبل أن كتبت دراسة بسيطة وقصيرة عن ديوان الشاعر المغربي المتميز ” سعيد التاشفيني ” ونشرتها ببعض المواقع الإلكترونية والمنتديات الأدبية فلقيت استحسانا كبيرا لدى القراء وتعليقات مفادها الإعجاب بما يكتبه هذا الشاعر وهناك من الأدباء والقراء من طالبني بمدهم ببعض القصائد أو نشرها بالمنتديات للاطلاع عليها من خلال ما قرأوه في بعض السطور والمقاطع التي نشرتها مع الدراسة . واليوم لم أستطع أن أكبت الرغبة لدي في إعادة الكتابة عن ديوان الشاعر وتجربته الشعرية الجميلة خاصة وأنه شاعر مرغوب فيه ومطلوب في كل الأمسيات والملتقيات سواء تلك التي تقام بمدينته الجديدة أو في مختلف المدن المغربية الأخرى ، وبالطبع فهو دائم الحضور فيها ولا يكاد يرفض طلبا لأي جهة كانت وجهت له الدعوة لتواضعه وبساطته وتكوينه الأخلاقي والثقافي .

الشاعر سعيد التاشفيني شاعر يهتم بشعر الغزل والحب أكثر من أي نوع من الشعر الآخر ، يكتب قصيدة الغزل بطريقة تجعل المتلقي يحس وكأنه هو نفسه الشاعر الذي يعيش تلك التجربة الحية . إنه شعر سعيد التاشفيني يسري في القلوب مسيرته الأزلية ومسيرته المتصفة بالبقاء والديمومة . يستخدم معجما بسيطا قريبا من لغة المتلقي ولذلك ما نراه على محيا كل جمهوره في الملتقيات من كل الأعمار والفئات المجتمعية حيث تطرب لشعره وطريقة إلقائه الجميلة التي تكاد تطابق آلة موسيقية تعزف ألحانا رائعة .

أغلب شعر سعيد التاشفيني والذي نشر جزءا منه في ديوانه ” مدين لقاتلتي بالحياة ” هو شعر يتحدث عن حياة الشاعر وعن تجربته الحياتية وعن مسقط قلبه ورأسه ، وعن أناس عايشهم في مدينة أحلامه وعنفوانه . مدينة لم يتكسر عودها رغم عوادي الزمن . مدينة كان ومازال يحلم بتشييدها . مدينة الحب والسلام والتعايش . مدينة الألفة والرحمة والصداقة والرقي والتقجم . قد تكون هذه المدينة هي مدينته ومسقط رأسه مدينة ” الجديدة ” أو أي مدينة أخرى فقط تستحق أن تسع لهذه الأحلام التي يتمنى تحقيقها في يوم من الأيام .

ثمة روعة في شعر سعيد التاشفيني تجعل جمهوره يصفق له بحرارة كلما استمع له أو حضر إحدى أمسياته العديدة . ثمة شيء ما يجذب هذا الجمهور للاستماع إليه . فشاعرنا ابن عائلة عريقة بمدينة الجديدة ووالده كان فقيها عالما في الدين ، ولذلك يحق لهذا الجمهور أن يحترم شاعرا راقيا متواضعا . لقد تعلم الشاعر الكثير من الصفات الجميلة والحميدة من والده الفقيد ورغم تمكنه الشعري وشهرته المحلية والوطنية فإنه لم يغير من طباعه شيئا مما جعله محبوبا عند الناس .

وإذا ما تمعنا في ديوانه الجميل ، ” مدين لقاتلتي بالحياة ” نجد شاعرنا يبحث عن أداة أو وسيلة يوصل بها حبه وأحاسيسه ومشاعره لكل من يحب ، سواء كانت حبيبته الأزلية وهي القصيدة أو امرأته أو أي شيء آخر يحس تجاهه بعاطفة العشق والحب . فالقصيدة الحبيبة الأولى للشاعر تكاد تفقده صوابه واتزانه بدلالها وغنجها وفعلها الذي يبين عن سوء النية في بعض الأحيان ، كما لا يستطيع أن يقبل منها كل شيء رغم تعلقه بها وحبه الأعمى لها ، يقول متحدثا عنها في قصيدة ” مدين لقاتلتي بالحياة ” :
وتأتي الحبيبة خلسةً
كعادتها …
فليستْ تزورُ حين أخلو بنفسي أضمدُ جرحَ كآبتها
أكادُ أجنُ بحضرتها …
ماذا تريدُ القصيدةُ مني ؟
وقدْ نخرتني … وقد نهبتني ….
وقدْ سلبتني اليقينْ … ( ص : 1 و 2 ) .

هذه الحبيبة القاتلة التي تحييه مثلما تقتله وتجرح مشاعره وتغيب وتأتي خلسة وتنخره وتنهبه وتسلبه اليقين ويجن بحضرتها هي القصيدة التي يجهل غاياتها وأهدافها الدفينة من التعلق به والاستمرار في حياته . هي التي تجعله إنسانا يحس ويشعر ويتفاعل مع الحياة ، فلا يكاد يجهل دورها وتواجدها في حياته ووجوده . هي معه أينما رحل وارتحل والدليل على ذلك أنها تحضره في كل لحظة حتى ولو كان جالسا بالمقهى مع أصدقائه وخلانه . تحضر بين يديه سلسة طيعة فيبدأ في نظمها مثل شاعر عربي فحل قوي اللغة فيثير الإعجاب لدى مجالسيه مما يحيل الجلسة إلى متعة وروعة .
…. أنساقُ لدعوتها
أتداعى … أتهاوى … لا أملكُ إلا أنْ أفعلَ …
آهٍ كمْ تفتكُ بي حينَ تزورُ …
وكمْ تغويني …
تفعلُ بي ما كانتْ تفعلهُ زمنَ اللهفةِ والعشقِ الأولْ . ( ص 2 ) .

ثمة التات إلى الوطن والأمة والعروبة في شعر سعيد التاشفيني ، فحبه لوطنه بات مغروسا في وجدانه رغم كيد هذا الوطن له وللعديد من أفراد هذا الشعب . ثمة حب دفين لا يستطيع إجلاءه أو التنصل منه ، لأنه أصله ومنبعه وجذوره القديمة ومستقبله الغامض . فحب الأوطان من الإيمان كما يقال ، ولذلك يصعب عليه نكرانه والتبرؤ منه أو التنصل من حبه على عكس الكثيرين الذين يريدون للوطن أن يذهب إلى الجحيم وأنهم يريدون الوطن فقط ويحبونه في ساعة الرخاء والهناء والعيش الرغيد وما عدا ذلك فهو مجرم في حقهم يستحق النكران والتنصل من الانتماء إليه وله .
أهواكَ … أحبكَ يا وطني
لكنكَ لستَ معي
بلْ طولَ الوقتِ هناكْ .
أدعوكَ … أناديكَ
وأهتفُ باسمكَ
لا ألقاكْ .
…………
…………
عجبي كيفَ أحبكَ هذا الحبَ
وتنكرني
تتجاهلني
أدعوكَ ولا ألقاكْ . ( ص 9 و 10 ) .

ساهم الشاعر في ديوان محمد الدرة الذي أصدرته مؤسسة دار البابطين بالكويت كمساهماته الكثيرة الأخرى نذكر منها إنجاز أشرطة غنائية خاصة بالأطفال وكتابة أغان بخزانة الإذاعة الوطنية . هذه المساهمة التي لقيت استحسانا من مؤسسة البابطين بقصيدته الرائعة ” لله درك يا درة ” وتم تجاهلها في كتاب الناقد الدكتور وهب رومية ” الشعر والناقد : من التشكيل إلى الرؤيا ” الذي تصدره سلسلة عالم المعرفة بالكويت وهي قصيدة تكاد تفوق العشرات من القصائد التي درسها واعتمدها الناقد في كتابه وبحث فيها . ولا ندري سبب هذا التجاهل وكل المبررات التي ساقها لنا المؤلف لم تكن مقنعة فكان عليه أن يقوم باستحضار كل القصائد المنشورة بالديوان أو تركها كلها لأنها من أفضل القصائد التي قيلت في قضية العرب الأولى وفي الشهيد محمد الدرة :
لنصرةِ الحق لا شعرُ ولا وترُ
بلِ السيوفُ في حدها الظفرُ .
هيهاتَ ينفعنا شعرٌ يؤججنا
مادامَ مجمعنا للعزمِ يفتقرُ .
إن كانَ أجدادنا بالشعرِ قدْ حمسوا
فإننا بعدهمْ أودى بنا الفترُ .

لقد أبدع شاعرنا في هذه القصيدة الجميلة وأعاد إيقاظ الجراح القديمة ، واستطاع من خلالها أن يدق الإسفين في جبهة التخاذل العربي الرسمي والشعبي ، فصدقت رؤيته تلك وفنذ كل الدعوات والادعاءات التي تخرج علينا بين الفينة والأخرى تقول بالعكس وتذر الرماد في العيون على أساس إيديولوجي لا صحة فيه . فالنصر بالعزم وليس بالحلم بل بالإرادة والاعتصام والجمع ولم الشمل والمساندة . فهل يعقل أن تكون الحجارة بأيدي أطفال أشد بسالة وبأسا من جيوش تعد بالملايين ؟ .

يؤمن الشاعر سعيد التاشفيني بالحب والأمل في هذا الزمن الرديء وهذا من حقه ، وقد نتفق معه في ذلك . فالتفاؤل في هذا العالم العربي الموبوء ضروري لكيلا يزيد الطين بلة ، ويفقد معه كل أمل في الإنقاذ والاستعداد لما هو آت . ويبقى شاعرنا بتجربته الشعرية المتميزة هذه قادرا على إيقاظ عزيمة عقول استسلمت للضياع والتشاؤم ، وهذا يحسب له وليس عليه . 


كاتب مغربي