الرئيسية » مقالات » مُـدَّرِسَتي وكتابي ودموعي!

مُـدَّرِسَتي وكتابي ودموعي!

بين مخطوطات الوالد طيب الله ثراه وجدت كلمة كتبها في أحدى المباراة الخطابية بين مدارس محافظة كربلاء –عام 1966- بعنوان (مُدَرِستي وكتابي ودموعي). كتبها أستجابة لطلب مديرة أعدادية البنات حينها. وقد وجدت ضرورة نشرها الآن، بعد أن لاحظت التردي والتدهور في مستويات الطلبة وربما في مستويات الأساتذة من كلا الجنسين، وحتى في طبيعة العلاقة بين الطالب وأستاذه، بسبب الظروف الصعبة التي عاشها وطننا من حروب حمقاء لم نجن منها سوى الدمار والخراب في البنى التحتية وحتى خراب العقول ودمار نفسيات الناس بسبب المآسي التي تركتها هذه الحروب العبثية الغير مسؤولة. أضافة الى الحصار الأقتصادي كعقاب لنظام دكتاتوري مستهتر بمصالح الشعب والوطن. وقد جاء هذا الحصار ليزيد الطين بلة. وأصبح حصاراً على هذا الشعب الصبور المكافح لاحصاراً لنظام دكتاتوري متسلط على رقاب الشعب.
ومن جديد دفع الشعب ضريبة أضافية زادت من تخلفه عن ركب الشعوب وأعادت شعبنا الى الخلف قرون من التخلف. ثم جاءت أمريكا بعنجهيتها المشبعة بروح الكاوبوي في معالجة المشاكل، وفضلت شن الحرب لأسقاط نظام صدام وتخلت عن كل الحلول العقلانية لتغيير النظام. وللأسف وجدت أمريكا تشجيعاً من بعض القوى السياسية المعارضة لتنفيذ مخططها في أسقاط النظام، دون أن تعرف –هذه المعارضة- تفاصيل المخطط الأمريكي في تأسيس (النظام الديمقراطي البديل). وقد حذرت قوى ذات تأريخ نضالي عريق في الحركة الوطنية وذات تجربة غنية من مساوئ هذا المخطط، كما عارضناه نحن المغتربون في بلدان الأغتراب وتظاهرنا ضد هذا المخطط رافعين شعار (لا للدكتاتورية لا للحرب) وقد سخر البعض من ضعيفي النظر وعديمي الثقة بقدرات الشعوب وبأمكانياتها، وأستسهلوا أسقاط النظام عن طريق الحرب وبأيدي الغير. وقد تناسوا، بسبب الغشاوة على أعينهم وجهلهم وأطماعهم لتذوق الكعكة، أن أسقاط النظام بحرب جديدة سيضاعف المآسي ويخلق مشاكل جديدة وأعباء لاتطاق وليس من السهولة معالجتها. والآن شعبنا يحصد هذه النتائج بسبب غرور وجهل وطمع ونفاذ صبر بعض القيادات السياسية و الطارئين على المعارضة حينها وهم ينهلون من بركات المخابرات الأمريكية رواتباً ومعونات شهرية وسنوية.
من المشاكل التي ورثها شعبنا بسبب الحماقات والأخطاء التي ذكرتها، من حروب عبثية، وحصار أقتصادي، وحرب لأسقاط النظام الصدامي ومارافقه من تدمير للبنى التحتية ولمؤسسات الدولة، ورث شعبنا مؤسسات تربوية متهرئة ومتخلفة. المدارس مدمرة، الكهرباء لايفي بالحاجة الضرورية، الماء الصحي غير متوفر في معظم المدارس، التلفونات غير متوفرة، الكتب ومناهجها تتغير حسب تغير وأمزجة القيادات ولا تتوفر في الوقت المناسب، الأساتذة يحتارون في أيجاد المكان المناسب لطبع أسئلتهم. ألأشاعات بسرق الأسئلة الوزارية وتوزيع الأجابات على أنصار الأحزاب المتنفذة، تحطم معنويات الطلبة وتسيئ لسمعة التعليم عربياً وعالمياً. كل هذه المشاكل أضافة للمشاكل الأجتماعية والأقتصادية التي تؤثر على الجميع سلبياً وتترك آثارها الجانبية من كآبة وأمراض نفسية وضغوط تدمر أعصاب الطالب والمدرس والأهل على السواء وتؤثر سلبياً على قدرات الطالب الأستيعابية وقدرات المدرس التدريسية.
ولا ننسى كثرة العطل بالمناسبات والشعائر الدينية والتي تؤثر تأثيراً كبيراً على قدرة الأستاذ الجدي في أنجاز برنامجه الدراسي فكيف لبعض الأساتذة ممن عاشوا النظام الصدامي وقد شجعهم على الرشى وجباية المال من طلبتهم بدون رحمة، وزرع في نفوسهم الروح الطفيلية وخيانة الضمير.
وفي ظل هذه الأوضاع السيئة والتي يدفع ضريبتها الطالب والأستاذ وعوائلهما، برزت على الساحة التربوية مشاكل جدية يجب التوقف عندها لمعالجتها معالجة تربوية يتصدى لها أناس عرفوا بالنزاهة والخبرة التربوية وعلماء أجتماع ونفسانيين!.
لقد وجدت في كلمة الوالد هذه التي كتبها قبل أكثر من نصف قرن ضرورة لأعادة نشرها علّ يستفاد منها الأستاذ والطالب والمسؤولين عن التربية. مع العلم أنه خص وخاطب فيها المُدَرِسة والطالبة ولكني ارى انهى تخص الجميع ذكوراً وأناثاً وهي تحكي معاناة الطالب في وقت لم تكن فيه مشكلة بالكتب واللوازم والمدارس ومستلزماتها ولا بالكهرباء والماء والأمن والطائفية وووو…. الخ. أنها نصيحة مربي شهدت له الساحة التربوية والوطنية بالمواقف النزيهة والشجاعة، وبسبب تلك المواقف عانى من الحيف وسوء المعاملة وتعرض للفصل والتعذيب والسجون، ولكن كلماته ونصائحه ستبقى خالدة تضيئ الدرب للأجيال القادمة!
أهدي هذه المقدمة المتواضعة لروح والدي الذي فارق الحياة وهو في حسرة لحرمانه وحرماني من أن أكون بجانبه لعقود أو في لحظة وفاته ومواراته الثرى وفاتحته، هكذا شاء الفاشيون!؟

محمد علي الشبيبي
السويد/العباسية الشرقية 2008-10-29



المربي الوطني الراحل علي الشيخ محمد الشبيبي

مُـدَّرِسَتي وكتابي ودموعي(1)
مدرساتي الكريمات

اُحييكن. وأدعو لكن بالخير والرفاه والموفقية.
لست أدري وأنا أقف أمامكن، لأتحدث قليلاً، حديث الشجيرة لغارسها، والزهرة لمتعهدها. لست أدري أأفي الحديث حقه، أم يقصر البيان؟
أيجري حديثي على مسامعكن مجرى النهير العذب في الساقية؟ أم يتعثر فيتعكر؟
مستمعاتي الكريمات.
جعلت عنوان كلمتي (مُدرستي، وكتابي، ودموعي) وربما تساءلتن عن ثالثة الأثافي، في كلمتي. فتقلن: وما شأن الدموع في الموضوع؟
سوف لن أبدأ الحديث عن هذا، فقد جعلته آخره. وأن كنت أعتقد أن الحديث عن الدموع محبب وشيق، وليس بغريب على الأسماع.
واذا بدأت الحديث عن أول كلمة مقدسة عندي (مُدَرستي) فأنا لا أعني مدرسةً بعينها. فكل مدرسة تضمها جدران المدرسة، عندي لها نفس الحق، وعليّ لها واجب الأحترام. أنه أحترام الطالبة لمُدَرستها، وحب البنت لأمها. بعيدةً عن كل نوع آخر من الحب؟!
المُدَرِسَةُ أم، بل هي أحنى من الأم، لأن الأم كثيراً ماتتغلب عندها عاطفة الأمومة على واجب التربية. الذي يعتمد على العلم والعقل، وأصول التربية. ويستلزم في بعض الأحيان القسوة والأرغام؟
بالأمس كنتن طالبات. وأعتقد أن حلاوة ذكرى التلمذة ماتزال تتردد لديكن في نكاتٍ وطُرَف، وشوق في لذة. وحين تعرض عثرة طالبة، أو متاعب ومشاكل في صفوف الدراسة، وتكدس مواد العلوم، أنها ولا شك تعيد أيضاً لكن ذكريات أيام التلمذة.
ولذا ليس من المستغرب أبداً أن ترين نماذج شتى من النفسيات. بعضها يزخر بالعقد، وبعضها منبسط يزهو كالرياض، أو وجوهاً بعضها مقطب كالليل البهيم، وبعضها كنور القمر البهي. وآذان تتلقف ماتسمع، وتعي ماتتلقى، فيشيع في نفس المُدَرسةِ البهجة والسرور، والتفاؤل بجنىً طيب وثمر يانع.
والبيت؟ آهٍ من البيت العراقي! أنه مايزال ينوء تحت عبئ التقاليد عن أجدادنا وجداتنا، رغم تدخل العلم الحديث، والتربية الحديثة.
أن التقاليد الأجتماعية لايقوى على الوقوف أمامها العلم الحديث ولا التربية الحديثة أنها حتى الآن أقوى منه، وأشد صرامة، بحيث يندحر أمامها كل ماتعلمنا من قواعد لتنظيم الحياة، وكل مافهمناه من حق للفرد في الحرية والأستقلال، ولصالح المجتمع والأنسانية.
والمرأة؟ مُدَرسةً كانت أو طالبة، يضاف الى عبئ واجبها المدرسي والتعليمي واجب البيت وخدمته: فويل المتزوجة من حماتها أذا كانت تساكنها، وويل الطالبة من أمها!
وأذا ماتزاحم عبئ البيت على المُدَرسة أو الطالبة مع ماتتطلبه المَدْرسةُ من تحضير وتهيؤ، وضغط على الأعصاب، وسبب لها توتراً واضطراباً. عند هذا ويل الطالبة من المُدَرسةِ، وويل المدرسة من الطالبة، وقد وقفت كشبح خال من الحياة، ساكن لا عن أدب وأحترام. أو ثائرة بدافع الأستهتار!
نظراتها تعبر، أنها تطالب المُدَرِسة كأم روحية، وطبيبة نفسانية. لتبحث عن العلة بتتبع الأسباب، وتلمس لها الدواء، تسكبه بلسماً في القلب المكلوم، والنفس المتألمة.
أما أذا لم تعالج إلا بالتنكيل، والأزمة النفسية إلا بما يزيدها تعقداً، فعند ذاك نقول للفلاح في أرضه: أنك أكثر حكمة وأوسع صبراً، في مداراة النبتة وتعهدها، في حين لاتملك غير تجربة ورثتها عن أبيك وأسلافك.
مُدَّرساتي الفاضلات، ومربياتي الكريمات. ما أجلكن وأعظمكن، وأنتن تنهضن بمسؤولية هي أعظم من كل مسؤولية. أنها مسؤولية خلق مجتمع أفضل، بتكوين الأم الفضلى؟!
جهادكن هو الجهاد الحق، وميدانكن هو ليس الكتاب ومادة الدرس. أنما هو مجتمعنا الذي يعج بالمتناقضات، وتتصارع فيه مختلف الأتجاهات، فالتقاليد القديمة التي ماتزال مهيمنة مسيطرة. والتي تزدري بالمرأة ومقامها. والتربية الحديثة التي نقرؤها بين دفات الكتب، ونسمعها –فقط- نصائح في الأقوال والخطب!
وبين تيار المدنية الذي لفنا ببهرجته وزخارفه، فأعشى أبصارنا، وخلب ألبابنا، ذلك لأنه سبق الينا قبل العلم والعمل، وقبل أن يؤتى الزرع اُكله، حبا سليماً من الآفات والجراثيم؟ ومن قبل أن نتهيأ له روحاً وعقلاً ويداً عاملة، وأقتصاداً منظماً.
غداً أذا أنهينا دراستنا، وأنخرطنا في سلك الخدمة الأجتماعية، معلمات، أو مدرسات، محاميات أو طبيبات، أو مهندسات، فلن ننسى أبداً أبتسامة عذبة لقيناها منكن، ساعة هفوة، وتلقينا عنها نصيحة غالية. بصوت ينم عن حنو وأشفاق، تخرج عن قلب كريم، الى عقل بسيط، ورأس صغير.
فالأستقامة في أقوالكن وأعمالكن. تكون لمستقبل حياتنا مثلاً ونبراساً نستضيئ به في طريق الحياة الجديدة، وقدوة حسنة نتحلى بها.
ولكنا كما نقتدي بالطيبات، تنطبع فينا أيضاً أضدادها، فلن ننسى أيضاً عبوساً في وجوه بعض، وأبتسامات توجه لأخريات، وأقبالاً على بعض وأعراضاً عن اُخريات، أهتماماً بهذه، وأهمالاً لتلك، وكلنا نبات يجب أن يسقى من ماء واحد!!
وحديث الكتاب ياسيداتي المدرسات، حديث ذو شجون! هذا الذي كان يقال عنه (وخير جليس في الزمان كتاب) نراه نحن الطالبات، جليس محنةٍ، وقرين أذىً، فاذا دفعناه بعد معاناة له في الليل، نعلل النفس، أن اُمنا الرؤوم –المُدَرسة- ستذلل لنا صعابه، وتوطد لنا أكنافه، وتوضح غوامضه، وتعيد لنا الثقة به وتحببه، فلا نعود نكرهه ونمقته. واشهد الله ورسوله: أننا مع كتبنا هذه لفي محنةٍ ما بعدها محنة.
ولعل حيرتكن بها تشبه نوعاما حيرتنا. فنحن في محنة قاسية من كثرة الدروس، والمواد، بين العربية وقواعدها، ووجوه معاني كلماتها وأوجه أعرابها، وعذاب (أي) وتلونها، و (حتى) وأطوارها. تلك التي قال عنها أحد النحاة: أموت وفي نفسي شيئ من حتى! ولو كان رحمه الله في أيامنا هذه لمات جزعاً في ريعان شبابه بين (س) و(ص) الجبر والمثلثات ومعادلات (جا) و(جتا) وبين مطالعة الكتاب وحل التمارين. ومختلف العلوم والفعاليات.
سمعت حكاية من أخي: أن تلميذاً ترك المدرسة الى الأبد بعد أن أنشد ذات يوم أمام مدرس –الجبر- هذا البيت وهو من نظمه وتلحينه:
بربك ياكتاب الجبر قل لي الا تستطيع سكني في القبور؟!
والشكوى لم تكن في الحقيقة من علم الجبر، أنما هي من الكتاب. فمتى يتمكن المختصون والمتمكنون من التأليف بتبسيط المادة وجعلها سهلة ميسرة. ومتى تشفع بعض الدروس العلمية بالمختبرات. فلا خير في علم تُحشى به الأدمغة نظريات جافة، تتبخر باسرع وقت، فلايربح منها الطالب سوى الضنا والمتاعب.

سيداتي المدرسات، مستمعاتي الكريمات.
لقد أطلت عليكن، وهنا بعد أن أنهيت الحديث عن أثنين-المُدَّرِسة والكتاب- أبدأ الحديث عن الدموع! متى تكون الدموع مؤثرة ونافعة. ومن أية عين ياتُرى؟ العيون الزرق؟ هذه تهجوها أحدى مطربات الأذاعة: “ياناس عيون الزرك عيون حساد!”. أم الخضر التي قال عنها نزار القباني:
لاتؤمن الأعين ان سالمت صحو العيون الخضر أمطارُ
وأبو الطيب المتنبي يقول:
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكنّ من يبصر عيونك يعشق!
ما أردت التحدث عن العيون، إلا أن العلاقة بينها وبين الدموع أساسية. فالشعراء الذين وصفوا الدموع وأنخذلوا أمام قطراتها، ماكان أنخذالهم إلا من العيون التي جردت هذا السلاح الذي يجمع بين قوة الفتك، ومنتهى الرقة.
نزار قباني يقول:
أني عبد عينيك فلا تنبئي الليل بهذا الخبر!
أما الشاعر إليا أبو ماضي. فأنه يرى: أن للدموع لغتها الخاصة وتأثيرها المستقل من أية عين كانت. فيقول:
اَدموعي خل ودمعك شهد وبكائي ذل ونوحك سؤدد؟!
مهما يكن من أمر، فان الدموع عند الناس والشعراء أجمعين لغة الشعور الطاغي سواءً في الفرح أو الأحزان، في حالي الضعف أو القوة.
دخـل السرور عليّ حتى أنه من عظم ماقد سرني أبكاني
ياعين قد صار البكا لك عادة تبكين في فرح وفي أحزان
أو تعبير عن الندم وطلب الغفران. أحدهم يقول:
أتتني تـؤنبني بالبـكاء فأهلاً بها وبتأنيبها
تقول: وفي قولها حشمة أتبكي بعين تراني بها؟!
فقلت: اذا استعذبت غيركم أمرت الدموع بتأنيبها
أو سلاحاً ترد به العوادي، كما تقول زينب الشاعرة الأندلسية قديما:
ولما أبى الواشون إلا فراقنا وليس لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على أسماعنا كل غارة وقلّتْ حُماتي عند ذاك وأنصاري
رميتهموا من مقلتيك وأدمعي ومن نَفَسي بالماء والسيف والنار
الدمع عنوان الرقة، هو الشعور يسيل قطراتٍ دريةً ساخنةً، تدك فضاضة المسبب، فتحيل صلابته الى هباء، وجبروته أنهيار.
لم يجد أحد الشعراء تشبيها لرقة حبيبته غير قوله:
اَرقَّ من دمعة شيعيةٍ تبكي علي بن أبي طالب
أما الشاعر –بدوي الجبل- فيقول:
أنا لم أدري قيمة الـــدمع حتى فقدته
هو كنز عرفت ما فيه لما أضعته
والِه من بعد كفـــــري به قد عبدته
وأدمعي أنا، أنا التلميذة! من أي من تلك ياترى؟
أني أقضي النهار في حركة دائبة. كل ساعة أمام مدرِسةٍ. وعند درس أسمع وأرى. فأذا أنتهى وقت الدرس، وعدت الى البيت، طالبتني أمي بمساعدتها ومعاونتها، غسل الثياب أو الأواني، أو أعداد غرفة الأستقبال، أو كي الملابس، أو أشياء من هذا القبيل! وأذا مارفضت وأعتذرت، هاجمت، تربية المدارس، وترفع البنات على بيوتهن وأهليهن.
وأروح أعتذر، بعشرين صفحة من التأريخ والجغرافية تطلبها الست (….) وعشر تمارين من موضوع في كتاب النحو حسب أمر مدرسة العربي (….) مع أستظهار أبيات من النصوص، وموضوعاً مطولاً من النقد. وأنتظاراً لصداع عنيف بسبب –الأقتصاد السياسي-، وزوغان العيون بين أرقام الرياضيات، وصفحات درس العلوم والأحياء. ولكن كل هذه الأعذار لم تجدني نفعاً!!
عند هذا ألجأ الى دموعي، لأصد أمي عن تحاملها وأوقفها عند حد (والأمهات قلوبهن رقيقة)
وأذا سجى الليل، وبعد تناول العشاء. أقبلت على كتبي. اكد عيني في هذا –قراءة صامتة- وفي آخر بصوت عالٍ. أعالج هذا (درخاً) وآخر أستيعاباً.
وربما وجدت نفسي عند الصباح، بعد كل تلك الجهود التي بذلتها في الليل، قد فشلت، فأتعرض لتوبيخ مُدَرِستي وتأنيبها ولومها.
وربما تلقيت في الأمتحان درجة قريبة من النجاح، فهنا أسكب الدموع غزارا، وأرسلها مدرارا. وأذا كانت دموعي قد ردت أمي عن تأنيبها، فأنها لم تجدني نفعاً أمام مُدَرِستي. ولا أرى غير صمت مطبق من زميلاتي، أنه التعبير الحزين عن عواطفهن.
لو ترجمت دموعي التي أغرقت أجفاني، لكانت: مُدرِستي العزيزة، ثلاث درجات أو ست تضاف الى ما أستحق ترفعني الى النجاح، وتوفر عليّ وعلى أسرتي عاماً يقتضي خسارة جديدة في الملابس واللوازم المدرسية، والمتطلبات الأخرى.
وأقسم لو أن دموعي تلك أسكبها أمام أستاذ جامعي(2)؟! أذن لأرتفعت درجتي من الأربعين الى السبعين! أما مُدَرِستي فلم تجد دموعي الى عواطفها سبيلا. وأنا واثقة أنها تحمل بين حنايا ضلوعها قلب الأم الرؤوم، وعاطفة الأنثى الحساسة.
الحق أن الأمر كما قيل –القطبان المتشابهان يتنافران- وما دامت دموعي لم تُجدِ شيئا فلاُوَلِّ وجهي نحو كتابي وطاعة مُدَرِستي، واسلم عليكم.

من كتابات المربي الراحل
علي الشيخ محمد الشبيبي
كربلاء/ 19-03-1966


– تقيم مدارس المحافظة أيام الربيع مباراة في الخطابة ونشاطات أخر. وقد كلفت مدير أعدادية البنات من أبنتي –نوال- أن أكتب كلمة تلقى في المدرسة –مباراة بين الطالبات- فكتبت هذه الكلمة في 19/3/1966 وفي مدرستي أنا كتبت مايشبه هذا بعنوان (بيتنا والشارع والمدرسة) القاه أحد تلامذتي في السادس –العام الدراسي 57/58- هو اليوم المهندس غني كاظم الطيار. فنالت مدرستي الجائزة الأولى.
2- قصّ علي صديقي الأستاذ –عبد الكريم الأمين- قال: طلبت أحدى زميلاتي في الكلية أن أسعفها بالأجابة عن بعض الأسئلة، وأوضحت لي ما أستعصى عليها أستيعابه. وقدمت بما أرتجت. وحين وزع علينا الأستاذ نتائج الأمتحان: كانت درجتها أعلى من درجتي، مما أضطرني أن أصارح الأستاذ عن ذلك بشكل نكتة!