الرئيسية » مقالات » تيسير خالد: الأوضاع الفلسطينية تمر في سلسلة من الأزمات يصعب تجاوزها والسيطرة على تناقضاتها..

تيسير خالد: الأوضاع الفلسطينية تمر في سلسلة من الأزمات يصعب تجاوزها والسيطرة على تناقضاتها..

قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، تيسير خالد، إن الأوضاع الفلسطينية تمر في سلسلة من الأزمات يصعب تجاوزها والسيطرة عليها وعلى تناقضاتها، والعمل على إيجاد حلول لها في غياب الإرادة السياسية التي تضع المصالح الوطنية الفلسطينية العليا فوق المصالح الفئوية الضيقة.
جاء ذلك خلال لقاء خاص أجراه معه موقع عــ48ـرب هذا نصه:-

كيف ترون الأوضاع الفلسطينية الآن؟
خالد: الأوضاع الفلسطينية تمر في سلسلة من الأزمات يصعب تجاوزها والسيطرة على تناقضاتها والعمل على إيجاد حلول لها، في غياب الإرادة السياسية التي تضع المصالح الوطنية الفلسطينية العليا فوق المصالح الفئوية الضيقة و فوق أية اعتبارات أخرى، وفي غياب التمسك بقوة وحزم بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل والدفاع عنه بعيداً عن الدخول في حسابات التجاذبات السياسية الإقليمية والدولية، التي تجد في الأوضاع الفلسطينية ورقة يمكن توظيفها في خدمة مصالحها هي بالدرجة الرئيسية.
فسلسلة الأزمات هذه التي نمر بها لا يمكن اختصارها ببعد واحد، بالبعد السياسي مثلاً، رغم أهميته، بل هي أشمل من ذلك وأوسع. نحن نقف أمام أزمة الانقسام السياسي، الذي ترتب على ما وقع في قطاع غزه في حزيران/ يونيو 2007، وأزمة المسار التفاوضي، حيث اعتقد البعض أن مؤتمر انابوليس قد جاء ليطلق عملية سياسية تفضي إلى تسوية ليكتشف بأنه أطلق عملية استيطان غير مسبوقة تسعى لرسم صورة التسوية السياسية وفق أجندة إسرائيلية باتت واضحة تتواطأ الإدارة الإسرائيلية بشأنها مع الإدارة الأمريكية.
كما نقف أمام أزمة انسداد آفاق التنمية الاجتماعية – الاقتصادية، فاقتصادنا الوطني يعيش في خيمة إنعاش ولا نجد والحالة هذه حلولاً مناسبة لمشكلات الفقر والبطالة وتدهور مستويات المعيشة، مثلما نقف أمام أزمة في اختيار النظام السياسي، الذي نسعى لبنائه، هل هو نظام سياسي ديمقراطي تعددي إطاره العام علماني مدني، أم نظام سياسي يتجه نحو العسكرة وحشر الدين في السياسة، واللجوء إلى أدوات قياس للتطورات تدور في إطار الحلال والحرام، فيجري زج الإيمان والحالة هذه في سوق سوداء في الممارسة السياسية والعمل السياسي.

طبعاً أنا لا أضع كل هذه الأزمات، التي تعيشها الأوضاع الفلسطينية على نفس مستوى الاستعجال في البحث عن الحلول، فهنالك أولويات بدون شك وفي المقدمة منها معالجة حالة الانقسام باتجاه استعادة الوحدة الوطنية ووحدة النظام الفلسطيني، وفي سياق هذه المعالجة يجب أن نتفق على المتطلبات الوطنية في الحد الأدنى لمعالجة ما نواجهه من أزمات، وذلك من أجل الوصول إلى بناء وطني سليم، يمكننا من الصمود في وجه عدو يتربص بنا ويراهن على تعميق ما تعانيه أوضاعنا من أزمات.
إلى أين وصلت الأمور اليوم في حوار القاهرة، وكيف تنظرون إلى الورقة المصرية المطروحة وما موقفكم منها ؟
خالد: مصر تبذل جهداً يهدف إلى التغلب على حالة الانقسام، التي ترتبت على أحداث غزه في حزيران 2007، أو على الانقلاب والحسم العسكري الذي قادته حركة حماس في القطاع وتداعياته. ولمصر الحق في أن تنظر بخطورة بالغة إلى هذا الانقسام وتداعياته، انطلاقاً من شعورها بالخطر ومن مسؤولياتها القومية ولأن ما يجري يؤثر بشكل مباشر في أمنها القومي. هذا أمر نفهمه ونتفهمه جيداً، بل ونجد فيه مساحة واسعة من تقاطع المصالح مع الأشقاء في مصر.
الحوارات، التي قامت بها مصر مع جميع القوى السياسية الفلسطينية، الوطنية والديمقراطية والإسلامية، أنتجت ورقة تعرضها مصر على حوار وطني شامل تشارك فيه جميع هذه القوى. نقطة قوة هذه الورقة أنها استثنت الحوار الثنائي بين حركتي فتح وحماس، وأخذت بصيغة الحوار اللبناني في الدوحة، حيث شارك في الحوار، الذي أنتج اتفاقاً، جميع ألوان الطيف السياسي اللبناني.الورقة المصرية لم تقدم حلولاً، هذا واضح من بنودها، بل قدمت إطاراً مناسباً يراعي مواقف القوى، التي أجرت معها الحوارات في الأسابيع القليلة الماضية، وحددت بعد التأكيد على حرمة الدم الفلسطيني أن الديمقراطية هي الخيار الوحيد لمبدأ تداول السلطة وان المشاركة السياسية بعيدا عن سياسة المحاصصة هي الأساس في إدارة الشأن الوطني الفلسطيني، ودعت إلى تشكيل حكومة توافق وطني تنحصر مهماتها في رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، أي حكومة لا تعيد فرض هذا الحصار، وفي تسيير الحياة اليومية للشعب الفلسطيني وتعد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، مثلما تضع على جدول الأعمال إعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية ووطنية بعيدا عن الفصائلية مستفيدة من المساعدات العربية الانجاز ذلك.
أدرك أن المواقف تتباين والاجتهادات تتنوع في تفسير ما ورد في الورقة المصرية، حول هذه وغيرها من المواضع المطروحة على جدول أعمال الحوار الوطني في القاهرة، مثلما تتباين هذه المواقف والاجتهادات بشأن المرجعيات، التي حددتها الورقة للحوار، وهي مرجعيات لا ينسجم بعضها مع رفض سياسة المحاصصة، كما عكست نفسها في اتفاق مكه في شباط 2007، والذي تجمع أوساط وقوى فلسطينية واسعة على استبعاده من مرجعيات الحوار باعتباره الأكثر تعبيرا عن سياسة المحاصصة، التي تدعو الورقة المصرية إلى استبعادها ونبذها كذلك.
في الإطار العام تصلح الورقة المصرية إطاراً للحوار وأساساً نبني عليه التهدئة في الحد الادنى، والتي نحن بأمس الحاجة لها على الجبهة الداخلية الفلسطينية، وكذلك للتغلب على استعصاءات سياسية سوف نكون في مواجهتها في المستقبل القريب، مثل الاستحقاقات الديمقراطية كالانتخابات الرئاسية والتشريعية، غير أنها في مجملها وبسبب تباين المواقف والاجتهادات وربما الرهانات على تطورات إقليمية ودولية قد لا تحقق الاختراق السريع، الذي يطمح إليه الأشقاء في مصر. فالاختراق، الذي ينتظره الرأي العام الفلسطيني، وتحديداً باتجاه إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية ووحدة النظام السياسي الفلسطيني، يحتاج إلى مواقف تعكس إرادة وطنية صادقة وقرارا وطنيا مستقلاً قولاً وعملاً، لا يضع الحوار في سياق رهانات على تطورات إقليمية ودولية، يعتقد البعض أنها يمكن ان تشكل خشبة خلاص لسياسته.
موقف قوى اليسار مما يحدث الآن وإمكانية أخذها لدور في هذا الوضع الراهن؟
خالد: قوى اليسار موحده بالتأكيد في الموقف السياسي المبدئي العام،الذي يدعو إلى إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية ووحدة النظام السياسي الفلسطيني، مثلما هي موحده في الموقف من طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، الذي نسعى إلى بنائه على أسس علمانيه مدنية بفصل واضح بين الدين والدولة.
تنطلق قوى اليسار في هذا الموقف من إيمانها العميق بأن الوطن للجميع، ومن رؤيتها وموقفها من العملية الديمقراطية، وبأن صندوق الاقتراع لا ينتج أوضاعاً جامدة لا تقبل التغيير، يجري البناء عليها في فرض القيود على حركة تطور ليس من ألحكمه في شيء أن يسعى البعض لمحاصرتها بالضد من منطق حركتها.
وفي موقفها من الورقة المصرية، فقد رحبت بها وسجلت تحفظات على عدد من عناوينها وبنودها، وحددت موقفها الأساس برفض واضح للحوار الثنائي، بين حركتي فتح وحماس، والذي يعيد إنتاج تجربة جرى اختبارها وعادت بأفدح الأضرار على الأوضاع الفلسطينية وكادت تهمش التعددية السياسية والحزبية التي أنتجتها التجربة الكفاحية الغنية للشعب الفلسطيني.
قوى اليسار الفلسطيني تلتقي على مساحة واسعة من القواسم السياسية المشتركة، في الموقف من ضرورة توفير متطلبات نجاح الحوار الوطني الشامل، بدءا بالتوافق على حكومة انتقالية تتشكل من عدد من الشخصيات الوطنية الملتزمة، ألمعروفه بالنزاهة والكفاءة والمهنية، تسعى لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وتعمل على تسيير شؤون حياة المواطنين، وتحضر لانتخابات رئاسية وتشريعية على أساس قانون انتخابات عصري وديمقراطي يقوم على نظام التمثيل النسبي الكامل، وتضع في الوقت نفسه مهمة إعادة بناء وتأهيل الأجهزة الأمنية والعسكرية على أسس وطنية ومهنية، بمساعدة من الأشقاء العرب، لتكون هذه الأجهزة أداه بيد القيادة السياسية عندما تدعوها للدفاع عن الوطن والمواطن، وأداه بيد السلطة القضائية لحفظ النظام العام وفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء ودون تحيز أو محاباة.
على هذا تلتقي قوى اليسار. قد تتباين مواقفها في مقاربات تفصيلية وردت في الورقة المصرية، أو في مقاربات على صله بآليات إدارة الحوار الوطني كما ورد في الورقة المصرية، غير أن ذلك ليس هو الأساس.
طبعا هنالك فرص ثمينة أن يستعيد اليسار دوره، فليس لقوى اليسار أية مصلحه في استمرار حالة الانقسام، وهي لا تدافع في سعيها لاستعادة الوحدة الوطنية ووحدة النظام السياسي الفلسطيني عن أية مصالح فئوية ضيقة، فما يحكم موقفها وسلوكها هو تغليب المصالح الوطنية العليا للشعب على جميع المصالح الفئوية ألضيقه والتمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل والدفاع عنه، وعدم السماح بإساءة استخدام هذه المصالح وهذا القرار في حساب التجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية، التي يجب أن تبقى قضيتنا الوطنية العادلة ويبقى كفاحنا الوطني العادل بمنأى عنها. ويستطيع اليسار الفلسطيني كذلك استعادة دوره بالتقدم إلى الأمام بشكل موحد ومنظم في تقديم الحلول الواقعية للأزمات والتحديات، وبشكل خاص أزمة انسداد آفاق التنمية الاجتماعية – الاقتصادية، ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة وتدهور مستويات المعيشة وتوزيع أعباء مواجهة الاحتلال وسياساته بشكل منصف على جميع طبقات الشعب وفئاته الاجتماعية الوطنية، لتمكينه من الصمود في مواجهة سياسة إسرائيل وأطماعها العدوانية التوسعية.