الرئيسية » مقالات » مراهقة برلمانية محترفة أسامة النجيفي نموذجاً

مراهقة برلمانية محترفة أسامة النجيفي نموذجاً

لاتقولوا لي _ بادئ ذي بدأ_ كيف تجمعت المراهقة مع الاحتراف في عنوان المقال اعلاه والمتعلق بتصريحات النائب اسامه النجيفي حول اتهامه الاكراد باستهداف المسيحيين اولاً وتأكيده أن رأيه قد وافقه عليه رئيس الوزراء ثانياً؟ فالمراهقة في تصريح النجيفي- أن صح التعبير- تصل إلى مرحلة عُليا وصفتها بالاحتراف! واسمحوا لي أن ابرر ذلك بتفصيل ما حصل قبل ان تحكموا ربما عليّ بالمراهقة الفكرية أيضاً مادمنا لكل أسف نعيش في زمن التناقضات والمراهقات السياسية والسذاجات المضحكة والمزايدات الرخيصة. فالنائب أسامة النجيفي، الذي يعتبر احد قيادي القائمة العراقية، عقد مؤتمراً صحفياً بقصر المؤتمرات في بغداد في الثالث عشر من الشهر الجاري، اتهم فيه ” الميليشيات الكردية والأسايش بعمليات قتل وتهجير أعداد كبيرة من القوميات والأديان الأخرى”، مطالبا الحكومة بـ”التدخل وفرض القانون وإخراج الميليشيات من الموصل “.

هذا التصريح أثار حفيظة الأكراد وأعتبروه باطل وعاري عن الصحة ولا يخلو من الكذب والافتراء، فردوا عليه بشدة . وقال النائب عن التحالف الكردستاني عبد الباري زيباري إن “ما أشيع عن تورط قوات البيشمركة الكردية في تهجير المسيحيين “أمر مخز ومعيب بحق الشعب العراقي”، بل أن بعض الكرد أوضحوا أن هذا الاتهام سوف لن يمر مرور الكرام، وطالب بعض نواب التحالف الكردستاني برفع الحصانة عن النجيفي بعد التصريح المثير للجدل الذي دفع رئيس قائمته في البرلمان الدكتور اياد علاوي النأي بنفسه عنه والقول بان هذا التصريح يمثل وجهة نظر شخصية بحته للنجيفي!! ونحن لا نعرف وليتنا نعرف ماهو الأساس الذي أستند له السيد النجيفي في اتهامه ؟

وبعد عدة ايام _ وعلى وجه الدقة 12 يوما _ من تصريح النجيفي بشأن الأكراد، وبعد أن هدأت قليلاً عاصفة النقد البرلماني الكردي تجاهه _ واقول هدأت ولم تختفي _ بعد ذلك فجر النجيفي مفاجأة لا أظنها سوف تمر عواقبها بسهولة حيث النجيفي إلى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قوله إن “الميليشيات الكردية متورطة في تهجير المسيحيين من الموصل”، ودعا إلى “إعلان نتائج التحقيقات بهذه القضية” ، وأضاف ” ان رئيس الوزراء نوري المالكي أراني ملفا أفاد أنه يثبت تورط الميليشيات الكردية في تهديد وتهجير المسيحيين من الموصل”.. بل ان النجيفي زعم بأن رئيس الوزراء قال له :لقد ثبتت صحة اتهاماتك السابقة للميليشيات الكردية بتهجير المسيحيين من الموصل”.

هذا التصريح _ في الواقع _ أخطر من الأول وابعد منه مدى واكثر أثراً، إذ أن الأول يعود له وهو يتحمل مسؤوليته وحده، أما أن يزعم النجيفي بان رئيس الوزراء يؤكد ما يقوله ويتفق معه فهذا أمر غريب وخطر لانه حينها سوف ينقل الصراع من معادلة الاكراد_ النجيفي الى معادلة الأكراد _ المالكي، وهو صراع ان أنطلقت شرارته فأنه سيُنذر بعواقب وخيمة ربما تمس العملية السياسية برمتها … لذلك رأينا أن الحكومة العراقية لم تتأخر في الرد على تصريح النجيفي وعلى مستويين:

الاول: بصورة رسمية

حيث أوضح الدكتور علي الدباغ الناطق الرسمي بإسم الحكومة العراقية وعبر صحيفة
الاتحاد _ وفي هذا رسالة ذات دلالة _ ان السيد النجيفي تحدث عن الأدلة والملفات في اتهامه للأكراد في حين ان رئيس الوزراء لم يطلعه على أي من الملفات المتعلقة بهذه المشكلة لأن الموضوع هو قيد التحقيق ولم ينته التحقيق بشأنه. لذلك فما تحدث به النجيفي تصرف فردي لا يشكل دليلا حكومياً وبالتالي تقع على عاتق النجيفي وليس على الحكومة، ولا يمكن أعتبارها سنداً حكومياً لإدانة أية جهة، بل أن الدباغ قد بيّن انه اتصل برئيس الوزراء حول ما ورد في تصريحات النجيفي وان السيد المالكي اكد له “أن هذا لم يتم ولم اتحدث مع النجيفي بهذا الأمر ابداً”.

الثاني : بصورة غير رسمية

وتم ذلك عبر نفي الخبر بصورة اخرى غير رسمية، حيث قال نائب برلماني من حزب الدعوة المقرب من رئيس الوزراء أنه أستفسر شخصياً من السيد نوري المالكي حول هذا الموضوع بعد ان طالب عدد من نواب كتلة التحالف الكوردستاني معرفة حقيقة مادار من حديث بين المالكي والنجيفي، وأكد هذا النائب “ان دولة رئيس الوزراء نفى نفياً قاطعاً ان يكون قد اطلع النجيفي على ملفات او دلائل تدين الأكراد في احداث الموصل او اعطى له معلومات بهذا الشأن لأن هذا الملف قيد التحقيق والمتابعة”.

الحقيقة ان هذه القضية قد اعادت الى ذهني وذهن الشارع العراقي قضية التصريحات السياسية التي يطلقها البعض من الساسة او من البرلمانيين ممن لا اساس لها من الصحة ولا تستند إلى الواقع بل تقوم على اساس اهواء شخصية وعداوات وخلافات وقضية النجيفي نموذج واضح على ما نتحدث عنه، ولو عوقب البعض ممن كان يقوم بهذه التصريحات في السابق لما تمادى الاخرون في الحاضر ويصل الامر بهم كالنجيفي الى الادعاء بكل صفاقة ان رئيس الوزراء يؤيد موقفه من هذه القضية كما حصل في تصريح النجيفي الاخير ..

ومن هنا أدعو التحالف الكردستاني والحكومة العراقية وهما الطرفان المرتبطان بالقضية الى اتخاذ موقف قانوني لا سياسي كرد فعل على هذه التصريحات التي أدلى بها النجيفي لا من اجل الانتقام بل من اجل ارسال رسائل للاخرين يكون مضمونها ألا يقول أي سياسي أو برلماني كلاماً مخالف للحقيقة ومحرض للعنف والارهاب في مرحلة نحتاج فيها الى الهدوء والتعقل والرزانة والحنكة السياسية لأن القضية ليست متعلقة بخلاف بين النجيفي والكرد، وهو خلاف واضح وليس جديد، بل تتعلق بفضاء عراقي نحتاج لترطيبه عموما كما انها متربطه خصوصاً بقضية ذات محورين:

يشير الأول إلى: عدم التصريح بأي خطاب مخالف للحقيقية والواقع ويمكن ان يساهم في بلبلة الاوضاع السياسية ويُشعل فتيل الازمة بين الفرقاء السياسيين.

أما الثاني فيؤكد على : الابتعاد عن حشر رئيس الوزراء في بعض القضايا التي تتفجر داخل اروقة البرلمان، فهذا يدل على وعي سياسي ناقص وعدم ادراك للفصل المفترض في النظام الديمقراطي بين السلطة البرلمانية التي يمثلها البرلمان والسلطة التنفيذية التي يمثلها رئيس الوزراء ومن الغريب ان بعض السياسيين والبرلمانيين في العراق لا يفقه ذلك، بل يُراهق سياسياً في قضايا هامة تتعلق ببلده مما جعلني لا اصدق القاعدة السايكولوجية التي تقول ان فترة المراهقة تستمر لسنتين او ثلاث لأن البعض من هؤلاء الكبار قد تستمر لديهم مدى الحياة لكل أسف!

مهند حبيب السماوي