الرئيسية » مقالات » هل من تكالب إيراني – سوري على العراق؟

هل من تكالب إيراني – سوري على العراق؟

قبل فترة وجيزة انتهى مؤتمر وزراء الداخلية العرب ودول الجوار الذي بحث في سبل دعم العراق ضد الإرهاب ومنع تسلل الإرهابيين والأسلحة عبر الحدود إلى داخل البلاد لممارسة القتل ضد الشعب والتدمير والتخريب ضد الاقتصاد الوطني وإشاعة الفوضى وإثارة النزاعات الدينية والطائفية وتكريس عدم الاستقرار وتنشيط الهجرة إلى خارج العراق. واتخذ هذا المؤتمر قراراً يلزم الجميع به بهذا الصدد وبشأن رفض أي تدخل بالشأن العراقي. وانفض المؤتمر على أمل تنفيذ الجميع لما اتفقوا عليه معاً. ولكن هل التزم الجمبع بهذا القرار حقاً ؟ نعم هناك من واصل الالتزام بهذا القرار الذي سبق وأن اتخذ في مؤتمرات مماثلة سابقة , كما أن هناك من أعلن التزامه به , ولكنه واصل ممارسة عكس ما اتفق عليه وعلى أوسع نطاق.
والتدخل في الشأن العراقي يتخذ صيغاَ كثيرة يبدأ بالإعلام المعادي والتصريحات الفظة التي تجسد أسوأ وأشد أشكال التدخل المباشر في القضايا التي تمس العراق ومستقبله وسيادته , ويمر بتوزيع الأموال على الأعوان والعملاء والمرتزقة بهدف شراء الذمم وخدمة السياسة الإيرانية في العراق والتصدي لأي قرار حكومي عراقي يحتمل صدوره ويتعارض مع السياسة والمواقف الإيرانية , أو بهدف التأثير المباشر وغير المباشر على النقاشات الجارية في دوائر الحكومة ومجلس النواب والأحزاب السياسية وفي الصحافة والإعلام العراقي , وينتهي بتسريب الأسلحة والعتاد والمتفجرات والانتحاريين والإرهابيين عبر الحدود إلى العراق.
ورغم أن إيران لها علاقات دبلوماسية وسفارة في العراق وقنصليات في مواقع أخرى , وأن بعض الدول , ومنها سوريا , بدأ بإقامة مثل هذه العلاقات الدبلوماسية مع العراق , فأن التدخل جار على قدم وساق ودون انقطاع منذ سقوط النظام البعثي حتى الآن من جانب هاتين الدولتين على نحو خاص بالشأن العراقي.
فدولة سورية البعثية والحليفة الوحيدة لإيران في المنطقة تمارس القبول بقرار مؤتمر وزراء الداخلية قولاً وإعلاماً , ولكنها تمارس في الوقت نفسه بالقرار الإيراني القاضي بتشديد الضغط على المؤسسات الحكومية وزيادة العمليات الإرهابية في العراق في آن واحد , لكي تخضع الحكومة العراقية لإرادة إيران وسياستها في المنطقة.
كل المؤشرات التي تحت تصرفنا تشير إلى أن إيران تتدخل بفظاظة فعلية في الشأن العراقي الداخلي ضاربة عرض الحائط كل القواعد البلوماسية التي تحكم العلاقات بين الدول , والتشويش على كل القضايا المطروحة على بساط البحث والنقاش بين العراقيين. فإيران تُسعَّر الموقف ضد العراق وتتدخل بشكل يومي عبر أربع قنوات أساسية فاعلة في المرحلة الراهنة:
1 . قيام الدولة الإيرانية رئيساً وحكومة ومرجعية دينية (السيد علي خامنئي) وأجهزة إعلامية بحملة سياسية وإعلامية ودبلوماسية مكثفة وواسعة جداً ومستمرة ضد العراق وضد جملة من السياسات الداخلية والخارجية بما فيها العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية , والموقف من مشروع الاتفاقية الأمريكية – العراقية المطروح للنقاش والمصادقة.
2 . توظيف وتنشيط كل القوى الشيعية المرتبطة بها والتابعة لها , سواء من هم في الحكومة , أم في المجلس النيابي , أم في الأحزاب الإسلامية السياسية , أم في ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني التابعة لها ولتلك الأحزاب , أم بعض القوى الدينية وشيوخ الدين المرتبطين بإيران مباشرة عبر قنوات كثيرة ممن يعيش في العراق أم في سوريا أم في لبنان ويمارس التدخل الفظ من هناك. وقد تمكنت إيران من تشكيل جوقة تشويش وتدخل كبيرة فاعلة ومؤثرة حتى على بعض القوى العلمانية والديمقراطية في العراق باتجاه منع العراق من اتخاذ مواقف وقرارات مستقلة وسليمة تمس حياة الشعب ومستقبله وبعيدة عن تأثير الدول الأخرى.
3 . توظيف سوريا والقوى القومية والبعثية على الصعيد العربي , رغم العلاقة غير الودية العامة بين القوى القومية والبعثية العربية وبين إيران , لتأييد إيران في سياساتها ومواقفها إزاء العراق , والتي تتجلى في عدد من المسائل الصارخة بما فيها إشاعة الفوضى وتنشيط الصراعات الدينية والطائفية والإثنية , بما فيها الموقف من مسيحيي العراق في الموصل , وقبل ذاك في البصرة وبغداد , لزيادة التوتر في البلاد , وتهريب الأسلحة والمتفجرات والانتحاريين والإرهابيين عبر حدود سوريا إلى العراق , إضافة إلى استخدام إيران لحدودها الطويلة مع العراق لهذا الغرض.
4. استخدام إيران بشكل واسع لمجموعتين من القوى السياسية الإسلامية المتطرفة هما حزب الله في لبنان وحماس في غزة من خلال خالد مشعل ومجموعته في سوريا لغرض إيصال الانتحاريين والأسلحة إلى العراق , وحسب اعترافه قبل فترة غير قصيرة في خطبة له في جامع الكويت في دمشق , وقد كتبت في حينها عن هذا الموضوع وأدنت الموقف الوقح له.
لا شك في أن إيران تنتظر أن تنتهي جهودها إلى ما يلي:
عدم توقيع الحكومة العراقية على مشروع الاتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية بما يؤدي إلى احتمال توقف الولايات المتحدة عن نشاطها الأمني والعسكري في العراق ونشوء فراغ سياسي وأمني وعسكري فعلي تعجز القوات العراقية عن إشغاله (كانت مشاهد الصديق الدكتور عبد الخالق حسين مرعبة وبعضها بعيد عن الواقع كما أرى). إلى ماذا يقود هذا الفراغ المحتمل في العراق وفق تصورات ورغبات ومخططات حكومة إيران ومن يساندها في العراق ؟ إنها تتوقع حصول ما يلي:
1 . أن تأخذ إيران على عاتقها ملء الفراغ العسكري والسياسي والأمني في العراق , تماماً كما صرح بذلك محمود أحمدي نجاد قبل ما يقرب من شهرين. وهناك من ينتظر ذلك في الطرف العراقي لتصفية حساباته مع الكثير من القوى في العراق , كما صفت حساباتها ولا تزال تصفي تلك الحسابات مع القوى السياسية المعارضة والمختلفة معها في إيران ذاتها. فالسجون مليئة بالإيرانيين وأعواد المشانق تختطف أرواح الناس والجلد في الشوارع وما إلى ذلك جار على قدم وساق في إيران المغتصبة من قبل قوى الإسلام السياسية الإيرانية المتطرفة.
2 . السعي لفرض احتلالها العسكري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني الفعلي عملياً على العراق. ورغم أن هذا الإجراء سيغيض الدول العربية عموماً , ولكن سوف يصعب عليها مواجهة الأمر الواقع , لأنها غير موحدة ومشتتة ومتصارعة في ما بينها.
3 . فرض النظام السياسي والديني والطائفي الإيراني الراهن على الدولة والمجتمع العراقي بالقوة وممارسة العنف ضد من يقف بوجه هذا التوجه وبالتعاون الوثيق مع تلك القوى المؤيدة لها والتي تعلن عن نفسها بصيغ وأشكال مختلفة يومياً في البلاد , وهي من المؤسف أن نقول كثيرة وتحتل مواقع مهمة في صفوف الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية حالياً.
4 . وعلينا أن ننتبه إلى أن رغبة حكومة إقليم كُردستان في التوقيع على الاتفاقية تنطلق , كما أرى , نابعة من حقيقة احتمال نشوء أوضاع استثنائية عند عدم التوقيع من خلال التدخل التركي والإيراني الفظ في الشأن الكردستاني العراقي وأكثر بكثير مما يجري اليوم من شن حملات طيران جوية لقصف مواقع كردية وقتل البعض من سكان الريف , وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من مصاعب جدية للشعب الكردي وبقية القوميات في كُردستان العراق وخاصة بالنسبة للفيدرالية التي تعتبر في الوقت الحاضر شوكة فعلية في عيون الحكام في تركيا وإيران. وبالتالي فهي ذات عواقب سلبية فعلية على العراق كله.
إلا أن احتمال توقع تطور الأوضاع بهذا الاتجاه الإيراني صعب جداً , إن لم نقل مستحيلاً, لأسباب ترتبط بواقع العراق والمنطقة والمشكلات القائمة فيها والعواقب الوخيمة التي ستنشأ عن ذلك من جهة , وعدم استعداد الدول الغربية , وعلى رأسها الولايات المتحدة , على قبول مثل هذا التطور في العراق والمنطقة من جهة أخرى , ولكنه يبقى أحد أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تحدث للعراق وللشعب العراقي في الفترة القادمة. ولا بد من العمل الدءوب لمنع نشوء مستلزمات تحقق مثل هذا الاحتمال.
غالباً ما يردد السياسيون الفكرة الواقعية القائلة ” العلاقات بين الدول تحكمها المصالح المتبادلة وليس الصداقات ” , وهي فكرة صحيحة وسارية منذ مئات السنين , وبالتالي على القوى التي اتفقت مع الولايات المتحدة الأمريكية على إسقاط النظام , أن تدرك بأن الأخيرة لم تنجز هذه المهمة المكلفة بشرياً ومالياً وسمعة دولية حباً في سواد عيون تلك القوى السياسية التي اتفقت مع الإدارة الأمريكية في حينها , بل بسبب وجود مصالح معينة تريد تحقيقها في العراق والمنطقة , إضافة إلى القضية المركزية التي واجهت الجميع وهو الإرهاب الدولي وعواقبه على العالم كله والخلاص من الدكتاتورية الغاشمة في البلاد. واليوم وبعد مرور ما يقرب من 56 شهراً على إسقاط النظام الصدامي تسعى الولايات المتحدة إلى عقد اتفاقية مع العراق تضمن لها مصالح معينة في المنطقة من جهة , ولكنها تحقق للعراق مصالح معينة أيضاً , ومنها بشكل خاص إيقاف التدخل الفظ من جانب دول الجوار , وخاصة إيران , بالشأن العراقي , كما يجري اليوم. إن الاطلاع على نص مشروع الاتفاقية العراقية – الأمريكية الأخير يشير إلى أن الطرف العراقي قد توصل إلى نتائج إيجابية تصون استقلال وسيادة العراق وقراره السياسي من حيث المبدأ وأن وجود هذه القوات المؤقت تبقى مهمته محدودة بعد الاتفاق على تحريم تدخلها في شئون الدول المجاورة أو الانطلاق من الأرض العراقية للتدخل العسكري في الدول الأخرى. من الممكن تضبيط بنود الاتفاقية من النواحي القانونية والمصالح الأساسية للشعب العراقي بحيث ترضي الأطراف العراقية غير المتأثرة بالموقف والمصالح الإيرانية التي تبدو لي في تعارض شديد مع المصالح العراقية والعربية في المنطقة.
من نافل القول أن نشير بأن توقيع اتفاقية مع الولايات المتحدة أمر لا بد منه , وكذا الحال مع بريطانيا مثلاً , إذ أن في هذا التوقيع على اتفاقية ترضي الطرف العراقي والطرف الأمريكي أو البريطاني , فيها بعض الجوانب المهمة للعراق خلال السنوات الخمس القادمة بشكل خاص , إذ بعدها يمكن للعراق أن يعيد النظر بها أو حتى إنهاء العمل بها. وأول تلك الجوانب الإيجابية حماية العراق من عودة قوى الإرهاب , وخاصة القاعدة وقوى البعث الصدامية التي يقودها عزة الدوري , رغم وجودها في صفوف بعض القوى العراقية حالياً , لممارسة إرهابها , وعودة قوى المليشيات الإرهابية الطائفية المسلحة والصراع الطائفي الذي عاشه العراق خلال السنوات الخمس المنصرمة , ثم إيقاف فعلي للتدخل الفظ الإيراني في الشأن العراقي الداخلي ورسم علاقاته العربية والإقليمية والدولية بصورة مستقلة , إضافة إلى البدء الجاد بعملية البناء الاقتصادي والاجتماعي الداخلي في ظل نوع من الاستقرار.
إن قوى كثيرة تنتظر عدم التوقيع على الاتفاقية الجديدة المتوقعة بهدف تحقيق مشاريعها العدوانية ضد العراق , وليس إيران وحدها بل قوى إقليمية أخرى في المنطقة. إن من المتوقع توقيع الاتفاقية بالرغم من كل المساعي التي تبذل في التصدي لها , إذ لن يكون في مقدور العراق تجاوزها لا بسبب أي ابتزاز أمريكي , بل بسبب واقع العراق والمنطقة والاحتمالات اللاحقة لفترة ما بعد عدم التوقيع.

29/10/2008 كاظم حبيب