الرئيسية » مقالات » رؤية واقعية للتجاذبات حول الاتفاقية الامنية

رؤية واقعية للتجاذبات حول الاتفاقية الامنية

في حقيقة الامر لم اكن انوي ان ادخل كطرف في مناقشة موضوع الاتفاقية الامنية، ولكني وجدت ان من المناسب ان اناقش وبرؤية واقعية هذا الموضوع من خلال التجاذبات الحاصلة في المشهد السياسي العراقي… ان مما لا شك فيه ان السيادة الوطنية العراقية هي الرباط المقدس الذي يتمسك به جميع العراقيين الوطنيين، وهذا الموضوع في حد ذاته غير قابل للمزايدة، فالجميع يحرص على مصلحة الوطن.. ولكن يبقى ان طرق تحقيق هذا الهدف قد تختلف وهذا امر يجب ان يتقبله الجميع لان الديمقراطية اساسها الاختلاف في الرأي.. لقد سبق وان بينت رأي وهو ان سحب ملف التفاوض من الوفد الفني سيؤدي الى اضرار كبيرة كما ان افتقاد عنصر التحديد في المسؤولية سيؤدي وقد ادى فعلا الى تشظي عنصر المسؤولية بشكل كامل وهو ما حصل أيضا. فالمفاوضات الدولية والتي تفترض بطبيعتها السرية على الاقل في مراحلها الاولية اصبحت اوراقها مبعثرة بين الصحف والمواقع الالكترونية الى ان وصلت بطريقة مجهولة لجريدة الشرق الاوسط السعودية والتي قامت بنشرها، والغريب ان التصريح في المواقف الحكومية يتم من قبل برلمانيين، اذ ان المفروض ان الحكومة تعبر عن مواقفها بادواتها المتمثلة برئيس الوزراء ووزير الخارجية والناطق بأسم الحكومة في حالات معينة اما ان ينبري اعضاء برلمانيين ويتصدوا للتعبير عن موقف الحكومة العراقية فهذا لعمري هو العجب العجاب… ان مشكلة افتقاد تحديد المسؤولية ادت لاحقا الى نشر الخلافات حتى بين اقطاب الحكومة حول الاتفاقية الامنية، أي اضرت البيت العراقي من الداخل.. والملاحظ ان هناك تشوش في ذهنية الحكومة العراقية فبينما كبير الدبلوماسية العراقية أي وزير الخارجية السيد هوشيار زيباري يصرح باهمية التوقيع على الاتفاقية المذكورة تصرح اطراف اخرى بان العراق لا ينوي توقيع هذه الاتفاقية…. وترد تصريحات لاحقة بان العراق سيوقع على الاتفاقية اذا ما اقرت التعديلات، ونسمع تصريح اخر لرئيس الوزراء يشير فيه الى ان الادارة الامريكية قدمت تنازلات ووافقت على مطالب العراق، ثم نعود الى المربع الاول وتعلن اطراف اخرى ان الحكومة تريد تعديلات اخرى، ليصرح بعدها وزير الخارجية ان من المرجح ان لا يتم التوقيع على الاتفاقية في هذه السنة… حالة التخبط وتشظي المسؤولية يبدو انها اغضبت الادارة الامريكية والتي ارسلت رسالة شديدة اللهجة الى الحكومة العراقية بواسطة وزير الخارجية السيد هوشيار زيباري مفادها ان الإدارة الأمريكية تفكر جديا في الانسحاب في حالة عدم توقيع الاتفاقية، وقد حاول البعض ان ينتقد السيد زيباري بالرغم من ان الرجل ليس الا ناقلا لرسالة وهذا من متطلبات عمله كوزير للخارجية، فالرسالة التي انتقد البعض الزيباري لانه اوصلها، كان الاولى على منتقدي الزيباري ان ينظروا الى التراكمات التي ادت الى ارسال هذه الرسالة، ان الثقة بالنفس هو امر محمود ولكن الثقة المفرطة قد تؤدي الى نتائج غير محمودة خاصة اذا لم تستند الى اسس واقعية ومتينة، وهذا ما حذر منه الوزير زيباري، فالانسحاب الامريكي او التهديدات الاخرى هي في واقع الامر جدية، يبقى هل ان للحكومة العراقية ممثلة بالقوة الامنية التي تحت امرتها من جيش وشرطة قادرة على ملء الفراغ الامني الذي سينتج عن الانسحاب الامريكي او حتى عدم المساندة العسكرية الامريكية للقوات العراقية، في واقع الامر سمعنا تصريحات كثيرة لنواب ومسؤولين ادعو ان العراق قادر على ملء هذا الفراغ وهذا امر بالتأكيد يفرحنا لو انها الحقيقة، ولكن الحقيقة عبر عنها وزيري الداخلية والدفاع فالاول اعتبر ان عدم التوقيع خطأ استراتيجيا والثاني ابدى تأييده المطلق للاتفاقية، اذن فالوزيرين المهنيين المسؤولين عن الملف الامني يصرحان بأنهما غير قادرين على تحمل هذه المسؤولية في ظل الظروف الحالية للعراق ووضع القوات العراقية من حيث التجهيز فعلى سبيل المثال لا توجد قوات جوية ولا بحرية فعالة للعراق، ولا توجد مساندة لوجستية فعالة للقوات العراقية ولا حركة سريعة للقطعات ولا اسناد جوي، ناهيك عن الخلل الموجود اصلا في البنية الهيكلية للجيش والشرطة المتمثل في اقتحام عدد من البائسين لهذا السلك وحصولهم على رتب دونما استحقاق فهؤلاء ايضا يشكلون عقبة كبيرة امام تحقيق الاهداف الموكلة للجيش والشرطة.. هذه امور وربما للوزيرين اسباب اخرى اكثر تخصصا يمكنهما ان يشرحاها للبرلمان العراقي، يبقى ان على البرلمان ان يبتعد ان المزايدة ويستدعي وزيري الدفاع والداخلية ليستمع الى وجهة نظريهما، اذ ان اتخاذ قرار بعدم التوقيع او عدم تمرير الاتفاقية في ظل الظروف الحالية سيؤدي الى نتائج وخيمة حيث ان القاعدة وفلول البعث والمليشيات المدعومة من ايران كلها تتربص وتنتظر الانسحاب الامريكي للانقضاض على الديمقراطية العراقية، وهنا سنعود الى ما قبل المربع الاول وسنشهد الحرب الاهلية بأبشع صورها، وهذا ما لا نتمناه، ولا يتمناه أي وطني عراقي، لقد حذر الزيباري من العواقب الوخيمة لعدم توقيع الاتفاق الامني والكرة الان في ملعب رئيس الوزراء وحكومة الوحدة الوطنية لتنهي الجدل باتخاذ قرار التوقيع او تحمل مسؤولية عدم التوقيع، اما التشظي الحالي في القرار وفي التصريحات فانه سؤدي الى اضرار قد تفوق ما يتصوره بعض الساسة اذ ان الادارة الامريكية لن تسكت، والمراهنة على اوباما مراهنة ساذجة لان الرجل اذا ما اصبح رئيسا فانه لن يقوم بأي تغيير استراتيجي كبير في السياسة الامريكية، وعليه فان من يعي هذه الحقيقة سيقدر العواقب، اذن هي رؤيا واقعية طرحناها متأملين ان تكون امام اصحاب القرار لتتضح الصورة فتتكامل الرؤيا ويكون القرار حينها واقعيا وليس عاطفيا.

*كاتب وخبير قانوني عراقي.