الرئيسية » مقالات » حينما تحل المؤسسات الدينية محل وكالة ناسا وتضيع فرحة العيد

حينما تحل المؤسسات الدينية محل وكالة ناسا وتضيع فرحة العيد

كلنا نعلم بأن عيدي الفطر والأضحى مناسبتان ترتبطان بأحداث وطقوس معينة في الدين الإسلامي حيث ترتبط المناسبة الأولى وهي عيد الفطر بإنتهاء شهر العبادة والصوم شهر رمضان الكريم وقد جعله الله بمثابة مكافأة منه سبحانه وتعالى لعباده على حسن عبادتهم وصيامهم وقيامهم طوال هذا الشهر ولهذا سمي بعيد الفطر أما المناسبة الثانية وهو عيد الأضحى فيأتي مباشرة بعد موسم الحج وسمي بالأضحى لأن الحجيج يقدمون فيه الأضاحي بعد إنتهائهم من الحج والمسلمين في هذا حالهم حال أغلب أصحاب الأديان الموجودة على الأرض فالمسيحيين لديهم عيد الفصح وعيد رأس السنة الميلادية واليهود لديهم عيد العرش وعيد الفصح اليهودي وللصابئة أيضاً عيد رأس السنة المندائية وعيد الخليقة وللإزيديين عيد رأس السنة الإيزيدية وعيد القربان وكذلك للبوذيين والسيخ والهندوس أعيادهم الخاصة المرتبطة بأديانهم ومعتقداتهم ولكن مايميز المسلمين عن كل هؤلاء هو أن أعيادهم هذه وبسبب إعتماد تحديدها على الأشهر القمرية التي تعتمد توقيت ولادة القمر بداية لها تحولت من نعمة لهم لنقمة عليهم بعد أن أخرجوها من يد الله ليد العباد وسلموا أمرهم وأمرها لأيادي تمثلها بعض المؤسسات الدينية ورجالها والتي بدأت بالتلاعب بها وإستغلالها لتفريق وتشتيت شمل المسلمين وزرع الخلافات والبغضاء فيما بينهم.. وبدلاً من أن يتنبه المسلمون لِماهم فيه ولِما تريد هذه الجهات جرهم إليه نراهم عام بعد عام يغرقون أكثر في بحر الوهم والضياع ويبتعدون أكثر عن الله وهذا بكل تأكيد هو السبب في أنهم اليوم من أكثر أمم العالم تخلفاً وتأخراً في جميع الميادين الإجتماعية منها والعلمية والإقتصادية بل وحتى القِيَمِيّة

ورغم أن إشكالية تحديد بداية شهر رمضان بل وحتى مُحرّم ومن ثم شوال والعيد عبر معرفة تأريخ ولادة هلاله هي إشكالية قديمة بدأت منذ عقود فقد تجاوزها الكثيرون عن طريق تحكيم عقولهم التي وهبهم الله إياها في هذا الموضوع وإتباع الأساليب العلمية والحسابات الفلكية التي نادراً ماتخطىء في تحديد هذا الموضوع وهي ليست بدعة كما يدعي البعض بل أن هناك رجال دين وإن كانوا قلة أفتوا بإعتمادها عكس الغالبية العظمى منهم التي ماتزال تعيش وتفكر بعقلية العصور الوسطى ومعها عوام المسلمين.. إلا أن مادفعني للكتابة عن الموضوع الآن هو أن هذه الإشكالية بدأت تتفاقم بشكل متسارع خلال الأعوام الأخيرة وكأنما هنالك من يدفع الى تصعيدها بشكل مقصود وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي ماحدث هذا العام بالتحديد ففي يوم الإثنين المصادف 29/09/2008 أوردت أغلب الصحف والمحطات الإعلامية الخبر التالي الذي يقول (أكدت مصادرعلمية من وكالة الفضاء الأميركية ناسا أن الثلاثاء هو أول أيام شهر شوال غير أنها إستبعدت إمكانية رؤية مولد الهلال بالعين المجردة يوم الثلاثاء بالسعودية بسبب نزوله درجتين ومع ذلك فمن الثابت والقاطع فلكيا أن العيد سيكون يوم الثلاثاء.. ومضت مصادر ناسا موضحة أن القمر الآن على مسافة ثلاث درجات من الشمس وبالتالي فمن الصعب رؤيته بالعين المجردة مشيرة لقاعدة فلكية أساسية وهي أنّ رؤية هلال شوال لايمكن أن تتأتى بكل بقاع العالم ليلة التحري بل ينبغي أن تتم إنطلاقًا من بقعة محددة على الأرض مايقتضي المراقبة العالمية للهلال حيث يدخل القمر لمَنزلَتَهُ الأولى بين 28 منزلة المعروفة أثناءغروب الشمس بمكة المكرمة والمدينة المنورة ليلة التحري وحينها سيكون القمر إبتعد عن الشمس بزاوية 04°.. ولدى غروب الشمس بالمنطقة يوم 29 سبتمبر2008 سيكون هلال شوال قد ولد بفارق درجة عن الشمس لذا ستصعب رؤيته لأنه سيغرب بعد غروبها بفترة قصيرة ولكن فلكياً سيكون قد ولد وإن لم يمكن رؤيته بالعين المجردة أبداً) وهو كلام لايحتاج لتأويل وليس فيه أي لبس وغموض خصوصاً أنه صادر من أكبر مؤسسة علمية مختصة بعلوم الفضاء والفلك في العالم وكان من المفترض أن يدعوا البعض الى إعادة تفكيرهم ومراجعة حساباتهم لأن تجاوزهم للعلم والمنطق سيظعهم في موضع حرج لايحسدون عليه إلا أننا فوجئنا بأن البعض قد أمعن في ماهو فيه وأصرعلى الإستمرار في الطريق الذي يسير فيه ويدفع إليه الملايين من أتباعه ومقلديه فجائت الفتاوى والتصريحات تناقض العلم والمنطق بشكل صارخ ومبالغ فيه وبما يشبه التحدي فتسببوا في إحراج أنفسهم وإرباك أتباعهم ومقلديهم الذين باتوا في حيرة من أمرهم وشك في مؤسسات دينية وضعوا فيها ثقتهم العمياء إلا أنها اليوم خيبت ظنهم بتجاوزها وتحديها للعلم والمنطق بل وحتى الخيال .

ومع كل حبنا وتقديرنا للمؤسسات الدينية ولرجالها من أي طائفة أو دين كانوا إلا أن الخوض بهذه الأمور ليس من شأنها فليس من مصلحتها إرتداء ثوب ليس لها ولم يفصل على مقاسها وقديماً قال أجدادنا (إعطي الخبز لخبازه) فما علاقة المؤسسات ورجالها بعلم الفلك وبتكنلوجيا الفضاء ومامدى إطلاعهم ولانقول علمهم بأحوال الكون وأجرامه السماوية ونظرياته العلمية والمعادلات الرياضية المتعلقة بها ومامدى إطلاعهم على البحوث والإنجازات التي حققها علماء الفضاء !.. بالتأكيد لاعلاقة لهم بهذه المواضيع لا مِن قريب ولا مِن بعيد ومعلوماتهم حولها هي بكل تأكيد شبه سطحية إن لم تكن معدومة وكمثال بسيط على ذلك هو أن علم وعلماء الفضاء أخترعوا وأبدعوا لنا الأقمار الصناعية أو مايعرف بالستالايت الذي كان الغرض منه في البداية مراقبة الأرض لأغراض علمية وعسكرية وإقتصادية ثم تطورت إستخداماته لتشمل مجال الإتصالات وكان من نتائجها تطور نظام الإتصالات العالمي بشكل مذهل وظهورالهاتف النقال والقنوات الفضائية التي كان رجال الدين أول المستفيدين منها بعد أن إفتتحوا منها العشرات بأموال الزكاة والخمس التي يدفعها فقراء وبسطاء المسلمين حتى أصبحت نسبتها واحد لعشرة بالمقارنة مع القنوات الفضائية المحسوبة على الخط العلماني أو الليبرالي والسؤال هنا.. لو لم يكن هناك علم فضاء ولو لم يكن هناك وكالة ناسا أو وكالة الفضاء الأوروبية فهل كانت هذه المؤسسات الدينية ورجالها سيخترعون لنا قمراً صناعياً وبعضهم بعيد عن العلم بأبسط أشكاله وبالتالي فإن حديثهم عن موضوع ولادة القمر وكيفية مشاهدته أشبه بأن تتحدث وكالة ناسا عن مواضيع الطهارة والنجاسة والحيض والنفاس والمكروه والمستحب من الأعمال وحينها سيكون الأمر مثيراً للسخرية لأنها ليست ذات علاقة بالموضوع وهو ليس من إختصاصها كموضوع القمر والنجوم والأجرام السماوية الذي ليس من إختصاص المؤسسات الدينية ورجالها إلا إذا كانت تخطط لمفاجئتنا يوماً بإطلاق صاروخ أو مكوك فضائي أو بإعطاء تفسير عن طبيعة الوجه والأهرامات التي وجدت قبل سنوات على سطح كوكب المريخ !!

لقد بات واضحاً للكثيرين بان مسألة العيد هي ليست مسألة رؤية هلال من عدمها وليست مسألة كون الرؤية تتم بالعين المجردة أو بالتلسكوب والحسابات الفلكية كما يدعي البعض بل إن المسألة هي أكبر من هذا بكثير تتعلق بإبقاء هذه الأمة متفرقة وبتمزيق نسيجها الإجتماعي على أساس المذهب والطائفة كما يفعل البعض الآخر لتمزيقها على أساس العرق والقومية ليسهل التحكم بها من قبل قوى وتيارات وأحزاب ومؤسسات تتبنى مثل هذه الطروحات الدخيلة والمفتعلة..أتعلمون لماذا يصر البعض مثلاً على مسألة العين المجردة ولايرضى عنها بديلاً ؟.. الجواب هو لأن الحسابات الفكلية هي عبارة عن أرقام تخضع لمعادلات رياضية مثبتة وغير قابلة للشك ولايمكن التلاعب بها بأي حال من الأحوال وبالتالي ستعطي نتيجة واحدة بكل مكان وزمان في حين أن(فيكة) العَين المجردة تُمَكِّن البعض من التحكم بالموضوع عبر تحديد التأريخ وتعيينه وقتما يشاء بحجة أن شهود عدول معتمدون لديه قد أقسموا على مشاهدة الهلال وبالتالي يقوم هو بتحريك يوم العيد كتحريكه لرقعة الشطرنج فيدفعه يوماً أو يؤخره يوماً بما لايتفق مع الأخر الشريك في الدين والوطن وقبل هذا وذاك في الإنسانية.. أضافة لذلك فقد أصبحت المسألة مسأة عناد بل ومسألة وجود يريد البعض أن يثبت من خلالها بأنه مهم ولايمكن الإستغناء عنه فلو إعتمد الناس على العلم والمؤسسات العلمية كوكالة ناسا أو وكالة الفضاء الأوروبية لمعرفة يوم ولادة الهلال وغرة شهري رمضان وشوال سيصبح من المنطقي أيضاً أن يعتمد الناس على العلم والمنطق في تحديد ومعرفة الصح من الخطأ في الكثير من الأمور كما في موضوع الضرائب مثلاً فلو إقتنع الناس بجدوى وفاعلية وأهمية دفع الضرائب للدولة لِما لها من فائدة ولما ستوفره لهم من خدمات لإمتنعوا عن دفع الخمس والزكاة التي لم يستفيدوا منها يوماً لرجال الدين وهذا هو بالفعل مادفع رجال الدين سُنّة وشيعة للوقوف بوجه المشاريع النهضوية لتأسيس الدول العربية الحديثة بعد إنهيارالدولة العثمانية وإجهاضها فوصفوها بالكافرة والمارقة والغير شرعية وحرضوا العوام على عدم التعامل معها والعمل في دوائرها والخدمة في جيوشها لكونها أوجدت نضام الضرائب الذي إستشعروا فيه الخطر على (حنفية المال) التي تدر عليهم ذهباً منذ قرون وبالتالي فهي مسألة حياة أو موت وصراع من أجل البقاء طرفاه رجال الدين التقليديين الذي يخشون على وجودهم من تيار الحضارة والتمدن والتطور من جهة وبين العلم وما يمثله من جهة أخرى .

هنالك اليوم من يبتغي رضى الله الذي خلق الإنسان ليكرمه وأوجد الدين والعلم لإسعاده وليكونوا في خدمته والدين يقول لنا على لسان محمد (ص) ” صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ” والرؤية لغوياً لاتعني بالتحديد وفقط الرؤية بالعين المجردة فالإنسان يرى بقلبه وبروحه وفي حلمه ويرى عبر أجهزة التلسكوب والميكروسكوب التي تمثل عدساتها عوناً لعينه المجردة ويرى من خلال الوقائع والمعطيات والإثباتات والأدلة التي تُعرَض عليه ومنها يميز الخطأ من الصواب والحقيقة من الخداع والعلم يقول لنا أن بإمكاننا معرفة متى يولد القمر بالثانية وبالتالي تحديد بداية شهري رمضان وشوال وعيدَي الفطر والأضحى دون أن نحتار ونختلف وتضيع فرحتنا ونصبح مضحكة لباقي خلق الله لذا نحن نفعل مايرضي الله أما البعض من أهلنا وأحبتنا وأصدقائنا ومع شديد الأسف فعلى أعينهم غشاوة وباتوا يبتغون رضى العبد الخطّاء الذي جعلوه بينهم بمنزلة الالهة وبات بالنسبة لهم مقدساً يأتمرون بأمره في كل مايقول حتى وإن إستشعروا بل وعلِموا علم اليقين بأنه خطأ وينافي العقل والمنطق والدين وسنن الله والطبيعة وهم بذلك يضرون أنفسهم وأولادهم ومجتمعاتهم ويدفعون بها لهاوية الحضيض الذي باتت منه قاب قوسين أو أدنى.. لقد جعل الله العيد سبباً لوحدتنا وتجمُّعِنا في الوقت الذي يحاول بعض عباده أن يجعلوا منه سبباً لفرقتنا وإختلافنا وتفتيت شملنا وتمزيق نسيجنا الإجتماعي لذا كانت صلاة العيد واجبة جماعة ليتواصل المسلمون وليكونوا سوية فالفرح لايتم إذا كان المرء وحيداً بل يتم ويكتمل بالتواصل مع الآخرين وبالتالي فلا فائدة منه إذا إحتفل به المسلمون كل على حِدة حسب طائفته ومذهبه بل إن الطامة الكبرى هي أن الفُرقة والإختلاف طالت حتى المذهب والطائفة الواحدة فترى رجال الدين من نفس المذهب والطائفة كل مِنهم يُفتي ويُعلن بأن العيد في يوم مختلف عن الآخر وبالتالي جعلوا من أنفسهم ومذاهبهم وطوائفهم وأتباعهم بل وجعلوا من الدين الإسلامي برمته موضعاً للسخرية من قبل العالم فقد تكون (معيّد) يوم الإثنين وإذا بأحد أصدقائك أو رفاقك الذي يَتبَع أو يقلد عالم الدين الفلاني أو المرجع العلاني يتصل بك ليلة الأربعاء الذي يصادف بالنسبة لك ثالث أيام العيد ليقول لك(أيامك سعيدة)!! وهكذا تحول العيد من رمز للوحدة والفرح والسرور الى رمز للفرقة والبغضاء والكراهية.. فمتى يَعي الناس ذلك ومتى يستشعرون الخطر الذي يتربّص بهم وبمجتمعاتهم وبات منها قاب قاب قوسين أو أدنى ؟.. وهل سيتكرّر ماحدث بعيد الفطر الماضي في عيد الأضحى القادم ؟.. لننتظر ونرى !

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز :

” وقل ربي زدني علماً ” و ” تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ”

وعن رسول الله (ص) :

” لكل شيء طريق وطريق الجنة العِلم “و” العِلم حياة الإسلام وعماد الدين “و” من أراد الدنيا فعليه بالعِلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعِلم ومن أرادهما معاً فعليه بالعِلم ” .

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) :

” أيها الناس إنما بدء وقوع الفِتَن أهواء تُتّبع وأحكام تُبتَدع يُخالََفُ فيها كتاب الله ”

ورحم الله العالم الجليل والمفكر الكبير سابق عصره وزمانه الشيخ المجدّد محمد عبدة حينما قال قبل قرن من الزمان نبوئته الشهيرة :

ولست أبالي أن يقال محمد أبل أو إكتضت عليه المآتم

ولكن دين مثل دين محمد أحاذر أن تقضي عليه العمائم

وهاهو دين محمد(ص) تتقاذفه العمائم ويضيع أهله في هرج ومرج بين فتاواها فأصبح العيد الذي كان من المفروض أن يكون واحداً ليجمعهم عشرات الأعياد فهذا عيده الثلاثاء وذاك عيده الأربعاء وثالث عيده الخميس فضاعت فرحة العيد وضاعت معها وحدة المسلمين وروح دينهم الحنيف .