الرئيسية » مقالات » الإتفاقية الأمنية العراقية الأميريكية بين مصالح الأحزاب الحاكمة ومستقبل الشعب العراقي

الإتفاقية الأمنية العراقية الأميريكية بين مصالح الأحزاب الحاكمة ومستقبل الشعب العراقي

بعد كل التجارب القاسية التي مر بها العراق وبعد ثبوت عقم الشعارات والخطاب السياسي العقائدي المؤدلج عبر تاريخ الدولة العراقية الحديثة سيكون من الصعب جداً التحقق من مصداقية الخطاب السياسي الحالي لكل الأطراف سواء الحاكمة أو المعارضة ، فللشعب العراقي حضور دائم في هذا الخطاب بتفرعاته الدينية والقومية والليبرالية كمادة للمزايدة السياسية في حين هو الغائب الدائم عن حصته من المكاسب التي تتحقق وهو الوحيد الذي يدفع ضريبة التغييرات التي حصلت والتي ستحصل .ويخرج في نهاية كل السيناريوهات هو الخاسر الأكبر، وقد يكون من الخطأ أيضاً أن نعتقد تمام الإعتقاد بأن السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب تمثل وبنسبة100 % الشعب العراقي نظراً لنهج المحاصصة والقائمة المغلقة التي أوصلت أعضاء البرلمان الى البرلمان بالإضافة الى الفجوة الخطيرة بين الشعب وبين أعضاء مجلس النواب الذين يفترض ان يكونوا ممثلي الشعب لا ممثلي مصالح أحزابهم، فشتان بين من يعيش في بحبوحة ولا يرى شوارع عاصمته ولا يعاني من إنقطاع الكهرباء والمياه ولا يصاب بالكوليرا ولا تغرق داره بمياه الأمطار نتيجة كارثة المجاري في بغداد العاصمة وباقي مدن العراق ويحظى بامتيازات امبراطورية ، وبين من يحدث له كل ما ذكرناه ، ولا عجب في ذلك فنحن لانعيش في عصر غاندي ومحال أن نرى من يمثل معاناة المواطن ويجسد مآسيه ، فالسلطة والمال مغرية تعمى القلوب قبل الأبصار.

لا يتعلق موضوع التوقيع على الإتفاقية لا من قريب ولا من بعيد بالخيانة والعمالة ، فان كان هناك من يرفض التوقيع وهو في السلطة عليه أن يكون واقعياً ويقر بأن وصوله للسلطة جاء تمخضاً للتغيير الذي أحدثته أميريكا في العراق فهي التي أسقطت نظام صدام وكل الأطراف التي تشارك في السلطة حالياً كانت معارضة ومدعومة أميريكياً من خلال قانون تحرير العراق وهي التي إجتمعت قبل سقوط النظام في مؤتمر لندن الذي رعته أميريكا التي مثلها زلماي خليل زاد وهناك تم الترتيب لكل الأمور ومنها المحاصصة، لذا سيكون من السيئ جداً إستخدام مصطلح الخيانة والعمالة ، وسيكون من المفيد بل سيكون من دواعي السرور إستخدام مصطلح مصلحة العراق ومستقبل أجياله من قبل كل الأطراف التي خلقت لها الإتفاقية صداعاً شديداً.أما من كان خارج السلطة ويرفع شعارات كبيرة فأعتقد ان الشعب العراقي مل الشعارات فليس بمقدور صاحب المعدة الخاوية ان يكون كثير التصديق بالشعارات…!

بواقعية وبموضوعية وحيادية ومهنية سياسية عالية وبروح وطنية نابعة من الحرص على مستقبل ومصلحة البلد يفترض بسياسيي العراق وقادته التعامل مع هذه المحنة التي يمرون بها ، فواقع الأمر يقول ان العراق ضعيف ومدمر بل أرض يباب وليس بمقدوره الدفاع عن نفسه ولا يستطيع اتقاء شر جيرانه وهو بحاجة الى النهوض والاعمار وهذا بحد ذاته عمل مرهق وصعب وبحاجة الى جهود جبارة وارادة وطنية واخلاص وصدق ونزاهة ، فهل بمقدور العراق فعل ذلك لوحده ؟
ستكون سذاجة سياسية وقصر نظر وتخبطاً كبيراً ان أجاب أحد ب (نعم) ، وان أجاب بـ (نعم) فليزودنا بآليات تحقيق كل ذلك مع توفر عنصر المصداقية بالطبع .إذ
لايمكن بناء البلد واعادة اعماره وانقاذ اهله من المحنة التي يعيشها من خلال الشعارات الفضفاضة والعواطف الجياشة والخطابات النارية التي أطالت بنا الضياع .
نأمل أن تكون مصلحة الشعب العراقي حاضرة قبل كل شيء في معمعة النقاشات والخلافات الحالية حول الإتفاقية العراقية الأميريكية ، كما سيكون من الضروري جداً التعامل مع الموضوع كموضوع عراقي بحت بعيداً عن تدخلات جيراننا المفرطة ، وان اثبت لنا قادتنا في الحكم وممثلونا في البرلمان ان الاتفاقية لا تخدم العراق ومصالح ومستقبل شعبه فليرفضوها .

* قال الدكتور برهم صالح ان 20% من ميزانية العراق تصرف في مجال تحقيق الأمن ولا ندري كم من الميزانية مخصصة لحل مشكلة المجاري في بغداد التي تغرق شوارعها وبيوتها هذه الأيام مع زخات المطر الأولى؟!