الرئيسية » مقالات » الإتفاقية واحتمالات التلاقي الأميركي ـ الإيراني ! 1 من 2

الإتفاقية واحتمالات التلاقي الأميركي ـ الإيراني ! 1 من 2

في الوقت الذي تنشغل اوسع الأوساط العراقية فيه، بقضية الإتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، التي اخذت انباؤها تحتل ابرز عناوين الصحف ووكالات الأنباء العالمية و الإقليمية . . حيث تستعر سجالات متنوعة حول قضية ابرامها، سواءً تلك التي تتناولها كمبدأ او التي تتناول آليات عقدها . . او تتناولها من الزاوية الأهم وهي زاوية السيادة الوطنية وحقوق الشعب و البلاد من جهة و قضية تقرير مصيرها حاضراً و مستقبلاً ، من جهة اخرى .
و تنشغل ابرز الجهات و الأطراف الأميركية بتلك القضية الهامة، التي تترابط وثيقاً بقضية الأنتخابات الأميركية الجارية وبتقرير نتائجها و بتطلعات المواطن الأميركي، وبقضية القوات الأميركية الباهضة التكاليف سواءً بالجنود او بالأموال، و المتعلقة بقضية مواجهة ” الإرهاب ” و تطوراته ومفاهيمه. . و التي تترابط جميعاً بقضية الإعصار المالي والمساعي المبذولة للتقليل من اخطاره وتأثيراته في العالم وخاصة في الدول الفقيرة و الدول التي تعاني الحرب و عدم الإستقرار .
تبرز قضية العلاقات الأميركية ـ الإيرانية باعتبارها تشكّل حجر الزاوية الهام في القضية العراقية من جهة و في عموم ازمة الشرق الأوسط من جهة اخرى . . ويتناول ابرز المحللين و المتخصصين تلك القضية من زاوية ” ايران الدولة ” وليس من زاوية نظام الحكم القائم فيها الآن و شخوصه فقط . .
على اساس وجود تاريخ طويل للعلاقات الإيرانية ـ الأميركية وتواصله منذ اواخر القرن التاسع عشر، و وجود تقاليد لها تأريخ بين الدولتين، رغم موجات وفترات المد والجزر التي شهدها . و على اساس ان الحديث عن العلاقات المتشعبة بين الولايات المتحدة و ايران لايشبه الحديث عن طبيعة و محاور العلاقات بين العراق و الولايات المتحدة . . لأسباب كثيرة التنوع التداخل و التزامن.
ورغم تدهور العلاقات السياسية و انقطاع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين اثر انتصار الثورة الايرانية عام 1979 ، مروراً بقضية الرهائن الاميركيين في طهران و غيرها ، فقد جرت عدة محاولات لإعادة العلاقات الرسمية بينهما منذ ماعرف بفضيحة “ايران غيت ” اواسط الثمانينات. ومع تولي محمد خاتمي الرئاسة عام 1997 جرت محاولات من الجانبين الايراني والأميركي لرأب الصدع السياسي بينهما تضمنت اعلان وزيرة الخارجية الأميركية حينذاك مادلين البرايت عن الأسف على تدخل بلادها ودورها الذي لعبته للاطاحة بحكومة الدكتور مصدق عام 1953، و اعلان الجانب الايراني أسفه على قضية احتجاز الدبلوماسيين الاميركيين كرهائن في طهران.
وفي السياق ذاته وفي الفترة ذاتها، لابد من القول بأنه لم يكن بمعزل عن تلك الجهود، صدور فتوى المرجع الإيراني الشيعي الأعلى خامنئي، التي دعى فيها الحركة الإسلامية الشيعية العراقية الى التعاون مع الإدارة الأميركية لـ ( الإطاحة بالطاغوت صدام ) على حد تعبيرها . . اضافة الى تعاون طهران مع واشنطن في افغانستان سواءً خلال اشتعال الحرب او بانجاح تعيين حكومة جديدة في كابول تتفق مع السياسة الأميركية، منذ ” مؤتمر بون ” . واضافة الى موقفها المساند فعلياً للجانب الأميركي في الحرب العراقية في نيسان 2003 ، فإنها كانت أول دولة من دول الجوار تعترف بالوضع الجديد الذي نشأ بعد الاحتلال، وأرسلت سفيرها إلى بغداد .
ورغم اتخاذ العلاقة السياسية بين البلدين طابعا آخر مع انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للبلاد عام 2005، فقد شهدت العلاقة بين البلدين محادثات بخصوص القضية العراقية، ووافقت طهران على طلب تقدمت به أميركا عبر السفارة السويسرية في طهران للتفاوض مع ايران بشأن مشروعها النووي. اضافة الى الأخبار التي تحملها وسائل الاعلام مؤخرا والتي تفيد أن الولايات المتحدة تبحث اقامة قسم لرعاية المصالح الأميركية في طهران واستخدامه كمركز ثقافي بعد انقطاع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين منذ ثلاثين عاما. والى تصريح رئيس بلدية طهران والمرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة الايرانية المقبلة الذي عبّر فيه عن ان بلاده ترحب باجراء محادثات مع الولايات المتحدة التي من جهتها اعرب المرشح الديموقراطي للرئاسة الاميركية باراك اوباما عن استعداده للتحاور مع طهران.
وبرغم تلك المصاعب السياسية لابد من القول، ان المصالح الإقتصادية بين البلدين لم تتأثر في جوهرها، بل وانها ازدهرت في فترة ولاية الرئيس الإيراني خاتمي بشكل خاص . . عبر انواع الوساطات الإقتصادية و تنوع آليات السوق و المناطق الحرة، في وقت يرى محللون سياسيون فيه ان التقارب الايراني الأميركي يمكنه أن يساهم في استقرار الشرق الأوسط وفي خلق توازن جديد، ليس من منطلق التوازن عبر المواجهة وانما من خلال الاتفاق الاقليمي.
على تلك الأرضية من العلاقات بين البلدين، تأتي حملة الإنتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة و هي تحمل انواع التصريحات والبالونات . . يلاحظ مراقبون بروز تفاصيل صارت تتكرر فيها حول تصريح باراك اوباما مرشّح الرئاسة الأكثر حظاً بالفوز، حول استعداده للمحادثات مع الرئيس الإيراني احمدي نجاد، وصل بعضها الى حد القول باستعداده حتى لزيارة ايران و البدء بعلاقات ايجابية بنّاءة مفيدة للطرفين ، على حد تعبير تلك التعليقات . .
في وقت تعلن فيه الحكومة الإيرانية عن موقفها الرافض للأتفاقية الأمنية المزمع عقدها بين الولايات المتحدة و العراق، لتكون البلد الوحيد الرافض للأتفاقية و الذي لايطرح بديلاً معقولاً و مقبولاً
لها !! بعد ان كانت ايران اول دولة اعترفت بالواقع الحاصل فيها بعد نيسان 2003 ، بل و اخذت تمارس دور” المحتل غير النظامي ” في البلاد (1) و الذي يهدد باندلاع فتنة قومية في عموم المنطقة .
من ناحية اخرى، ترى اوساط عراقية ليست قليلة في الإتفاقية كمبدأ . . بكونها خطوة لابد منها للخروج من الوضع القائم الحالي كثير الخطورة و التعقيد . . للتحرّك نحو وضع افضل، لعدم وجود بديل آخر واقعي لمواجهة جدولة الأستحقاقات . . غير تصاعد الفوضى والدمار. ومن اجل الوقوف امام الأكثر مرارة وهو الأطماع الإيرانية في ظروف احتلالها غير النظامي للعراق، وسعيها المحموم لجرّه الى دائرة حكم ولاية الفقيه ( فقيهها) . . ومن اجل توفير مستلزمات حل التركة الثقيلة للنظام السابق و حروبه الخارجية العدوانية التي تسببت بوضع العراق تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة بموجب قرار مجلس الامن 661 في اب 1990، بعد ان اعتبرالوضع فيه انذاك مهددا للسلام والامن الدوليين . . ولتوفير مسلزمات انهاء تركة الحرب و الأحتلال .
على اسس : رفض القيود التي تخل بسيادة العراق ظاهرة كانت او مخفية (او سرية ) ، انهاء وجود القوات الاجنبية والامريكية وتحديد افق زمني له، عدم جعل ارضه منطلقا للهجوم او التدخل بشؤون دول الجوار، رفض الحصانة التي يطالب بها الجانب الامريكي لقواته او لشركات امنية او لغيرها و جعل ذلك تحت رقابة واشراف الجانب العراقي ذي السيادة وعبر التنسيق معه، الالتزام بتخليص العراق من الفصل السابع وضمان عودته الطبيعية كعضو كامل الحقوق في الاسرة الدولية و العمل على مساعدته في معالجة اثار الاحتلال والعمليات العسكرية ، ودعمه في اعادة اعمار اقتصادة ومؤسساته وتحسين الخدمات فيه .
و فيما تسعى حكومة نجاد و الأوساط العسكرية الأكثر تطرفاً في الإدارة الإيرانية الى جعل دولة العراق مجرّد ورقة من اوراق صراعها مع الولايات المتحدة في المنطقة، غير مبالية بما واجه و يواجه شعب العراق بكل اطيافه القومية و الدينية و المذهبية . . من اجل مصالحها التوسعية هي ، التي لايتوانى مسؤولون ايرانيون من التلويح بها مستندين في ذلك الى خطط و برامج تغطيّ مراحل زمنية ليست قصيرة وقوى متنوعة من طائفية الى علمانية . . رصدت لها مليارات التومانات و انواع الخبرات الفنية، العسكرية، السياسية، الطائفية و الدينية ، متخذين من ارث الشاه اسماعيل نموذجاً، في محيط دولي و اقليمي مشجّع بتقديرهم .
تسعى الدولة الإيرانية بعموم مؤسساتها الى تخفيف و فك الضغوطات عليها والناتجة من عقوبات الحصار . . لمواجهة تزايد البطالة و الفقر و الفساد و المخدرات فيها ، وللتخفيف من ضغوط الشارع الإيراني على حكومته بسبب النتائج الوخيمة لسياسة ولاية الفقيه ، و محاولتها اتباع سياسة اكثر مرونة وليبرالية تستطيع احتواء الضغوط الشعبية الداخلية الداعية الى رفض سياسة التوتير والأستعدادات للحرب التي تتبعها حكومة نجاد، ومن اجل التفاهم مع الولايات المتحدة سلميا. ابتداءً من محاولة ايجاد حل سلمي لقضية المفاعل النووي الإيراني ، كما تعكس استفتاءات الرأي هناك اضافة الى وسائل الأعلام الإقليمية و الدولية .
وفيما يفرح الشعب العراقي للجهود التي تبذل من اجل ابعاد شبح الحرب بين الولايات المتحدة و ايران كي لا يكون العراق فيها ساحة ووقوداً لها ولأطرافها . . تحذّر اوساط عراقية واسعة من مخاطر تقاسم البلدين للنفوذ و المصالح في العراق على حساب كيانه ووجوده و حقوق شعبه بالوان طيفه بثرواته . . على حساب حقه بالحياة و الحرية كباقي شعوب العالم . (يتبع)


27 / 10 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 حيث تمارس الحكومة الإيرانية دور المحتل غير النظامي . . عسكرياً بواسطة انواع الميليشيات الطائفية المسلحة ( شيعية و سنيّة ) سواءً المرتبطة بها او المدعومة من قبلها او التي تنسّق معها بشكل متحرّك ضمن متطلبات الوضع العسكري و السياسي . وتمارس ذلك الدور سياسياً و اقتصادياً و نفطياً بدلالة السيل الذي لاينقطع من الأدلة المتنوعة . مقارنة بالأحتلال النظامي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية، المعلن و الموثّق رسمياً داخلياً و عالمياً، الذي تشكّل الإتفاقية الأمنية المزمع عقدها خطوة هامة على طريق انهائه، وفق مقررات الأمم المتحدة .