الرئيسية » مقالات » أبعاد الفتنة الأصولية في الموصل

أبعاد الفتنة الأصولية في الموصل

بقدر ما أصابت حوادث مدينة – الموصل – الدامية التي استهدفت مواطنيها من أتباع الديانة المسيحية العراقيين جميعا بالذهول والامتعاض والادانة بالقدر ذاته أثارت مشاعر الغضب والاستنكار لدى مختلف قطاعات الرأي العام في المنطقة والعالم لما لها من أخطار مدمرة على وحدة المجتمعات المتعددة الأديان وتحديات أمام العيش المشترك والدور الريادي لمسيحيي الشرق في بناء الحضارة وما تتضمن من رسائل من القوى الظلامية ترمي الى التذكير بالمسألة الشرقية التي استثمرت لأغراض رجعية واستعمارية قبل حوالي قرن ومن المعلوم أن الأحداث والمواجهات ذات اللون العنصري والديني والمذهبي التي تتواصل في معظم بلدان الشرق الأوسط ومنذ عدة عقود جراء استفحال موجة الأصوليتين القومية والاسلامية وخاصة في العراق لم تعد سرا وتكون ضحاياها عادة من أبناء القوميات المغلوبة على أمرها تحت سطوة القوميات السائدة الغالبة المنقادة من الأوساط الشوفينية أو الفئات والجاليات الدينية من غير الأكثرية المسلمة أو أتباع المذاهب والطوائف المختلفة عن مثيلاتها الحاكمة وقد تندرج حالات قليلة يقوم فيها طرف ما أقل عددا من المراتب الثلاث بدور المعتدي بعد أن عانى ماعاناه وفي حقب زمنية طويلة كأحد ضحايا الاضطهاد المتعدد الأشكال والأوجه .
المسيحييون وكردستان العراق
حاولت جهات سياسية عراقية وأوساط اقليمية وتحديدا دوائر رسمية سورية وأبواقها الاعلامية زج اسم الكرد زورا بين المتهمين في المشاركة بالاعتداء على مسيحيي الموصل وذلك في سبيل اخفاء الفاعل الحقيقي والتمهيد لاثارة فتنة جديدة والاساءة الى فدرالية كردستان العراق وتشويه تجربتها الناهضة في البناء والتنمية والعملية السياسية الديموقراطية والأمن والاستقرار وقد أعلنت مؤسسات الاقليم موقفها بوضوح وفندت تلك الادعاءات جملة وتفصيلا ومن أجل أن لا-تنطلي تلك المزاعم على أحد واستجابة لدعوة أصدقاء من مسيحيي بعض بلدان المنطقة وبالخصوص من زملائنا وشركائنا في المعارضة الوطنية السورية أردت المساهمة في خوض هذا الموضوع بحكم تواجدي في الاقليم وعلاقاتي الودية مع معظم القيادات السياسية والثقافية والروحية المسيحية وخصوصا من أبناء الكلدان وغيرهم لأقول أن المكونات المسيحية القومية منها والدينية ( كلدان – آشوريين – سريان – أرمن ) هي من سكان كردستان الأصليين يعترف بذلك مشروع دستور الاقليم ويعتبر تلك المكونات والى جانب الكرد والتركمان والعرب من القوميات الكردستانية التي يحق لها تقرير مصيرها والتي تمارس حقوقها السياسية والثقافية والروحية بحرية وعلى الصعيد العملي يشارك ممثلو تلك المكونات في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بالاقليم وهذه المكونات تتوزع جغرافيا في سائر محافظات ومناطق الاقليم من زاخو الى خانقين والكرد يعتنقون كل الديانات الى جانب الاسلامية من مسيحية وايزيدية ويهودية ومجتمع كردستان منفتح ومتسامح الى درجة ما نادرا ماتحصل مشاكل ومواجهات لأسباب دينية أو مذهبية أو عرقية اضافة الى الطابع العلماني الراسخ في مشروع دستور الاقليم وقانون البرلمان وبرامج الأحزاب والمنظمات الكردية ونهج الصحافة والاعلام ودعائم المجتمع المدني .
روجت تلك الجهات مزاعمها استنادا الى روايتين : ضلوع البيشمركة والأكراد في القوات المسلحة العراقية أما الحقيقة فهي أن مدينة الموصل تتكون من مختلف القوميات والأعراق والأديان والمذاهب ذات أغلبية عربية يشكل الكرد حوالي 30% من سكانها ومنذ سقوط الدكتاتورية قبل خمسة أعوام يعمل تحالف ( القاعدة والبعثيين والجماعات الأصولية الاسلامية والعصابات المسلحة ) على – تطهير – المدينة من الكرد بالقوة الى جانب مواجهة القوات الأمنية الشرعية والادارة والقوات المتعددة الجنسيات وقد وصل عدد الضحايا الكرد حسب الاحصائيات الرسمية الى أكثر من ألفين وقد أدت تلك الممارسات الى تقسيم المدينة فعليا الى قسم يتبع الدولة والحكومة وفيه يتواجد الكرد وآخر يتبع الارهابيين وماحصل للمسيحيين كان في القسم الأخير أي بانعدام التواجد الكردي وبالتالي البيشمركة وبما أن احدى فرق الجيش العراقي مناط به أمن الموصل والتعامل مع الارهابيين وتتضمن في صفوفها أبناء كافة المكونات العراقية حسب العدد التقريبي وبينهم ما يقارب 25% من الكرد فكيف يمكن تحميلهم المسؤولية ؟ وعلى أية أسس ؟
خلال أيام الموجات الأولى لنزوح المسيحيين الى كردستان بعد سقوط الدكتاتورية هربا من التصفيات والملاحقات في بغداد والبصرة وديالى والأنبار وغيرها ( حيث لايوجد أكراد ) وكنت شاهدا على ذلك أصدرت حكومة الاقليم تشريعات وقوانين وقرارات حول استقبال الجميع وتأمين الدور والمنازل وفرص التوظيف والعمل في اربيل ودهوك والسليمانية وبناء عشرات القرى والمجمعات وخاصة في مناطق زاخو ودهوك وعقرة لاستيعاب العوائل المهجرة مع تشييد المدارس ودور العبادة وتحديث البنية التحتية .
سياسيا يقف الكرد وبالاضافة الى الموقف الواضح من جانب الحكومة والبرلمان وعبر أحزابهم ومؤسساتهم الثقافية والاجتماعية والاعلامية الى جانب حقوق المسيحيين القومية منها والثقافية والعقيدية كما يرونها هم رغم عدم وضوح الرؤا لدى نخبهم حول مسائل شائكة مثل أولويات وخيارات المضامين القومية أو الدينية لحركاتهم وأحزابهم ومنظماتهم وحدود مطاليبهم ومسألة الحكم الذاتي في سهل نينوى أو أماكن أخرى والانتماء الكردستاني وغير ذلك من القضايا التي تمس مستقبل المكونات المسيحية الصديقة في كردستان والعراق .
التقط البعض من خارج العراق مثل رئيس حركة أمل الشيعية اللبنانية القريب من النظام السوري الطرف الباهت المهترىء من خيط حقيقة ما حدث لمسيحيي الموصل حتى يدلو بدلوه المذهبي – العنصري في معاداة الكرد اسوة بحكام دمشق ومن لايعرف هذا المتباكي على حقوق الأديان قد يصدق أقواله فهو من يتزعم أحد أجنحة الطائفية السياسية الأصولية في لبنان ومن أمراء حروبها التي حولته من موظف بسيط الى أحد المليونيرات الكبار ويقود الميليشيات التي عاثت في بيروت فسادا ضد طائفة معينة في أيار الماضي وقبل ذلك قامت بتدمير المخيمات الفلسطينية في بيروت وشارك مرتزقته مع الحرس الثوري الايراني في تصفية الشهيد صادق شرف كندي زعيم حزبي ديموقراطي كردستان ايران ورفاقه في برلين .
وثائق التاريخ وشواهد الماضي وحقائق الحاضر الجيو – سياسية ومتطلبات المستقبل تدفعنا وتسعفنا للقول أن الكرد والمكونات المسيحية بكل أطيافها اضافة الى التركمان وقوميات أخرى يعيشون حالة حرمان مشتركة من الحقوق ويرتبطون معا في مصير واحد ليس في كردستان العراق فحسب بل على مستوى الشرق الأوسط وفي سائر بقاع جغرافيا التواجد الكردي بايران وتركيا وسوريا وما عليهم جميعا الا التضامن والتوافق لصياغة متطلبات مصيرهم المشترك وتجاوز ترسبات الماضي على أساس الاعتراف بالأخطاء بكل وضوح ان وجدت من أي طرف والتوجه نحو المستقبل متساوين في الحقوق والواجبات ومعترفين بحقوق بعضهم الآخر في تقرير المصير والاتحاد الاختياري والعيش المشترك فهم كلهم دون استثناء من سكان المنطقة الأصليين ومن أصحابها الشرعيين .