الرئيسية » مقالات » هل العمليات المعادية للمسيحيين في الموصل جزء من عمليات التطهير العرقي في العراق ؟

هل العمليات المعادية للمسيحيين في الموصل جزء من عمليات التطهير العرقي في العراق ؟

حين يتصفح الباحث تاريخ العراق الحديث يجد أمامه سلسلة من عمليات التهجير القسري والقتل الجماعي والتشريد التي تلتقي كلها في المحصلة النهائية عند التعبير الحقوقي (القانوني) الدولي المعروف بالتطهير العرقي , كما يمكن أن يدخل البعض من تلك العمليات الفاشية في مفهوم إبادة الجنس البشري المدانة دولياً.
لا أذهب بعيداً في عمق التاريخ العراقي لأضع اليد على أحداث تاريخية مريرة واجهها أتباع الأديان الأخرى في العراق , بل سألتقط بعض العينات المهمة التي تجسد هذه المشكلة مع بداية الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر. وقد تعرضت لمثل هذه العمليات الجبانة مجموعات سكانية قومية ودينية عديدة لم يكن الشعب وراء كل ذلك , بل قوى حاكمة وقوى شوفينية ودينية متطرفة مقرونة بتأييد إقليمي ودولي متنوع ومتعدد الأغراض.
أولاً: منذ أن بدأت الدعاية النازية في العراق في الثلاثينات من القرن الماضي وبعد أن أصبح لفكر وممارسات الدولة الهتلرية الألمانية مؤيدون في العراق وقفزت إلى قمة الحكم بانقلاب عسكري تلك القوى القومية الشوفينية العراقية المتأثرة بالفكر النازي العرقي (العقداء الأربعة ورشيد عالي الگيلاني) حتى بدأت معاناة يهود العراق , التي انتهت بمجزرة الفرهود المعروفة في بغداد في حزيران/يونيو من العام 1941, حين تعرضت العائلات اليهودية العراقية إلى عمليات الملاحقة والإهانة والضرب والتعويق والقتل والتشريد والسطو على البيوت وسرقتها ونهب دكاكين ومحلات عمل اليهود. وسقط جراء هذه الأفعال الإجرامية المخزية عدد كبير من الشهداء الأبرار من المواطنات والمواطنين اليهود ومن مختلف الأعمار , كما حصلت عمليات فرهود مماثلة ضد اليهود في البصرة , ولكنها لم تنته بقتل اليهود.
ثانياً: بعد ذلك , وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية , بدأت خيوط مؤامرة قذرة تحاك في عواصم عدة من العالم تهدف إلى إفراغ العراق من اليهود من خلال عمليات تهجير قسرية , تبدو وكأنها اختيارية عبر إصدار قانون إسقاط الجنسية العراقية لمن يرغب بمغادرة العراق نهائياً. وبدأت عملية تنفيذ هذا القانون بأساليب بوليسية متنوعة مما أدى إلى غياب مكون أساسي من مكونات الشعب العراقي الرائعة هم يهود العراق. وقد شارك في هذه الجريمة عدة جهات معروفة , وهي:
1 . الحكومة البريطانية وسفارتها في بغداد بما كانت تملكه من تأثير مباشر وغير مباشر على البلاط والحكومة العراقية ومجلس النواب والسياسة العراقية عموماً.
2 . الموساد الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية , إذ كان مسعى الجهتين متنوع الأشكال ومتجهاً صوب زيادة عدد السكان اليهود في إسرائيل لحاجتهم إلى جنود وأيدي عاملة وقوى مثقفة ومتعلمة ومتخصصة عراقية , إضافة إلى حاجتهم لتعاطف دولي على اعتبار أن اليهود يعانون من اضطهاد في العراق والدول العربية , وبالتالي فهم مجبرون على مغادرة هذه الدول.
3 . الحكومة العراقية بقضها وقضيضها , وخاصة حكومة توفيق السويدي التي تسنى لها تشريع قانون إسقاط الجنسية العراقية عن يهود العراق. وكان السويدي مساهماً في شركة نقل أخذت على عاتقها نقل يهود العراق إلى قبرص ومنها إلى إسرائيل لقاء مبالغ طائلة كان بعضها يدخل في جيبه وجيوب البعض الأخر من الحكام.
4 . القوى القومية العربية الشوفينية وقوى إخوان المسلمين في العراق (محمد محمود الصواف) , التي كانت تؤجج العداء ضد اليهود في العراق , لعبت دوراً مهماً في تشديد الحقد والكراهية ضد اليهود واستخدام القضية الفلسطينية لزيادة العداء لهم وكأنهم هم لا غيرهم مسؤول عن قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل في العام 1948.
ولم يبق من يهود العراق الذين بلغ عددهم حوالي 150 ألف مواطنة ومواطن في العام 1947/1948 سوى 13 شخصاً لا غير في العام 2008. لقد خسرت حديقة العراق الجميلة شجرة مثمرة وزاهية من أشجار مكوناته السكانية المثمرات والزاهيات , شجرة يهود العراق التي يعود وجودها في البلاد إلى حدود 28 قرناً.
ثالثاً: ثم كانت مأساة التهجير والتعريب القسري للكُرد في كُردستان العراق وفي كركوك وفي غيرها وما اقترن بذلك من عمليات الأنفال وحلبچه المعروفة لنا جميعاً والتي ستبقى عواقبها وآثارها مؤذية لفترة غير قصيرة للمجتمع والدولة العراقية ووصمة عار في جبين النظام الدموي المقبور والقوى التي ساندته , إذ جرى تغييب 182 ألف إنسان , إضافة على استخدام السلاح الكيماوي لقتل الكُرد في مدينة حلبچه.
رابعاً: ثم كان التهجير القسري الشائن للكُرد الشيعة الفيلية , وهم , كالآخرين , من أصل أهل البلاد وليسوا طارئين عليها, الذين تعرضوا للتهجير والتشريد والقتل العمد للآلاف من الشباب الكردي الفيلي وإلى سرقة ونهب أموالهم المنقولة وغير المنقولة. والمصيبة أن هؤلاء الناس لم يفسح لهم المجال بالعودة الميسرة إلى الوطن ولم يستعيدوا حقوقهم المغتصبة من قبل النظام البعثي المقبور حتى الآن.
خامساً: وكان نصيب العرب الشيعة من الوسط والجنوب ليس بقليل من حيث التهجير القسري والقتل الجماعي وسحب الجنسية العراقية باعتبارهم من التبعية الإيرانية , إضافة إلى تجفيف وطمر الأهوار وتشريد أهلها.
سابعاً: ثم جاء دور القتل العمد والتهجير المتواصل للصابئة المندائية والمسيحيين والأيزيديين , وكلهم من أصل أهل البلاد ومن أتباع أقدم القوميات والديانات في العراق. وقد كتبنا عن كل ما كان يجري في البصرة وبغداد والموصل بحق الصابئة المندائيين والمسيحيين والإيزيديين حيث قتل منهم الكثير وشردوا وصودرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة من قبل المليشيات الطائفية والإرهابية المسلحة. كل ذلك كان يجري تحت سمع وبصر الحكومات العراقية الثلاث المتعاقبة على الحكم وتحت سمع وبصر قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية وغيرها. وكانت قوى حكومية تساهم بذلك من خلال الوجود الفعلي لعناصر المليشيات الطائفية المسلحة في القوات المسلحة العراقية , سواء عبر الوجود الرسمي لها في فترة حكم الدكتور إبراهيم الجعفري أم عبر التسلل إليها فيما بعد.
ثامناً: واليوم يواجه أبناء وبنات القومية الكلدانية والآشورية والسريانية , أي أتباع الديانة المسيحية , وهم من بين أقدم السكان في العراق , حملة ظالمة وهادفة إلى استئصال المسيحيين من العراق , كما تم استئصال يهود العراق قبل ذاك. والسؤال الصعب الذي يفترض الإجابة عنه هو : من يشارك في هذه المؤامرة العدوانية القذرة على المكونات الأصلية والأساسية والعريقة للشعب العراقي ؟ ومن له مصلحة بذلك على الصعيدين المحلي والإقليمي؟
لا نبتعد عن الواقع القائم في البلاد حين نقول ما يلي دون الخوض في التفاصيل :
** هناك قوى إسلامية سياسية متطرفة وأخرى “معتدلة” لا تريد أن ترى في العراق جماعات دينية من غير أتباع الدين الإسلامي , مع واقع وجود صراع بين الأحزاب الإسلامية الطائفية على الحكم , ورغم اضطرارها إلى إدخال حقوق أتباع بعض الأديان في الدستور. وخير دليل على هذا الموقف الرافض لحقوق الأقليات والرغبة في الخلاص منهم تدريجاً ذلك الموقف البائس لمجلس النواب العراقي من المادة 50 من قانون انتخاب مجالس المحافظات. بعض هذه القوى في الحكم وبعضها الآخر خارج الحكم , بعضها ممثل في المجلس النيابي وبعضها خارج المجلس. إنها قوى متزمتة وتريد فرض الدولة الإسلامية على العراق بعد أن فرضت أن يكون الإسلام هو دين الدولة الرسمي في الدستور , بدلاً من أن تأخذ بقاعدة “الدين لله والوطن للجميع”.
** هناك قوى قومية عربية وكردية شوفينية متطرفة تريد أن لا يكون لهذه القوميات الأخرى موقع لها في العراق عموماً وفي كُردستان , إذ تجدها منافسة لها في طرح مطالبها في المنطقتين , سواء أكان في القسم الكردي أم في القسم العربي من العراق, إذ أن هؤلاء يطالبون بحقوقهم , وبعض تلك الحقوق يثير حفيظة وعداء تلك القوى القومية الشوفينية. ولكن هذا الموقف لا يمس أكثرية الشعبين العربي والكردي , بل قوى معينة في الشعبين. وعلينا أن لا نغمض العين عن طرف ونفتحها كلية على الطرف الآخر , إذ في الجانبين من يحرك أجواء الصراع ويسعى للصيد في الماء العكر.
وأنا هنا لا أتحدث عن هوى أو رغبة في الإساءة لأحد مكونات الشعب العراقي , بل لا بد من القول بأن هناك من الدلائل البينة ما يؤكد ذلك , ولهذا تقع على عاتق القوى السليمة والديمقراطية والحكيمة في صفوف الشعبين مهمة الانتباه إلى ما يحصل من استفزاز وتشديد وإلى الجماعات التي تعمل لزيادة الكراهية والحقد , إذ أن ذلك يقود بالضرورة إلى القتل والتشريد والتهجير وما إلى ذلك. وهناك صراع على الأرض يفترض أن ننتبه وننبه إليه لأن القوى القومية الشوفينية تحركها مسألة الأرض أكثر مما يحركها مصير الإنسان , وغالباً ما تقود هذه الحالة إلى حروب عاشها العراق في ظل البعث وصدام حسين.
** وهناك قوى إقليمية , وخاصة في إيران تمارس سياسة استئصال المسيحيين في إيران بطريقة أخرى على طريقة معاوية بن أبي سفيان ودون ضجة تذكر بحيث نلاحظ هجرة سنوية واسعة للمسيحيين من إيران باتجاه الولايات المتحدة والغرب عموماً. والحكومة الإيرانية تعمل من أجل إخلاء الدول الإسلامية من كل المسيحيين وتبدأ حيث يمكنها التأثير في الأحداث , ويعتبر العراق واحداً من مشاريعها المتقدمة في هذا الصدد وقدراتها في التأثير كبيرة وبالغة القوة وحضورها في المحافل السياسية واسع وثقيل في آن واحد.
** كما أن قوى القاعدة الإرهابية والمنظمات المماثلة لها في العراق وفي كُردستان العراق يهمها هذا التوجه وتمارسه أينما أمكن. وأحداث الموصل ليست بعيدة عن أيدي القاعدة ومنظمات عراقية مماثلة لها.
وأتمنى أن لا تكون بعض الشخصيات المسيحية العراقية الفاسدة وبعض الدول الكبرى ذات النفوذ والأموال متورطة هي الأخرى بمثل هذه المؤامرة , إذ أن أموالاً كثيرة وهائلة تصرف في العراق وباتجاهات مختلفة وبواسطة أيدي مسيحية. ويبدو هذا واضحاً من خلال واقعين , وهما:
1. الدعوة والدعاية المستمرة إلى هجرة المسيحيين من العراق والسفر إلى أوروبا وتقديم تسهيلات كبيرة في هذا الصدد وموافقة أوروبا على تقديم تسهيلات خاصة لقبول المسيحيين دون غيرهم كلاجئين في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة وغير ذلك.
2. اختلاق أحداث إجرامية , كما في الموصل , للبث الرعب والدفع باتجاه الهجرة. إذ تشكل أحداث الموصل الأخيرة جزءاً من خطة منظمة وهادفة إلى استئصال المسيحيين من العراق , وعلينا جميعاً مقاومتها لأنها جزء من عمليات التطهير العرقي وهي شبيهة بتلك التي مارستها النازية ضد اليهود في أوروبا وإفشالها والعمل لتشديد التضامن الجاد والمسؤول والمكثف مع أبناء وبنات مكونات هذا الشعب. علينا شن حملة عالمية وإقليمية ومحلية لدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بسرعة لإعادة المهجرين الجدد والقدامى إلى مناطقهم في مدينة الموصل والمدن الأخرى وإعادة دورهم إليهم وتعويضهم وتأمين الحماية لهم , إذ أن عدد العائلات المهجرة , كما تشير المعلومات الأخيرة , قد وصل إلى 3000 عائلة بعد أن كان 1000 عائلة ومن ثم 2000 عائلة.
نحن أمام حاجة ماسة إلى موقف تشريعي سليم يقطع الطريق على المزايدات في قضية حقوق القوميات غير العربية والكردية في العراق , إلى تثبيت تلك الحقوق القومية والشراكة في الوطن في الدستور العراقي وفي دستور كُردستان , وبالتالي يمكن لبنات وأبناء القومية الكلدانية الآشورية السريانية إمكانية ممارسة ذلك في الواقع العملي. وعلينا النضال من أجل ذلك ليشعر الجميع بالأمان والاستقرار.

26/10/2008 كاظم حبيب