الرئيسية » مقالات » الدولة الكوردية واقعية الهدف.. ومحددات الواقع

الدولة الكوردية واقعية الهدف.. ومحددات الواقع

منطق الحياة في العملية السياسية على مستوى العالم كان ومازال وسيبقى هو الطموح في التفرد المستقل غير المنعزل عن تفاعلات الاحداث العالمية وغير المنغلق امام التأثيرات المتبادلة وغير البعيدة عن مجال التعاون والتآزر الدولي لضمان امن وسلام العالم.
وهكذا نجد عالم اليوم هو عالم التفرد الاستقلالي، وهو في ذات الوقت عالم التكتل الثنائي او الثلاثي او اكثر ولا تناقض في الامر فالتفرد رغم انه يعطي المجال للنزوع باتجاه الاستقلال والصيرورة الذاتية مع مشاعر واحاسيس الاعتزاز والاعتداد بهويتها القومية او الدينية او المذهبية وتأكيد الانتماء المستقل لهذا الجانب او الجهة دون تلك او ذاك،
بيد انه لا يعمل على حرمانها من مزايا وفوائد التعاون وتبادل المنافع مع الاخر وتحقيق المناخ المناسب لانبثاق شراكة اقتصادية وسياسية وعلمية في البحث من اجل الحصول على افضل واحسن الفرص والمزايا المحققة لقدرة الوصول الى اوضاع افضل. لذلك وجدنا الدول الاوربية التي خرجت من حلف وارشو ومن منظمة الكموميكون للتعاون الاقتصادي سارعت للانضمام الى الاتحاد الاوربي وحلف الناتو. وتوجد في عصرنا الكثير من التجمعات الكونفدرالية والفدرالية والاحلاف والتكتلات الدولية، كالوحدة الافريقية وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة التجارة الدولية ومجموعة الثمان ومنظمة عدم الانحياز ومجموعة الـ v v والوحدة الاوربية ومنظمة الاوبك والكومنويلث والمنظمة الامريكية والجمعية العامة للامم المتحدة والمنظمات التابعة لها ومجلس الامن الدولي وغيرها.
وكلها تعبر عن جنوح مبرر ومشروع الى التكتل ويكشف العالم اليوم المزيد من الاسباب الوجيهة التي تجعل الموقف السلبي من تفكك يوغسلافيا السابقة كان خطاً لانه بحسب رأي البعض ينطوي على تسرع ودوافع لا تستمد وجودها من المصالح الاساسية للشعوب التي كونت يوغسلافيا والتي ادت الى جعل هذه المنطقة من العالم في وضع دراماتيكي مأساوي دون ان يكون الوصول الى هذه النتيجة حتمياً وجبرياً.
واللافت هنا ان من وقف الى جانب تفكك يوغسلافيا وتجزئة مكوناتها وقف الى جانب عدم تفكك جورجيا والعكس بالعكس. الامر الذي يعطي ضوءاً احمر ينبه الى خطورة اعتماد الغايات والنوايا غير النزيهة وغير الموضوعية في التعاطي مع تيارات البحث عن التفرد في عالم متخم بحالات الهيمنة والقسر الجبري والضم غير المبرر.
ان قبول العالم بالمنظمة الدولية وبمجلس الامن هو في الواقع تنازل عن بعض اسس وقواعد السيادة الوطنية والاستقلال والتفرد لصالح سلام وامن العالم لايجاد ارضية مشتركة تقبل بها شعوب الارض لضمان التعايش السلمي ونبذ التقاطع والتطاحن والاقتتال لاحتواء الاخر وفرض الهيمنة والسيطرة الظالمة عليه. وينطلق هذا القبول ايضاً من فهم حقيقي وواقعي يستند الى منطق ان العالم مثلما لا يتحمل التفرد الانعزالي الذي لا يرى في الكرة الارضية غيره، فانه لا يتحمل ايضاً التفكك والتشتت ففي ظل التفكك تنمو اتجاهات سوداوية خطرة منها الاحساس القائل (المهم انا).. على ان ذلك لا يقلل ابداً من اهمية الاشارة الى ما افرزته ظواهر القهر والفصل العنصري وسلب حق تقرير المصير وفرض الهيمنة المقيتة من اجل تشكيل الامبراطوريات الظالمة السالبة لحرية الشعوب، من وقائع شهدت الكثير من قصص الحيف الذي لحق بشعوب لم يكن لها ذنب غير انها فرضت عليها اوضاع لم تكن هي التي اختارتها. ومن هنا ظل العالم بحاجة الى شيوع اسس وقواعد التعايش القائم على التعاون وتبادل المنافع باعتبار ان ذلك هو المطلوب كونه يحقق الاحترام الجدي والمنضبط لكل خصائص الشخصية القومية والدينية والمذهبية لشعوب العالم.
من ذلك وغيره نتلمس مشروعية قول الكورد بضرورة تمتعهم بحق وجودهم كدولة على كامل التراب الكوردستاني انهاء لحالة شاذة وغير مقبولة هي حالة تجزئة امة فرض عليها الظلم واقع مرفوض انسانياً وقانونياً وشرعياً، غير ان هذا الحق ووفق تداعيات الجغرافي والتاريخ لا يمكن ان يكون واقعاً حياً في غياب وجود تعاون حقيقي وتبادل منافع بينها وبين جيرانها، وفي مقدمة هذا التعاون السماح لها بالاتصال بالعالم عبر الاجواء والبحار والبراري، وامر كهذا ليس سهلاً تحت ظل انعدام وجود الاستعداد الطوعي لهذا التعاون من قبل الدول المحيطة بها والتي كانت تضم اجزاء منها وهي: ايران والعراق وتركيا وسوريا.
ونسأل كيف يتوفر هذا الاستعداد وما هو المقابل؟ سؤال كهذا ليس من المتوقع ان يكون قادة الكورد قد تجاهلوه بل ان معرفتي الشخصية تقود الى القول: ان هذا الموضوع هو الشغل الشاغل لهم، وكثيرة هي الافكار والآراء وهي تكرس مبدأ التعاون وتبادل المنافع وفق اساسيات التكتل، اي الانفتاح باتجاه خلق نظام امن اقليمي يفتح قنوات التواصل والاتصال بينها وبين جيرانها دون ان يمس جوهر الكينونة القومية والدينية والمذهبية لجميع الدول القائمة.
البعض يهمل احد اهم الجوانب الايجابية لقيام دولة كوردية ويركز على السلبيات متناسياً ان ثنائية التكوين والوجود هي قانون الحياة فالخير والشر والباطل والحق والاسود والابيض ثنائية موجودة وتحكم ديمومة الحياة واستمرارها فلا عجب اذن ان كانت هناك سلبيات في قيام ووجود الدولة الكوردية بل العجب في اهمال الجوانب الايجابية الكثيرة والمهمة. منها على سبيل المثال لا الحصر، ان ظهور الدولة الكوردية سيسهم في تعزيز استقرار وسلام وامن المنطقة ويوفر طاقات وقدرات اضافية في مجال البحث من اجل ابعاد المنطقة عن التوتر والازمات الى جانب ان قيامها سيرقى الى مستوى التكفير الانساني عن واحدة من سيئات ومساوئ العصر اقترفت تحت ظل الاندفاع المتوحش باتجاه المصالح الانانية.
والمثير للدهشة ان البعض من الكتاب يكتفي بالجزء الظاهر من الحالة الكوردية ويهمل ماغطس منها تحت المياه الراكدة. وهذا يمثل المستقبل بكل ما ينطوي عليه من مفاجآت وتطورات ومتغيرات نوعية تتجاوز ظواهر ومظاهر عناصر القوة وحيثيات الوجود ومصادر صنع القرارات وتيارات التأثير الفعال فلو قارنا مثلا بين ما كان عليه الوضع في الدول المحيطة بالقضية الكوردية وبين ما هو عليه الان على المستويين الداخلي والدولي لوجدنا ان ثمة متغيرات كثيرة حصلت يأتي في مقدمتها استعداد متنام لدى دول وشعوب المنطقة لتفهم القضية الكوردية بأطاريها الانساني والموضوعي.
وقد اسهم هذا التنامي في الوعي في تعزيز المسار الكوردي الموصل الى تحقيق الهدف وفق سياق متوازن غير مستعجل. فالكورد لا يريدون ان يكونوا خصوما او اعداء لشعوب يكنون لهم كل الود والحب وتجمعهم واياهم الكثير من الخصائص والمزايا والصفات. وهم لا يتجاهلون محددات الواقع التي فرضت عليهم صيغا تتسم بالعمل المتواصل والمستمر من اجل تسويغ هدف قيام الدولة الكوردية على كامل التراب الكوردي دون اهمال معوقات الواقع في اطار من العقلانية.
وتعكس تجربتي مع الكورد والتي يبلغ عمرها اكثر من اربعين عاماً، ان الكورد يتحدثون بمبدئية ومصداقية عالية حول حقهم في قيام الدولة الكوردية بوضوح وصراحة تامتين دون اللجوء الى اساليب التضليل والكذب واللف والدوران واذكر بهذا الصدد اني شاهدت خارطة كوردستان الكبرى في مصنع كان يتخذ منه الملا مصطفى البارزاني مقراً له، وقد كانت الخارطة تختفي خلف ستارة وعندما استأذنته في الاشارة اليها في الموضوع الذي نشرته في التآخي رفض باصرار مشيراً الى ان عمر هذه الخارطة اكثر من ثلاثين سنة في ذلك الوقت 25/ 2/ 1972 مؤكداً ان القيادة الكوردية تعمل وفق قاعدة (اعمل لدنياك كأنك تعيش ابد الدهر واعمل لاخرتك كأنك تموت غداً) نعمل وفق الممكن الان ولاننسى ان لنا هدف اكبر. نجعل من الحاضر سلماً للمستقبل وذلك لن يكون الا عندما نحسن التصرف بالحاضر باعتباره طريقنا الوحيد للوصول الى الغد المنشود.
وفي صيف عام 1973 جمعتني مائدة الغداء بالراحل المرحوم ادريس البارزاني وكنت بمعية شهيد الصحافة المرحوم دارا توفيق في حاج عمران ودار الحديث حول الكثير من المحاور ذات الصلة بالواقع المعاش في ذلك الحين واذكر هنا بعضا مما قاله وبالحرف الواحد:
نحن عراقيون الان وفي المستقبل المنظور ونعتز بعراقيتنا لذلك نحرص على تعميق الوعي لدى الطرف الاخر بادراك حقنا في ان نكون مواطنين على قدم المساواة مع اخواننا في الوسط. مع ايماننا ان المشكلة في هذه القضية تكمن في غياب الديمقراطية فمتى ما توفر المناخ الديمقراطي الحقيقي امكن تجاوز محنة الفصل العنصري والتطهير العرقي.
وهذا ما نسعى اليه حالياً اما المستقبل الابعد فهذا امر مرهون بظروف واوضاع اخرى تتصل بدول يوجد فيها الكورد ولا تتوقف مشاكل صقل التواصل باتجاه تحقيق الهدف عند رفض هذه الدول لفكرة اعطاء حق تقرير المصير للكورد والتخلي عن نهج الضم القسري وحسب، بل وايضاً بالكورد انفسهم، فالعدو لم يتوقف عند مسألة الضم القسري وحسب، بل اتجه كذلك الى طمس الهوية فحول اللهجات في اللغة الكوردية الى لغات وسرق الانتماء القومي بان حاول التتريك والتعريب والتفريس.
وزيف التاريخ بان جعل الوقائع والاحداث جزءا من تاريخ هذه الدول ومع ذلك لم ينس الكورد انتماءهم ولا نسوا حقهم في تقرير مصيرهم لذلك نحن هنا في العراق نعمل على المضي في تعزيز وتكريس انتمائنا للعراق الذي هو بعض ما فيه ينتمي للامة الكوردية وبعض ما فيه ينتمي للامة العربية ولا تقاطع او تعارض في ذلك.
وكما يفعل اخوتنا العرب فالعمل الوطني لديهم قومي، والعمل القومي وطني، نحن كذلك عملنا الوطني قومي يصب باتجاه جعل تجربتنا معينا لا ينضب للاخرين من اشقائنا الكورد فنحن لا نريد التدخل هنا او هناك غير ان احداً لا يملك قدرة منع اشعاعات نجاحاتنا من الوصول الى الاخرين في بقاع كوردستان الكبرى.
Taakhi