الرئيسية » مقالات » الكل أضحى وطنيا وحريصا على العراق حتى …

الكل أضحى وطنيا وحريصا على العراق حتى …

نقلت بعض وسائل الأعلام العربية عن البعثي العتيد والمخضرم “أياد علاوي” قوله يوم الخميس الماضي : “إن بعض بنود مسودة الاتفاقية التي قدمت للمجلس السياسي للأمن الوطني، غامضة ولا تحوي بعض العبارات الواردة فيها أي تفاصيل” كاشفا النقاب “أن نسختها الانجليزية تختلف عن العربية، مما يجعلها عرضة للتأويل”.
هذا الكشف المهم وصل اليه “علاوي” بعد مرور حوالي ثمانية أشهر من نشر مقال في بعض المواقع العراقية والغربية تحت عنوان “تباين الأتفاقية الأمنية وحقائقها” لأحد الكتاب العراقين المخلصين والوطنيين كشف خلالها النقاب عن جوانب متعددة من الأتفاقية التي تختلف كثيرا فيها النسخة العربية عن الأصلية الانجليزية مما دفع بالمخابرات المركزية الأميركية ل”هكر” بعض تلك المواقع بعد حوالي عشرة أيام من نشر المقال وأرسال تهديدات بمطاردة الكاتب دوليا مالم يكشف عن مصادر حصوله على النسخة الأصلية للأتفاقية تلك التي لم يكشف النقاب عنها آنذاك حتى للمسؤولين العراقيين .
وأنا هنا لست بصدد الكتابة عن ذلك المقال وكاتبه الوطني الذي هو ضمن مجموعة من الكتاب العراقيين المؤمنين المخلصين الذي نذروا أنفسهم من أجل العراق وشعبه ومقدساته طيلة الأشهر الماضية ومنذ اللحظة الأولى من الاعلان عن نية المحتل الأميركي التوقيع على مثل هذه الأتفاقية الخيانية المذلة ، حيث تحملوا الكثير من أجل ذلك بما فيه التهديد بالقتل وتعرض البعض منهم لمحاولات الأغتيال فأستشهد أحدهم وأصيب بعضهم بجروح أرقدتهم الفراش لفترة من الزمن وسأكشف النقاب عن خفايا الأتفاقية الأمنية وعمل هذه المجموعة الشريفة في هذا الأطار ضمن دراسة سأنشرها بعد الأنتهاء منها قريبا بعون الله تعالى .
لكن ما أثار حفيظتي على تصريحات “علاوي” هذه أنها تزامنت مع التصعيد الأعلامي بتهديدات أميركية لحكومة المالكي باستبدالها بحكومة انقلاب عسكري يقودها “أياد علاوي” بمعية “طارق الهاشمي” و”ظافر العاني” و”عدنان الباججي” وكبار القادة العسكريين من أزلام النظام الدموي المقبور .
كما أنها جاءت متزامنة مع تهديدات وتحفظات وزير الدفاع الاميركي “روبرت غيتس” عن “تحفظ كبير” في واشنطن على ادخال تعديلات على مسودة الاتفاقية الامنية مع العراق كما طالب الحكومة العراقية وحذر من “عواقب وخيمة” لغياب اتفاق ينظم وجود القوات الاميركية في العراق خاصة وأن “علاوي” أدعى في تصريحاته الأخيرة هذه أنه.. “أخبر السفير الأميركي في العراقي رايان كروكرأن هناك فرقا كبيرا بين المصطلحات والكلمات الواردة في النسختين، وسأله أيهما ستعتمد الحكومة الأميركية”، مبينا أن كروكر أكد له أنه سيتم اعتماد النسختين العربية والإنجليزية”!!.
وتزامن ذلك ايضا مع اعلان الوساطة البريطانية على خط المفاوضات لتقريب وجهات النظر بين العراق والولايات المتحدة كم صرح به “بيل براميل” وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا أمام مجموعة صغيرة من الصحافيين البريطانيين والعرب في مقر وزارة الخارجية البريطانية، بعد عودته من زيارة الى العراق شملت بغداد والبصرة ، حيث قال:ان الحكومتين البريطانية والعراقية قد تنجزان أتفاقا أمنيا مماثلا بينهما قبل انجاز الاتفاق المذكور بين العراق والولايات المتحدة مبررا ذلك بأن”عدد القوات البريطانية الموجودة في العراق أقل بكثير”، مشيراً الى ان المحادثات بهذا الشأن تتواصل بين الفريقين البريطاني والعراقي، ومشدداً على أهمية انجاز هذا الاتفاق قبل 25 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، اي قبل انتهاء تفويض الأمم المتحدة للقوات المتعددة الجنسية في العراق في 31 كانون الأول 2008.
وجاء هذا التحذير من أعتى بعثي وعميل للمخابرات المركزية الأميركية في وقت شهدت العاصمة بغداد اجراء مباحثات بين نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي والسفير الأميركي لدى العراق “رايان كروكر” تضمن تداول آخر التطورات والمستجدات على الساحة العراقية بما في ذلك مطالبة مجلس الوزراء العراقي بادخال تعديلات وصفها بأنها ضروريه على مسودة الاتفاقية الامنية المزمع ابرامها مع واشنطن بما يجعلها مقبولة من جميع الاطراف .. من دون ان يحدد طبيعة التعديلات التي يرغب باجرائها على مسودة الاتفاقية .
وشدد “علاوي” الذي يؤكد دعمه لهذه الأتفاقية خلال تذكيره هذا لحكومة المالكي على ضرورة أن “تتدارك الحكومة العراقية هذا الأمر بأسرع وقت، حتى يتسنى للشعب والكتل السياسية في العراق معرفة الاتفاقية بمحتواها الحقيقي الذي كتب باللغة الإنجليزية!!”، شدد مدعيا للشارع العراقي أنه هو البعثي العتيد أكثر حرصا ووعيا من اولئك الذين أنتخبهم المواطن العراقي لأخلاصهم وجهادهم وحنكتهم وسياستهم التي تضع مصلحة العراق في الصدارة خلال أنتخابات ديمقرطية وحرة !!.
هذه المسألة تذكرنا بقرار مجلس الأمن الشهير رقم/242/ بخصوص القضية الفلسطينية، والذي خلق اشكالية كبيرة حتى يومنا هذا بين طرفي النزاع ؛ بسبب الخلاف حول حرفين فقط؛ إذ وردت كلمة “أراضٍ” بدون الألف واللام في النسخة الانجليزية في حين وردت بالألف واللام”الأراض” في العربية وادعى المقبور”أنور السادات” وبعد توقيعه على أتفاقية الذل والعار”كامب ديفيد” بأنه أول من أكد وجود اختلاف في الترجمة العربية للنسخة الانجليزية لقرار مجلس الأمن الدولي /242/!، في حين رأيناه كيف كان أول المهرولين للتسوية مع العدو الصهيوني ومصافحة يده الملطخة بدماء الأبرياء .
وجاءت تصريحات “علاوي” هذه دفعا وتعزيزا لما قاله وزير الدفاع الاميركي “لم نقفل الباب الا انني اقول اننا على وشك اقفاله” مهددا بأن “هناك تحفظا كبيرا على مزيد من العمل على المشروع” لدى الجانب الاميركي لان الحكومة اجرت مشاورات بشأن الاتفاق الحالي مع الكونغرس و”انه اتفاق جيد لنا ولهم” مدعيا ان النص الانجليزي للأتفاقية هو الذي “يحمي سيادة العراق” ، ليزيد هذا العميل القديم الضغوط على الحكومة العراقية المنتخبة كما اوضح “غيتس” ذلك حيث قال ان “عدم وجود اتفاق حول وضع القوات الاميركية في العراق او حتى عدم تجديد تفويض الامم المتحدة ستكون لهما عواقب وخيمة”. واضاف ان “الوقت يمر ويجب ان نتحرك قبل ان يداهمنا الوقت”!!.
ويفترض ان ينظم هذا الاتفاق المثير للجدل الوجود الاميركي في العراق بعد العام 2008 مع انتهاء تفويض مجلس الامن الدولي في 31 كانون الاول/ديسمبر المقبل. حيث ينص مشروع الاتفاق الامني المزعوم بين بغداد وواشنطن على انسحاب الجيش الاميركي من المدن والقرى في موعد لا يتعدى حزيران/يونيو 2009 بينما تنسحب جميع القوات في تاريخ لا يتعدى 30 كانون الاول/ديسمبر 2011.
كما أن هذه التصريحات والتهديدات جاءت متزامنة مع اعترافات لشخصيات بارزة في صفوف المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، بارتكاب أخطاء جسيمة فيما يتعلق بحرب العراق نشرتها صحيفة “دي تسايت” الألمانية الأسبوعية يوم الخميس والتي أكدوا فيها : “لم يكن لدينا أدنى فكرة عن العراق .. لم يكن لدينا فكرة عن احتمال حدوث حرب داخلية يمكن أن يدبرها أزلام النظام البائد والأرهابيون”.
وفي هذا الاطار قال خبير الدفاع “ريتشارد بيرل” وهو احدى الشخصيات البارزة في معسكر المحافظين الجدد، في تصريحاته للصحيفة نفسها:” لم نكن لنصدق مطلقا أن نفسد الأمر بهذه الطريقة”.
يذكر أن “وولفوفيتز” و”بيرل” كانا من الشخصيات التي أيدت الرئيس الأميركي “جورج بوش” في حربه ضد العراق عام 2003، علما أن بيرل كان يشغل آنذاك منصب مدير “مجلس سياسة الدفاع” في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).
كما انضم “دوغلاس فيث” الموظف المرموق في البنتاغون، الى صفوف منتقدي حرب العراق، بعد 5 أعوام من اندلاعها، ليعترف قائلا :”دفعنا ثمنا باهظا، ولكن هذا لم يكن بسبب الحرب، وإنما بسبب سيرها بشكل سيء”.