الرئيسية » مقالات » السّجين – قصة قصيرة

السّجين – قصة قصيرة

1
– الذئبُ

من أين ستدري أن العربة ستجأرُ فوقك!
وأنت المغرمُ بالخلوةِ يا صاح
يسكرُك الشجرُ المتراص
يزهرُ بالأصفر، وقلبُك يعطرُه شذاه!
كنت ظمئا لربيعٍ تتوالدُ نسائِمُه
فأتاك المتفوقُ مع صحبِه!
حطَموا الظلالَ
ومع عجلاتِ الجيبِ دارت زوبعةُ الرمال
في ثنايا دَغَلِ الأكاسيا المتبقي!
آخرُ مشهدٍ لعينيك كان سربُ يمام
شقّ الأغصان!
وأصفادُ النايلون بدأت تتوحشُ داخلَ لحمِك!
صغيرتُك إلى العربةِ جاءت، تبكي، وتدخلُ صدرَك!
والمتفوقُ يتصايحُ فوقَك:
– جننتني!
في حشرجةِ الجهازِ اسمُك يأتي ويروحُ!
وعقلُك لم يفهم!
عقلُك في الصراخِ انخضَّ
أنت في كيسِ الخيشِ خروفٌ مذبوح!
والمتفوّقُ يسبُّ دينَك على ظهرِكَ، ويلهَث!
وصورتُه في السوقِ جاءت لحظَتها
كذئبٍ دخلَ صبيحتها، يزحف!
بين البسطاتِ تحطبَ وجهُه، وفمه توحش على السيجارِ!

2- المخيم

هي الهيجاءُ الأخيرة!
والناظرُ يصرخُ:
– يا مجنون!
وكتابُ التاريخِ يهيجُ، يصفقُ صفحاتِه، ومن راحتيك يرحلُ، ينفلتُ كصقرٍ إلى السلكِ الشاهقِ، وهناك يرقدُ!
الناسُ كانت تهزُّ الأسلاكَ، وفي العينين الدمعُ ترقرق!
والحجارةُ طارت فوقَ العرباتِ، كسكاكين كانت بحواف تترنّح!
وسقط الولدُ سهَيلٌ، فزأرَ المخيمُ، الصفيحُ اهتزّ لينفخَ في الصّورِ!
والشمسُ جنّت لحظتَها، ضَربت فوقَ المخيمِ ضربَتها، فضخّت الأزقةَ كلَّ الناسِ، صارت أنابيبَ، صارت الأزقةُ أفرعَ نهر!
– ممنوع التجوّل!
ممنوع
يا أهالي مخيم جباليا
ممنو
ع
مكبرُ الصوت هدر للمرةِ الألف، لكنّ العبادَ في الثكنة الرهيبة توغلوا، وبأظافرِهم أكلوا الأسلاك!

3 – العربة

في رئتيك حريقٌ طارد
والمتفوقُ ترفعُه حفرُ الطريق
ليعودَ إليك!
عجلات عربة الجيب تزمجرُ
ليأخذك المجنونُ في سفرٍ طويل!
قررتَ القتالَ، فجمعتَ تحته صدرَك، ثمّ أطلقتَه
لتستردَ عضلةً زاغت في الجنب
ارتفع المتفوقُ فوقكَ، ثمّ هوى
فعدت بالشهقةِ تدفعه، ليسقطَه الزفيرُ!
وسمعتَه وهو يلطمُك:
– من أسبوع أطارد في دينك!
فعادت إليك صورته في كلِّ الزوايا يلاحِقُكَ، أكنت غبيا إلى ذاك الحدِّ؟
توقف المحركُ، فجاء طويُّ الموج، واللَّغطُ خالطَه الطنينُ، ثمّ للحظاتٍ عمّ صَمت، حاولتَ تخمينَ المكان، لكنَّهم أوقعوك، فدكّ الإسفلتُ عظمَك، ومن مساماتِ الخيشِ لمحتَ حذاءَ المتفوقِ يأتيك، من ساقِك جرّك، ثمّ رفعَك، فدقك حديدٌ جديد، وأنفُك المخنوقٌ تشمّم رائحةَ شاحنةٍ هائلة، وهدرَ المحركُ، ليمتدّ السفرُ:
أيّ مصيبةٍ كانوا يدبرون؟
بعد زمنٍ توقفوا، والمتفوقُ حمَلك؛ ليعيدَك ثانيةً إلى عربةٍ الجيب!

4- الشقّة

أنزلوكَ، فسمعتَ خوارا، ويهوديٌّ بفأسٍ على كومةِ تبنٍ تراءى!
أمّا المتفوقُ فحمَلك، ليلهثَ تحتك، صعد بك سلما خمنتَه بلا انعطافٍ، وانحرفَ في صريرِ بابٍ، وبعد خطواتٍ قذفك، ليهوى بأنفاسِه عليكَ، ربّط ساقيك بتورمِ كفيكَ، ثمّ كلّك بساقِ سرير، جعلكَ المتفوقُ قفة، تهوي في بحرِ الدهشةِ، ثمّ نفّضَ كفيه من عرقِكَ، ومضى!
دقائقُ كدهرٍ مرّت، وجاء زعيقُ أولادٍ من الخارج، وأقدامٌ فجأة جثمت،
نزع الكيسَ، وقال:
– أهلا!
ناعما أصفر، يزمُّ السبابةَ على الإبهامٍ، ودفعةً واحدة صاح:
– أنت مختطف حبيبي، في شقّةٍ لأقوى مخابرات في العالم!
راودتك رغبةُ تسليكٍ لحلقِك المسدودِ ببصقة!
– وما في حكي، اعترافك أو موتك!
هزّ أصابَعه ومطّ الكلمات:
– موت بلا جنازة!
مكثوا يعوون وأنت صنمٌ، تقف على ساقٍ، أو تنزلقُ وذراعاك تحتك، قدماك فوقك، وعيناك في الكيسِ تحتك، تبحثان عن قرار، هم يزمجرون، وأنت تستدعي اللهَ، فيزودُك اللهُ بسكينةِ قلبِك، َ ضجيجُ الكونِ يلفُك، فأمسكت مليا بعقلك، لتراقصَ متزنا ذاك الجنون!

5- البغلُ

سقفُ زنزانةِ سجنِ المَجدلِ تراهُ يهوي، والجدرانُ كانت ملطخةً كأفاعٍ تسبح!
والباب كجبل بكوّةَِ عينٍ لا تنفرجُ في أعلاهُ!
ويشخصُ رجلانِ فيكَ، غليظٌ كبرميلٍ، وآخرُ مثل جرادة!
قبل أن يدفعَك اليهوديُّ، خلع الكيسَ عن رأسِك، لكنَّ الدنيا ظلت زجاجة بعنق ينقفل!
والظهرُ على باب الزنزانة انزلق!
في المخيمِ قالوا:
قبوُّ المجدلِ مصيدةُ من لا يعترفُ!
هل النزيلان هنا هما المصيدةُ؟
تفرستَ في ترقبهما، وانتظرت هجمةَ الاثنينِ، فقررتَ المبادرةَ!
قلتَ: تقفزُ، فتخصيَ الفحلَ، وتتركُ الجرادةَ لبعضِ الوقتِ!
سألاك عن اسمِك
فقلتَ: معلمٌ مخطوفٌ!
وقلتَ: مجلوبٌ من شقةٍ في عالمٍ مجهولٍ!
كنتَ تريدُ نشرَ خبرِك لخلقٍ اللهِ!
حتى لو في المصيدةِ!
لكنّ عيونَهم فيكَ اتسعت!
هل تندمُ على البوحِ؟
عند جلبِك إلى السجنِ صلبوك في بقعةِ ركنٍ آسنةٍ، فهاجمت قدميكَ جيوشُ بعوضٍ، صرت تمثالا أعمىً بقدمين مخدتين، دملين عظيمين، ترفعُ ساقا لتحكَّ الأخرى، ومع الوقتِ التقطتَ مؤذنَ السجنِ، فطويتَ مع الصوتِ الأوقاتِ، تحسِبُها!
في الشقةِ تباروا عليك، قالوا:
ستموت!
ولمّا صرختَ في قبضاتِهم؛ قهقه واحد:
– ما في جنازة سندفنك بلا تشييع!
أيذبحونك بسكينٍ؟ أم في الليلِ يعيدونَك ، إلى أغصانِ الأكاسيا، ويطلقونَ الحبةَ علي رأسِكَ؟
حشدُ البعوضِ أسوأُ ما في الدنيا، هل دلقوا الماءَ عن قصدٍ، ليهريَ البعوضُ بدنَك؟ وماذا عن فضلِ هذا الصوتِ؟ أيسكتون المؤذنَ؟ أم يقطعونَ أذنيكَ؟
في يومٍ صرختَ، نسيتَ صوتَك، فقلتَ تسمعََهُ!
فهاجَ عليكَ حارسٌ:
– اسكت
ارتحت لكسرِ الصمتِ، وصرختَ:
– أنا منذ ليال لم آكل!
دقّ ظهرك، وبعد وقتٍ عاد:
– أنت…؟
فاكتشفتَ أنّ في الدنيا غيرُك!
في ليلِ الزنزانةِ صرَّ بابُ الحراسِ، كانت ليلةَ سبتٍ، والمحققون بإجازتِهم ينعمونَ!
عبرَ خلفَكم صراخُ سجينٍ، وحارسٌ صاحَ:
– قل لحضرة الضابط!
وقال القادم:
– ماذا أقول؟
– قل من سرق البغل!
ووصلتكم شخرةُ القادمِ:
– خخخخ والله!
– أنت سرقت البغل؟
– البغغغغغل!
شبعوا ضحكا، ثمّ عاد الصمتُ!
لكنّ الجارَ الجديدَ طرقَ الجدارَ:
– يا شباب
– من الكريم؟
ذكر اسمَه، فعرفه النزيلانِ!
طلب سيجارةً، فقضيتُم الليلَ تنادون، شتمَ السجانُ عربَكم، وملوكَكُم، لكنّ الكّوةَ فُتحت، وأطلّ بوجهٍ كالضبعٍ، نقل هديتَكم، وعاد السجنُ يمارسُ الصمتَ!
لكنَّ الجارَ أذهلكُم بأهازيجَ رقّصّت الجدرانَ أيامًا!
ورفيقاك يكرران السؤال دومًا عن هجمتِك المقررةِ عليهما!
فتسرد تفاصيلَ خطتِك، وفي ضَحِكٍ هستيريٍّ تغرقونَ، فينفجرُ الصوتُ الآمرُ في الخارجِ مثقلا برائحةِ عطنِ السجنِ:
– اسكُت