الرئيسية » مقالات » إقليم كوردستان في الخطاب العربي(8)

إقليم كوردستان في الخطاب العربي(8)

الكتابة فعل ثقافي تواصلي بين الكاتب والمتلقي (الجمهور) والغاية من عملية التواصل هذه؛ أن تأخذ المتلقي إلى عوالم وسويات فكرية (عقائدية) يعتقد الكاتب بصوابيتها وصدقيتها وأحقيتها في الحياة. ولكن هل هي حقاً – أي الكتابة – هكذا دائماً و(على طول الخط) والمسيرة التاريخية لها تؤكد وكما يقال: “بأن التاريخ سطرها وكتبها المنتصرون” أي وفق رؤاهم وغاياتهم وما يتفق ومصالحهم؛ إن كانت تلك المصالح شخصية ذاتوية أو عامة تتعلق بأيديولوجيا ما (دينية – قومية – سياسية.. الخ). نقول – وللأسف، وكما لكل كينونةٍ ظلالها – فإن للكتابة أيضاً ظلالها ومناطقها الرمادية، بل الرطبة العفنة و.. إنطلاقاً من هذه القناعة، فإننا نحاول أن نلقي ببعض الضوء والحرارة على هذه الأماكن المظلمة، في محاولةٍ منا – ومساهمةً مع الآخرين – لأن نقلص من دائرة هذه الأماكن المتعفنة و.. منها كانت سلسلة مقالاتنا هذه؛ إن كانت سلسلة “إقليم كوردستان في الخطاب العربي” أو “القضية الكوردية والخطاب العربي”.

وها نحن نتناول في هذه الحلقة (كاتباً جديداً) – والجديد هنا بمعنى إننا نتناوله لأول مرة في معرض ردنا على هؤلاء وليس بمعنى الجديد في الفكر والطرح؛ أي بالمعنى التقدمي والمستقبلي – وهو (أي كاتبنا الجديد) يحاول يكتب التاريخ والواقع وحقائق الحياة على مقاسه وتحت عنوان “سياسة ان لم تكن معنا فأنت عربي قومجي” منشورة على موقع (كتابات) لصاحبها (إياد الزاملي)؛ الصحيفة المتخصصة بشتم كل من ليس “عروبي قومجي” فها هو (صاحبنا) يبدأ مقاله بمقولة: “اصبحت العروبه بعد 2003 اي بعد احتلال العراق تهمه تلقي بصاحبها الى سجن الجادريه او الى احدى سجون الإحتلال او الى سجن بوكا او ابو غريب او سجن قله جولان” وذلك في إشارة واضحة إلى أن الانتماء إلى العروبة أصبحت تهمة جاهزة وخطيرة في العراق (المحتل)؛ بدليل أنها تودي بصاحبها إلى السجن و.. ما أكثر سجون بلداننا، بل إنها تفوق جامعاتنا ومدارسنا بأكثر من الكثير.

إننا لن نناقشه بصدقية هذه المقولة أو عدمها و.. الواقع السياسي العراقي ليست بدائرة مغلقة، أو (كهف علي بابا وأربعين حرامي) – كما هي محببة للبعض بأن يسمونها بذلك – وبالتالي إلى من (يضرب المندل) لكشف المستور والوقوف على الوقائع والحقائق السياسية وما يجري داخل البلد، بل وبفضل الثورة المعلوماتية بات دواخل بيوتنا مكشوفةً للعالم، على الرغم من المناطق الخضراء والصفراء والخطوط الحمر و إلى ما هنالك من دوائر ومناطق محرمة وممنوعة على (المشاة من الاقتراب منها). ولكن سنناقشه ضمن هذه القناعة المشكوكة أصلاً في مصداقيتها، ونسأله: لما بات العروبة – والإسلام كذلك – من التهم الخطيرة، والتي تودي بأصحابها إلى أقبية الزنازين والمعتقلات من غونتنامو إلى قله جولان – حسب رأي كاتبنا ذاك – ألا يدعوا هذا للوقوف ملياً عندها ومحاولة فهم حيثياتها وأسبابها ودوافعها و.. منطلقاتها النظرية والفكرية (الناصرية البعثية) والتي تذكرنا بالنازية والفاشية والشعب الألماني ما زال يدفع ضريبة تلك الحقبة السوداء من تاريخها و.. للتاريخ عِبَرِها ودروسها، لمن يريد أن يُعتبر.

بالتأكيد هناك بون شاسع بين مصطلحي العرب والعروبة؛ فالعرب كشعب وأثنية تاريخية ثقافية حضارية لا يمكن حشرها وقوقعتها – المقولة والمصطلح وليس الشعب العربي بالتأكيد – في مفردة أو مقولة العروبة وفلسفتها ومبادئها النظرية والتي تمثلها تيارين سياسيين عريضين هما الناصرية والبعثية وكذلك بعض الدول والحكام المعروفين باستبدادهم وقمعهم لشعوبهم – من العرب قبل (الأقليات) العرقية والدينية الأخرى – وذلك ابتداءً بمصر العربية وثورتها الناصرية وانتهاءً بالعراق مع الطاغية الصدامية المقبورة مروراً بسوريا وديكتاتوريات آل الأسد و(الحاشية الأمنية) ومن دون أن يغيب عن الذاكرة جمهوريات القهر العروبي في كلٍ من ليبيا والجزائر والسودان و.. غيرها من الدول التي تُسيّر وفق (نظرية العروبة) ومشيئة (الحاكم/الطاغية) وبالتالي أن تعيش المنطقة أزمات وحروب عدة وبأوجهها المتعددة؛ دينية (طائفية مذهبية) أو عرقية أتنية وحتى سياسية أيديولوجية وها هي بعض التفصيل؛ فمن قضية دارفور في السودان والأمازيغ في دول المغرب العربي والأقباط في مصر إلى الصراع الطائفي السني الشيعي والتي أذكتها العروبية البعثية (الصدامية والأسدية) وناهيك عن القضية الكوردية في كل من سوريا والعراق؛ (حاملي لواء البعث والعروبة).

أمن بعد كل هذا التراكم والإرث الإجرامي بحق شعوب هذه البلدان – وبمختلف أطيافها وتكويناتها العرقية والدينية والسياسية – والتي عاشت وتعيش تحت لواء العروبة والتمجيد لها، أليس من حق تلك الشعوب، بل والعالم بأسره أن يتخوف من هكذا عقلية استبدادية عنصرية وشوفينية وأن تحاصرها وتحاربها، كما حاربت كل من العقلية النازية والفاشية في كل من ألمانيا وإيطاليا والتي كانت من نتائجها الملايين من الضحايا البشرية، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية المالية. وبالتأكيد لا يعنى الخوف من (نظرية العروبة) ومحاربتها أن الشعب العربي مهدد في كيانه ووجوده وهويته العرقية، بل تعني محاربة نظرية وعقلية أًسست وتؤسس للنظرية العنصرية في تفوق عرق وجنس بشري ما على غيره من الأعراق كأي نظرية عرقية أخرى، أي مثلها مثل الكمالية الطورانية في تركيا والنازية في ألمانيا – كما أسلفنا قبل قليل – وهكذا فعلينا وعلى العالم أن تُمحي آثار ونتائج هذه المدرسة والفلسفة العروبوية وما خلفت من كوارث وقضايا عالقة والبحث عن البدائل والحلول لتلك المشاكل.

أما بخصوص ما يكتبه ذاك الدعي بخصوص الكورد ومصطلح “الكوردايتي” وبأنه “ليس بعيداً عن الفرس والأمريكان وعملائهم ممن ينفذون اجنداتهم الخاصه والذي لايؤمنون بشيئ اسمه عراق او عروبه, فإننا نجد (اكراد الحزبين) يمجدون مايسمى (بالكوردايتي) وهي كلمه استحدثوها مؤخراً في مقابل العروبه عند العرب, وقد كتبوا تاريخاً جديداً يتحدث عن اوهام واباطيل وثّقوها ولقنوها للشعب الكردي البسيط ليعتقد بحقه في شيئ هو ليس من حقه, وعلموه تأريخاً لم يكن سوى مجرد هذيانات واوهام مُسَطَره على الورق..”. فإننا نقول له: نعم الكوردايتي هي نوع من التقوقع الأتني الداخلي وفي الهوية العنصرية (من العنصر)، تماماً كمفهوم العروبة في بداياتها القومية، متأثرةً بالمستعمر الأجنبي في بدايات القرن الماضي وأواسطه ومقاوٍمةً له في الآن ذاته وهي حالة ثقافية حضارية مقاومة ومن حق كل الأمم أن تناضل للحفاظ على كينونتها وهويتها وديمومتها؛ أي أنها في الجانب الإيجابي للخصوصية وتكوينات الهوية. ولكن عندما تتحول الحالة من مسألة بلورة الهوية الثقافية الحضارية لعنصر ومكون عرقي ما – الكورد مثلاً ومن خلال الكوردايتي – إلى نوع من مدرسة فكرية وفلسفة عقائدية تحاول صهر كل المكونات العرقية الأخرى في كوردستان كالكلدوآشوريين والتركمان وغيرهم في بوتقتها، وذلك من خلال الأنفال والمقابر الجماعية، فبأس الكوردايتي تلك وإلى بأس المصير وعلى العالم أن تحارب تلك الآفة عندها.

وأيضاً هناك العديد من النقاط الأخرى والتي يثيرها في معرض كلامه من قبيل “كتبوا تاريخاً جديداً (أي الكورد، توضيح من كاتب المقال) يتحدث عن اوهام واباطيل وثّقوها ولقنوها للشعب الكردي البسيط ليعتقد بحقه في شيئ هو ليس من حقه.. الخ”. وذلك من دون أن يوضح ما هي تلك الحقوق التي يطالبها الكورد من هؤلاء العروبيين وغيرهم وهم يستكثرونها على ذاك (الكردي الدعي) و.. هكذا فإن أقل ما يمكن أن يقال هنا: بأننا لسنا بحاجة للرد عليه، بل فقط نود أن نؤكد بأن الكورد في العراق هم جزء من الدولة العراقية الفدرالية ولها (أي للعراق) دستورها الفدرالي المدني الديمقراطي وليس العروبي البعثي، وعلى ضوء ما يقره الدستور والبرلمان والهيئات التشريعية الأخرى، تكون الحقوق وبالتالي فهي المحك العملي لحقوق الكورد وغيرهم من المكونات العراقية ولا يهم الكورد كثيراً ما كُتب ويُكتب بخصوص تاريخه من أمثال هكذا أبواق عروبية تبكي على ماضيها الإجرامي التليد.

وأخيراً يأتي ليتناول إقليم كوردستان ليبث دعايات وأقوال، أقل ما يمكن أن يقال عنها، بأنها إدعاءات غير صادقة، فيكتب: “كما يرفض (اكراد الحزبين) ان يكون العراق عربياً ضمن الامه العربيه بينما يكتبون في ما يسمى بدستورهم ان الكرد جزء من الامه الكرديه, ويقولون ان العروبه هي سبب مأساتهم وهي سبب الغاء هويتهم, في وقت يفرضون على الآشوريين ان يكونوا كرداً من خلال تكريدهم وتهجيرهم من اراضيهم بالقوه والحيله وبكل الوسائل, والرافض منهم لذلك فهو متهم بتهمة موالاة العروبه والعرب, وماحدث اخيراً مع الآشوريون من تهجير وقتل انما ذلك عمل منظم هدفه اخلاء منطقة سهل نينوى منهم ليسهل ضمها الى اقليم مسعود..”. بدايةً قلنا بأنه غير صادق في ادعاءاته وها هو يؤكد على ذلك من خلال افترائه بأن الكورد يرفضون “ان يكون العراق عربياً ضمن الامه العربيه”. فهو عن جهل أو لغايةٍ في نفسه؛ يعتبر العراق (عربياً)، نقطة على السطر وأنتهى. وهكذا من دون أن يعطي المجال والهواء لغير المكونات أن تعبر عن وجودها وكينونتها وهويتها وبالتالي فالمعادلة العراقية عنده من الدرجة الأولى (البسيطة) بمعنى؛ (أنت عراقي فأنت عربي) وإذاً فالعراق جزء من الأمة والجغرافيا العربية ولا كورد وكوردستان، ولا من (يفرحون) بها. ثانياً: نوضح له ولمن يلتبس الأمر عليهم، بل لكل أولئك الذين يحورون الطرح الكوردي عن قصدٍ ولغايات التشويه والتشويش، ونقول لهم: بأن الكورد يعتبرون الجزء والإقليم العربي في العراق هو جزء من الجغرافيا العربية والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية، كما أن كوردستان جزء من جغرافية كوردستان الكبرى المحتلة والمغتصبة من قبل دول عدة في المنطقة وشعبها الكوردي (أي الكورد في إقليم كوردستان العراق وليس كل الكوردستانيين في الإقليم؛ حيث هناك التركمان والكلدوآشوريين وغيرهم) هم جزء من الشعب والأمة الكوردية، فأين هذا الطرح مما يطرحه هو في مقاله البائس ذاك.

أما ما يتعلق بخصوص (تهجير الآشوريين من سهل نينوى) وما تم إثارته في وسائل الإعلام مؤخراً بخصوص الأخوة المسيحيين في الموصل وغيرهم من المناطق، فإننا كتبنا حول الموضوع – مقالنا: “جهينة في الموصل” – كما كتب غيرنا ولا حاجة للعودة وتكرار الموضوع ولكن فقط نذكره بأن الكورد الأيزيديين والشبك، بل الكورد بشكلٍ عام وقبل غيرهم قد تعرضوا في الموصل وبغداد، مثلهم مثل غيرهم من مكونات العراق، وحتى في الإقليم إلى هكذا أعمال إجرامية للقاعدة والجماعات السلفية، فهل كان الأسايش والبشمركة وراء تلك العمليات الإجرامية، أم أصحاب النظرية العروبية وغيرها كالقاعدية (من القاعدة) والصدراوية (من التيار الصدري) والزرقاوية وقبلهم البعثية الصدامية. وبالتالي فإن الكورد ومؤسساتهم الأمنية والعسكرية والسياسية وعلى رأسهم حكومة الإقليم براء من تلك الجرائم والمآسي بحق الأخوة المسيحيين وغيرهم، فالكورد وتاريخياً كانوا دائماً الضحية والقربان وليس الجلاد والطاغية و.. يكفي إقليم كوردستان (العراق) بأنها تحتضن كل المكونات العراقية – بمن فيهم الأخوة العرب والهاربين من بقية المناطق العربية ومن جحيم الصراعات الطائفية المذهبية والأيديولوجية السياسية – وإن التعايش الأخوي الذي نجده بين كل المكونات العراقية في (عه نكاوه) بعاصمة الإقليم – مثلاً وواقعاً معاشاً – لكافية بالرد على كل هذه الإفتراءات والإدعاءات الباطلة والعارية من الحقيقة تماماً، ولن نزيد.. فالواقع أبلغ من الكتابة.

هولير – 2008