الرئيسية » مقالات » الحقائق الناصعة في عملية الهروب من سجن الحلة4 -الرسالة الرابعة

الحقائق الناصعة في عملية الهروب من سجن الحلة4 -الرسالة الرابعة

تقع الصيدلية قرب القلعة الجديدة وهي بناية منعزلة تقع في يسار ساحة القلعة ضمن ممر ضيق يحتوي على خمسة غرف صغيرة اثنان يمينا واثنان يسارا والخامسة في عمق الممر وبابها الرئيسي قبالة الساحة وهي الصيدلية التي كانت سابقا من ملحقات المستشفى الصغير الخاص بمعالجة السجناء المرضى ويمكن أنها كانت مستعملة حمامات أو مطبخ لوجود مجرى اكتشفناه بعد الحفر وهو ما سنشير إليه في محله،وفي نهاية البناية من جانبي الصيدلية يمينا ويسارا قاعتين كبيرتين،وفي داخلهما باب خشبي يؤدي الى غرفة الصيدلية،لكن البابين قد ألغيتا وأغلقتا بشكل محكم بعد أن تحولت المستشفى الى قاعة للسجناء،ومساحة الصيدلية لا تزيد على متران ونصف الى ثلاثة أمتار ويفصل بناية غرفة الصيدلية عن السياج الرئيسي للسجن مسافة 13-14 متر،وخلف السياج الرئيسي للسجن مباشرة وملاصق له مرآب لسيارات النقل بين المحافظة والمدن الأخرى.

وبفعل هذه المزايا لموقع الصيدلية كانت هي موضع الاختيار سواء في المحاولة الأولى عام 1964 أو المحاولة الثانية عام 1967 ،وكان الفقيد حسين سلطان قد استوحى فكرة الموقع والطريقة من مناضلين سبقوه،وهو ا تأكد لنا بعد العمل فعلا إذ عثرنا على ما أخبرنا به أبو علي من وجود حفر سابق وبقايا ملابس وبطانية استعملت في ردم الحفرة،وهو ما أكده علي عرمش وناصر حسين،وعقيل حبش،وأكده أبو علي في أول لقاء لنا بعد ستة أعوام من الهروب أي عام 1973 عندما كنت أعمل في مقر

منظمة بغداد للحزب في عرصات الهندية ثم في مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في ساحة عقبة بن نافع،وحدثني عن الكثير من القضايا التي تتعلق بالنفق والتي لم يستطيع الحديث بها في السجن بفعل الالتزامات الصارمة وضرورات الصيانة وقد وردت تلك القضايا في مذكراته التي نشرها نجله الأخ خالد ولا حاجة لتكرارها هنا،وأود أن أشير هنا الى أن الفقيد حسين سلطان ليس بحاجة للتبجح بعمل لم يقم به لأن تاريخه السابق عبر عقود في الحزب يجعله ليس بحاجة لمثل هذه الأمجاد فما شيد من مجد وما يتمتع به من مكانة تجعله فوق هذه الصغائر التي يترفع عنها الشيوعيين ناهيك عن قادتهم المعروفين بالصدق والأمانة والخلق الكريم.

وعلى أي حال فقد بدأنا العمل في النفق،ولا أرى من الضرورة التحدث عن دور كل رفيق من الرفاق المشاركين في العملية سواء في التنفيذ أو الأشراف لأن من طبيعتي أن لا أتسرع بالكلام وأمقت التهويل والمبالغة في وصف دوري ودور الآخرين،لأن المشاركة لوحدها هي دليل الشرف والسؤدد والثقة العالية بذلك الرفيق أن يكلف بمهمة سرية في انكشافها مخاطر كبيرة،وقد بدأنا العمل بروح رفاقية حميمة وإرادة شيوعية لا تثنيها الصعاب،ومعنويات عالية وتفاؤل بالنجاح،وجهد كل منا مكمل للآخر مهما كان بسيطا،ووحدتنا هي التي أنجزت المهمة،ومهدت الطريق لهروب هذا العدد الذي لولا ألانشقاق لتمكنا من تهريب ما يزيد على المائة سجين شيوعي،وكان جميع العاملين متفانون في تنفيذ مهماتهم والغبطة تملأ قلوبهم والسعادة تغمرهم رغم المعوقات والمشاكل التي واجهتهم في مختلف المراحل أثناء العملية،وكنا نردد أغاني الحزب وأناشيده الثورية لإثارة الحماسة وروح التضحية والصبر،ولتخفيف أعباء العمل وحرارة جو النفق الخالي من الأوكسجين،لأننا على موعد مع الحرية ولم يكن هناك أي اختلاف أو تعارض في وجهات النظر،وكان الهدف الأسمى هو الخروج للمشاركة في النضال والعمل بين الجماهير،واستمر العمل حتى أواسط أيلول 1967،وقد التقطت لفريق الأشراف والتنفيذ صور شخصية لتنظيم هويات ،وكذلك للرفاق الذين قررت المنظمة هروبهم،وقد التقطت لنا الصور في غرفة صغيرة في القلعة الوسطى،وللأسف لا يحضرني أسم الرفيق الذي التقط الصور ولكن كان حسين ياسين وحافظ رسن من ضمن الحاضرين.

وكان العمل يجري بسرية وكتمان شديدين حتى أن الرفاق الين قررت المنظمة هروبهم لا يعلمون أي شيء عن فريق الأشراف والتنفيذ ولا حتى مكان النفق،ومن أهم المشاكل والمعوقات التي واجهتنا في عملنا هي كيفية التخلص من التراب المستخرج من النفق ،فالغرفة الصغيرة لا تستوعب كميات التراب الكثيرة المستخرجة لأن الضلع من جهة اليسار فيه فوهة النفق،والضلع الثاني هو باب الصيدلية الرئيسي ومنها الدخول والخروج،بقي ضلعان فقط أحدهما امتلأ بالتراب حتى السقف تقريبا بعد أن وضعناه في بطانيات خيطت على شكل أكياس،أما الضلع الآخر من جهة اليمين فقد صنعنا له صندوق كبير على طول الضلع من الخشب والفايبر المعاكس،وكدسنا فيه التراب،وضلت هذه المشكلة تواجهنا وطرحناها على حافظ رسن الذي كان على اتصال يومي مع الرفيق حسين سلطان وتزويده بتقرير شفهي عن آخر التطورات وما وصلت إليه عملية النفق،وقد تم بعد ذلك التنسيق مع أدارة السجن من خلال ممثل السجناء على جلب ثلاثة أحمال لاستعمالها في تحصين سقف كابينة المكوى والمقهى التي تنفذ منها مياه الأمطار،وكان ذلك لغرض التمويه على أدارة السجن والتخلص من التراب باستعماله لهذا الغرض،وقمنا فعلا بجلب التراب أنا وكمال وفاضل الى المقهى في وضح النهار،وفي الليل قمنا بنقل التراب من النفق الى المقهى بترتيب خفارة ليلية فاضل وعقيل ساعة ثم حسين ياسين وكاتب السطور ساعة ثانية،ولم تنهي معضلة التراب فقمنا بعد أن ضاقت السبل بملأ العلب الفارغة من التاييد والحليب بالتراب ورميها في حاويات الأوساخ لينقلها المنظفون صباح كل يوم خارج السجن في الأماكن المخصصة للقمامة.

وكانت كثير من العقبات تعترض طريقنا بشكل يومي ،لكن وحدة الإرادة والعمل الجماعي كفيل بتذليلها،وكنا نتدارس تلك المقترحات مع حافظ رسن وبدوره ينقلها الى الرفيق حسين ياسين،وكنت أشاهدهما يلتقيان يوميا ويأخذان الساحة ذهابا وإيابا ليناقشان الأمر ويجدان الحل الملائم له.

وكان العمل يجري بشكل منظم والتزامات صارمة بسرية العمل وتفان لإنجاز المهمة وليس هناك أي تفكير أو نوايا سلبية ولكن كانت محاولات مقصودة أو غير مقصودة قد جرت وكادت تعصف بأحلامنا وآمالنا،لكن الإرادة والتصميم ومحاولة تجاوز السلبيات كانت أقوى فأجهضت تلك المحاولات،ومنها على ما أتذكر أننا فوجئنا ذات يوم شديد الحرارة بزيارة مدير السجون العام الجديد وبعد لقاء لجنة التنظيم معه وطرح مطالب السجناء رفض المدير العام تلك المطالب،ثم قام بجولة يستطلع فيها أوضاع السجن عامة يصحبه مدير السجن والمأمور وعدد من الحراس وعلى غير العادة المتبعة لم يرافقه ممثل السجناء،وابتدأ جولته من القلعة القديمة – الوسطى- ثم جاء الى القلعة الجديدة،واتجه الى الممر الذي تقع فيه غرفة النفق،وكنا نرقب بقلق شديد ما سيحدث خشية أن يطلب فتح باب الصيدلية فتقع الكارثة ،وتضيع كل الجهود المبذولة،وتتبدد الآمال في اللحاق بالحزب،لحظات من الفزع والخوف والترقب،وما أن لمست يداه القفل الصغير الذي على الباب حتى شعرت بالدوار في رأسي وكدت أصرخ لكني تماسكت،وكان الى جانبي فاضل ،والحقيقة كان فاضل هادئا وأكثر تماسكا مني،وسأل المدير أحد مرافقيه عن الغرفة فأجابه أنها غرفة تواليت مهجورة،فرفع المدير يديه عن القفل وعاد من حيث أنى،وكانت فرحة لا توصف غمرت الجميع وكأننا منا في حالة اشتباك مع العدو وتحقق فها نصرا عظيما،ومن فرط فرحتي ناديت السجناء المتواجدين في الساحة :تعالوا أشربوا الشاي على حسابي،ولم يكن السجناء يدركون سبب فرحتي.

بهذه الروح الرفاقية الشيوعية وبهذا التماسك والأيمان جرى العمل حتى أواخر أيلول وفي هذه الفترة أعلن ألانشقاق الخطير والكبير الذي قاده (رمزي) عزيز الحاج أو ما يسمى بالقيادة المركزية المؤقتة،فكانت الكارثة حيث أنقسم الحزب وتمزقت أو تشتت تنظيماته وأضعفته أمام العدو،وكان لهذا ألانقسام والتمزق انعكاساته المباشرة على السجناء السياسيين في جميع السجون العراقية،ومنها نحن في سجن الحلة،وكان ألانشقاق والنفق على وشك النهاية.

وقف السجن على قدميه كما يقال،نقاشات ساخنة حادة من الصباح حتى المساء،بل وساعات متأخرة من الليل،واحتدمت الصراعات وتطورت الى مشاجرات أتسمت بالعنف،ونتيجة تلك المشاحنات والانفعالات والتوترات العصبية توقف العمل في النفق،وسادت الفوضى العارمة في السجن،غابت الروح الرفاقية،وتغلبت الأنانية وحب الذات،وإزاء هذه الفوضى العارمة التي سادت السجن،اتخذت المنظمة الحزبية قرار بأجراء استفتاء عام لكل السجناء وتحديد موقف كل منهم بحرية وقناعة تامة في أن يكون الرفيق مع أي جهة يرى فيها الحق والصواب،وكان هذا القرار –الاستفتاء- من المنظمة الحزبية التي يقودها حسين سلطان،وقد وضع هذا ألاستفتاء حدا لحالة الفوضى والمهاترات والمشاحنات،وعاد الهدوء الى السجن بعد أن انقسمت المنظمة الحزبية الى منظمتين على النحو التالي،منظمة الحزب بقيادة الرفيق حسين سلطان وصاحب الحميري وعبد الأمير سعيد وجميل منير ولطيف حسن الحمامي ،والمنشقين من الشاعر مظفر النواب وحسين ياسين وحافظ رسن،وكان قد أنحاز الى المنشقين ستة من العاملين في النفق من مجموع السبعة ولم يبق مع الحزب من هذه المجموعة إلا كاتب السطور،الأمر الذي أثار غضب واستياء المجموعة على جدو حتى بذل حسين ياسين عدة محاولات لإقناعي بالانضمام إليهم،ورفضت مما جعله ينفعل ويقول لي :الم تكن هذه وجهة نظرك التي كنت تطرحها وتنتقد الحزب .قلت له :وما زلت أنتقد الحزب على بعض مواقفه ولكن ذلك ليس الانشقاق،لأني أرى في الانشقاق عمل تخريبي يخدم عدونا المشترك.

وكانت محاولات حسين ياسين هذه في التأثير علي وكسبي الى جانبهم يهدف في الأساس الى عزل الحزب عن عملية حفر النفق،وبالتالي الانفراد به لوحدهم على أنهم الذين خططوا لها ونفذوها ولا علاقة للحزب بها،إذ لم يبقى مع المجموعة من الحزب سواي،ولذا حاول المنشقون أبعادي عن العملية بأي طريقة.

بعد عودة الهدوء واستتباب أوضاع السجن جرى أتفاق بين المنظمة الحزبية والمنشقين على العودة الى العمل في النفق لإنجاز ما تبقى منه وهو بحدود ثلاثة أمتار وكان ذلك في أوائل تشرين الأول عام 1967.