الرئيسية » مقالات » الأنماط الروائية العربية كما يراها شكري الماضي :

الأنماط الروائية العربية كما يراها شكري الماضي :

من خلال طرحه لأسئلة مهمة حول الرواية العربية عموما استطاع الناقد الدكتور شكري عزيز الماضي في كتابه الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية والمعنون ب ” أنماط الرواية العربية الجديدة ” أن يتلمس واقع الرواية العربية ويبحث في ظروف نشرها ومدى قدرتها على المساهمة في تطور الأدب العربي والثقافة العربية عموما .


فهذه الأسئلة التي افتتح بها كتابه من مثل : ما المقصود بالرواية العربية الجديدة ؟ وخصائصها وأنساقها ؟ وفلسفتها الجمالية والعلاقة بين منطقها الفني ومنطوقها … ؟ وغيرها من الأسئلة المهمة في مشوار أي ناقد يريد أن يدرس نصا أو أكثر بين يديه ليمنحه حقه من الإحاطة والنقد ويبتعد عن السطحية في النقد الذي ابتلي به نقدنا العربي الحديث .

يستدعي الناقد هذه الأسئلة ليسبر أغوار كل كتاب روائي ينقده ويكتب عنه . فمنطق النقد البناء يستدعي استحضار معرفة واسعة بالنظريات الأدبية العربية والغربية وقراءة متأنية وكثيفة للعديد من الروايات العربية والغربية على السواء . فهذه القراءة تعطي للناقد إمكانية الكتابة بأريحية دون مركب نقص وكذلك تمنحه القدرة على الرد على من ينكر عليه قراءته ونقده لرواية معينة .

إن النقد الصريح والقادر على إضافة جديدة في مجال الدراسات الأدبية يساهم في خلق دينامية جديدة في مجال الأدب العربي ، وجعله يطور من نفسه دون السقوط في التكرار والتقليد والابتداع في الكتابة والنهج على غرار كتابات غربية موجودة .

وما يثير الاهتمام في كتاب الناقد المذكور هو تحديده للرواية التقليدية التي يمثلها الكثيرون في عالمنا العربي مهيمنين على حقل الرواية لعقود مضت ولم تفقد حضورها إلا بعد أن استنفذت أغراضها ، بحيث ساهمت – كما يذكر المؤلف – في إلانة اللغة وتخليصها من قيود السجع والبلاغة الشكلية فمالت إلى لغة نثرية قادرة على الوصف والتجديد والتحليل والتصوير ، إضافة إلى خلقها لقاعدة من القراء للرواية والبحث عنها وكسب جمهور واسع لها .

وأما رؤيته للرواية الحديثة فهي تصميم يجسد رؤية وثوقية للعامل ، وهي قد ظهرت نتيجة لعوامل عديدة منها أنها تلبية للحاجات الجمالية الاجتماعية المستجدة أي بحثا عن العصرنة المجتمعية والثقافية . ويرى الناقد أن التجديد والتحديث في الرواية لا يقتصر على التغيير في الأسلوب ، ولا يعني التزيين والزخرف وإضافة الأصباغ والألوان ، بمعنى أن الأديب الكاتب يبحث عن أدوات تمكنه وتزيد من قدراته على التعبير عن علاقة الإنسان بواقعه المتغير المستجد . ويرى الناقد أن هذا النوع من الرواية يسعى إلى التعبير عن العلاقات الاجتماعية القائمة . أو الإسهام في خلق علاقات جديدة ، بمعنى أنها تسعى إلى خلق رؤية فنية جديدة قادرة على تغيير رؤية القاريء إلى الرواية التي قرأها منذ عقود ودأب على نوع واحد من الكتابة الروائية النمطية التي لم تستطع أن تغير من أسلوبها إلا قليلا .

منطلق الناقد في هذا الكتاب النقدي المتميز هو تجسيد مفهوم لدى القاريء والمتلقي يقول بأن الرواية عمل فني لا شريحة من الحياة أو الواقع ، وأن الصياغة الفنية في الرواية التي توجد بين يدي القاريء تعني أكثر مما يعني المحتوى . ولذلك فقد ذهب إلى البحث عن الفنيات والتقنيات والأساليب واستخلاص الدلالات الفنية الجزئية والمباديء والقيم الجمالية الكاملة في ثنايا التفاصيل البنائية والتشكيلات اللغوية . هذه الرؤية عند الناقد تقوده إلى البحث المضني في كل رواية ومنطقها الفني .

وفي دراسة لروايات إميل حبيبي تحدث الناقد عن المفارقات ومجالاتها وميادينها وتوليدها في كتابات الروائي المذكور ، بحيث أن كتابات حبيبي الروائية تعرض للقضية الفلسطينية بتشابكاتها وتعقيداتها وأبعادها من حيث الدين والأخلاق والسياسة والتاريخ والحب والقهر الاجتماعي والوطني والاضطهاد العنصري ، ورغم أن هذه الثضية قد كتب فيها الكثيرون وعنها ألفت الكتب العظيمة فإن روايات حبيبي استطاعت أن تعالج القضية من كل جوانبها وأبعادها المختلفة دون تقصير أو استبعاد لأي بعد . والمفارقة في روايات حبيبي على مستوى الموضوع أو الشخصية فهي محتمة التوليد والتواجد ولذلك فإن أغلب رواياته لم تخرج عن هذه المسلمة .

درس الناقد رواية إميل حبيبي ” الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل ” دراسة مستفيضة من حيث الشكل والبناء ومن حيث الموضوع الذي يعبر عن أزمة من أزمات وجودنا المعاصر . فهي غنية بأفكارها وأحداثها وشخصياتها وتوازياتها وتقنياتها ….

ومن حيث بنية السرد الغنائي استحضر الناقد رواية الكاتب الروائي سليم بركات ” هاته عاليا ، هات النفير على آخره ” التي تتميز حسب رايه دائما بالانحراف المتكرر في مجرى السرد من حيث أنها تتعمد الانتقالات المقصودة من تعليق إلى وصف إلى تذكر إلى تأملات متعالية إلى نمو استعاري شعري ، ومن مكان إلى آخر ، ومن شخصية إلى ثانية ، …. وهنا نتفق مع الناقد في أن هذه الانتقالات المتعمدة تقود إلى تشوه في مجرى السرد الأصلي بحيث أننا نجد أنفسنا أمام قصص متعددة في قصة واحدة أو لنقل أمام صور منفصلة غير متصلة فيما بينها وأن مجال اتصالها الوحيد هو السارد فقط . ودليل الناقد على هذا هو أن تلخيص الرواية صعب وغير ممكن مادامت لا تتوفر على موضوع وحدث محوري واحد .

وفي انتقاله إلى رواية ” مملكة الغرباء ” لإلياس خوري استطاع الناقد أن يبحث فيها عن الدوائر الدلالية لبنية السرد من حيث استنادها إلى المباديء الجمالية الجديدة في رؤية العلاقة بين الأدب والواقع وبين المادة المتخيلة والمادة التاريخية ، وبين النص والمتلقي . إن رواية ” مملكة الغرباء ” قد جسدت حقائق فنية جديدة وخفية من خلال الومضات واللقطات الفنية المبعثرة والانحرافات السردية التي قادت إلى الاهتمام بالموقف الاجتماعي والسياسي الذي تتخذه شخصياتها في صياغة علاقة مع القراء . وفي رؤية الناقد فإن البناء الروائي يتكون من عدة مشاهد لا يفصل بين واحد منها وآخر رقم أو عنوان أو أي إشارة موحيا بوجود صلة بينها . وفي بحثه عن هذه الدوائر الدلالية في الرواية فقد وجدها في عدة محاور حددها في العنوان والبناء الروائي ومشاهد الرواية والانحرافات الروائية وتعدد الأصوات والخاتمة أو النهاية المألوفة ثم أخيرا رؤيتها الفنية والجمالية .

وفي تطرقه لبينة السرد الفسيفسائي فإن الناقد شكري الماضي قد استحضر رواية ” النخاس ” لصلاح الدين بوجاه والتي تجسد بوضوح لونا خاصا من ألوان الرواية الجديدة نطلق عليه اسم الرواية الفسيفسائية ، بحيث أنها رواية تتصف بالمرونة والانسيابية ، كل فصل فيها يتكون من ومضات منوعة ولقطات سردية وأخرى وصفية متعددة .

إن رواية ” أنت منذ اليوم ” لتيسير سبول تعتبر من علامات الطريق في مسار الرواية العربية ، بحيث أنها امتازت بتصوير أزمن من أزمات وجودنا المعاصر ، وبأنها تضيف جديدا على صعيد البنية السردية أو الشكل . هذه الرواية التي تقف عند هزيمة يونيو وتهدف إلى إلقاء الضوء على أسبابها ، وتخاطب القاريء وتهدف إلى تنمية قدراته على تفسير الظواهر العادية . ويرى المؤلف أيضا أنها تعتمد على جماليات التفكك أي التجاوز والتوازي والتزامن ، ملتجئة إلى الرموز المتناثرة .

وأما رواية ” هيليوبوليس ” للأديبة مي التلمساني فالناقد يرى أنها رواية جديدة ببنائها ومادتها وفلسفتها وأسلوبها وهدفها . ومن هنا يمكننا أن نعتبر أن هذه الرواية تختلف عما درسه شكري الماضي من الروايات الآنفة الذكر ، بحيث أن نجاح الرواية يكمن في اهتمام القاريء بها وجعله يقظا أكثر من حرصها على تسليته وإمتاعه ، أي أن هذه الرواية استطاعت أن تدحض فكرة أن قراءة الرواية الهدف منها هو الإمتاع والتسلية ، بل أكثر من ذلك هو الاهتمام والبحث عن الهدف من كتابتها وإخراجها إلى حيز الوجود .

ويرى المؤلف في رواية ” وردة للوقت المغربي ” للكاتب أحمد المديني أنها رواية ترفض بعنف التقاليد السردية وتتمرد على الفلسفة الجمالية للرواية الحديثة ، بل تطمح إلى تأسيس مفهوم جديد للكتابة بحد ذاتها وهي رؤية صائبة إذا ما قرأنا لأحمد المديني الذي يريد أن يذهب في كتاباته إلى هذا الاتجاه . بحيث أن النص الروائي المذكور يعي أهمية السؤال : أين الرواية ؟ ومتى تأتي ؟ وكيف تأتي ؟ . ويرى أيضا أن العلاقة بين السارد والجماعة علاقة توتر وتنافر . بل يعتبر الرواية لونا خاصا من ألوان الرواية الجديدة ، يندرج في إطار التجريب وهي نص صادم ومتعب للقاريء يستند إلى مفاهيم جديدة للرواية والأدب عامة .

وفي تجربة فاضل العزاوي في روايته ” الديناصور الأخير ” التي وجدها أنها رواية تتمرد على كل المعايير الجمالية المعروفة وتطمح إلى تحطيم المعايير التقدية المتداولة . وهي رواية قصيدة لأنها تتكون من مقاطع على شكل قصائد ولقطات فنية كأنها أناشيد مبعثرة ومتناثرة ومفككة وغير مترابطة ، فلكل نشيد شخوصه وأحداثه وتقنياته . مما يعطي الحق للناقد أن يدمجها في مصاف الرواية العربية الجديدة التي تتمرد على معايير الكتابة المألوفة .

وتبقى رواية ” حارس المدينة الضائعة ” لإبراهيم نصر الله التي تثير أسئلة أدبية ونقدية عديدة بمعنى السرد والعلاقة بين المتخيل والواقعي ، وفلسفة الشكل وجماليات التلقي . ويذهب في هذا الجزء من الكتاب إلى تحديد نمط كل سمة على حدة ودوافع الكتابة الجمالية عند صاحب الرواية محددا المكونات البنائية للرواية وصورها الفنية والجمالية .

يذكر أن روايات الطاهر وطار قد لقيت رواجا واهتماما لدى القراء وقراءة متميزة من طرف الباحثين والنقاد العرب ، والطاهر وطار أديب مجدد يتصف بالجرأة والبحث عن أساليب جديدة في الكتابة الأدبية لخلق جمهور قاريء ومهتم . وفي هذا الإطار بحث الناقد عن هذه السمات لدى الكاتب المذكور في رواياته وخاصة ” الشمعة والدهليز ” التي تعتبر تجسيدا لجماليات التفكك والتبعثر والتشتت والتناثر . بحيث أنها تنفتح على التراث العربي الإسلامي والإنساني وعلى أزمنة عديدة وأمكنة لا حصر لها تتداخل وتتشابك مع اللحظة المصورة في سبيل إقامة حوار خفي بين الماضي والحاضر .

وللأمانة الأدبية والتاريخية فإن هذا الكتاب يعتبر إضافة نوعية لمجال النقد العربي بامتياز ورؤية جديدة من ناقد عربي استطاع أن يخلق جوا للنقاش وحيزا هاما لإبداء الرأي في روايات عربية معروفة ولكتاب تركوا بصماتهم الأدبية في الساحة الثقافية العربية .

لقد أبدع الدكتور شكري الماضي في مؤلفه هذا باختياره لهذه الروايات الجميلة والجديدة في أسلوبها الفني والجمالي وفي تقنياتها ومعاييرها وإطاراتها الأدبية ، وكذلك لقدرة كتابها على التمرد على المألوف في كتابة الرواية وبالخصوص الكاتب المغربي أحمد المديني في روايته ” وردة للوقت المغربي ” وفاضل العزاوي في روايته ” الديناصور الأخير ” .

إن قراءة هذا الكتاب تدعو إلى مراجعة العديد من الكتابات النقدية التي كتبت عن هذه الروايات ومناقشتها ومقارنتها مع رؤية الناقد ومحاولة توضيح المختلف معها . وقد أشار المؤلف إلى هذا الأمر في خاتمة الكتاب وهذا ما تفترضه الرؤية النقدية والأدبية .

عزيز العرباوي
كاتب مغربي