الرئيسية » مقالات » الاعلام العربي وجرعات الكورتيزون

الاعلام العربي وجرعات الكورتيزون

اعتاد بعض اطباء العظام ان يزرقوا المرضى بابر الكورتيزون شديدة الاثر وسريعة المفعول , وماأن يغادر المريض دكتوره المعالج حتى تسري في جسده ادوية الكورتيزون الفعالة , ويدب النشاط في جسمه المتهالك , وتبدا عملية الدعاية من المريض للطبيب المعالج قائلا : ذهبت ميتا وعدت حصانا , وليكتشف بعد فترة ان الكورتيزون اكل عظامه باعتبار الكورتيزون يؤدي الى هشاشة العظام ‘ وليتحول بعدها الحصان الى نعجة محطمة تمشي حبوا , وبالحقيقة لايختلف اعلامنا المرئي والمكتوب عن حالة مريضنا سالف الذكر والذي وعلى مايبدو انه تلقى جرعات قاتلة من الكورتيزون اصبح فيه الاعلام العربي بلا عظام في ادق مراحل الامة , بل وفي المرحلة التي اصبح فيها الاعلام صناعة من اهم الصناعات , وجرعة الكورتيزون بدأت وبشكل فعلي مع نشوء الفضائيات العربية وتصدرت قناة الجزيرة لائحة هذه القنوات باعتبارها قناة اخبارية , اعتمدت على مجموعة متميزة من الاعلامين الذين قدموا للمشاهد العلابي حزمة من الاصلاحات الاعلامية دفعة واحدة , بعد ان قرف المواطن من الاعلام الحكومي الهادف والهايف في ان معا , والذي هو صورة متكررة في كل البلدان العربية للاعلام الذي يصور الحاكم ربا واحدا يعبد , وكان ظهور فيصل القاسم في برنامجه الاتجاه المعاكس وتناوله مشاكل هامة من مشاكل الامة والتي كانت حراما على الفرد العربي والاعلام العربي كان في الواقع ظهورا مدهشا , الى جانب تلك الاتصالات التليفونية المباشرة ليتكامل النقد التلفزيوني ويتناغم مع صرخة الشارع والتي سعدت بسماع بل ورؤية اشخاص من لحم ودم , ينزلون هذه الفئة الحاكمة من عروشها لتحاكم ميدانيا , بل واخذ بعض هؤلاء الحكام يسمع باذنيه الكثير من سباب الشارع وهو امر في عرف السياسة العربية لايحتمل الصبر , وادت تلك السياسة مع دعم الامير القطري لها ومعه رئيس وزرائه وعرابه في الدولة , ادت الى ازمات مع تلك الحكومات وصلت الى درجة القطيعة الديبلوماسية مع دولة الراي الحر في ذلك الحين امارة قطر , والى جانب الاتجاه المعاكس برز دور برنامج الشريعة والحياة والتي احسنت اختيار وانتقاء رجل العلم الدكتور الشيخ القرضاوي , والذي اوصل صورة الاسلام الى المواطن البسيط والذي تحكم الحاكم في دينه ,ووجد في الشريعة ومن خلال الشيخ القرضاوي تلك الصورة اللينة والسهلة للدين الاسلامي والذي وصل ونجح بفضل الوسطية الشديدة التي يتحلى بها شيخ فاضل اكرمه الله ان يكون ابرز عالم في عصر الفضائيات , واوصل رسالته باحسن مايستطيع وكان ومازال يعطي للمسلمين مما اعطاه الله ووهبه من علم غزير , اضافة للمكانة الكبيرة التي حملها الشيخ بتاريخ نضالي طويل اوصلته درجة ان يعرض عليه اهم منصب في تاريخ الحركات السياسية الاسلامية والاكثر تنظيما , وهو منصب المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين في مصرقبل تشيعها والتي تعتبر اما لباقي التنظيمات السياسية في العالم الاسلامي , والى جانب هؤلاء برز دور البرنامج الاخر وهو برنامج الراي والراي الاخر والذي قدمه سامي حداد , والذي يتمتع بموهبة عجيبة في ادارة الحوار المتنوع والتملص من المواقف الدقيقة التي تعصف احيانا بين المتحاورين والتحول وبسرعة الى طرف اخر , اضافة الى خامة ثقافية واسعة الطيف موشورية الالوان , وكان في قناة الجزيرة برامج اخرى لاتقل حيوة عن التي عرضت , واروع مافيها كان نشرات الاخبار المتقنة الصنع والتي بدت صورة متقدمة للاعلام الغربي المتطور بلباسه العربي , ويغني نشرات الاخبار تلك مجموعة محترمة من المراسلين الذين نشروا في اقطار الارض بعناية , روعي فيها اهمية هذه الدول واهمية الاحداث التي تجري وتؤثر مباشرة بل وتثير اهتمام المستمع الفضائي , وكان نجاح فضائية الجزيرة ضربة ماحقة للاعلام الرسمي العربي والذي صفرت دكاكينه من المشاهد العربي والرسمي فكلاهما تابع تلك القناة الفريدة في وقتها بشغف او بحسد , او بنقد , وتصدرت قناة الجزيرة قوائم الترقيم في اجهزة التحكم البيتية , هذه القناة كانت الابرة القوية جدا من ابر الاعلام العربي الكورتيزوني , بل ومن الممكن القول انها كانت قفزة كبيرة في تطوير الاعلام العربي , ثم دبت الغيرة من البعض من نجاح قناة الجزيرة , وبدات سلسلة طويلة من المجوعات الفضائية , والتي درست بعناية اهمية شد المشاهد العربي اليها لابعاده عن قناة الجزيرة , وتوسعت تلك المشاريع وتوسع معها الافق الفضائي للمشاهد العربي والذي وجد نفسه غارقا وسط مجموعة هائلة من المحطات , وساهمت الكثير من المحطات في تحسين ورفع اعداد المشاهدين بواسطة رفع وتقصير الفساتين الى الاعلى والتي انكمشت حتى اصبحت بعض القنوات اقرب الى ممارسة المضاجعة الجنسية امام المشاهد العربي المسكين ليتسمر طوال الليل امام محطات عربية اسلامية اباحية حلال , تاركا ورائه كل مشاكل وقضايا الوطن خارج منزله كهم تخلص منه بعد وصول النعم الفضائية الى داخل سريره الفضائي , وتغيرت معها القيم والعادات السلوكية بواسطة وفضل هذا الاعلام الفضائي , وتحولت الهمهمات النسائية الى حديث علني بين الصواحب والصاحبات ليصفن خلاصة مشاهداتهن الليلية بكل صراحة ووضوح , لترتفع معها نسب الطلاق في مجتمعاتنا المحافظة الى ارقام لم تصل اليها اكثر امم الارض طلاقا , ولم تقف قنوات الاخباريات مكتوفة الايدي امام هذا التنافس الغير شريف في مجال شحط المشاهد العربي المحترم , ولهذا فقد تفننت تلك المحطات في اختيار المذيعات واستقدام خيرة الخبرات في مجال الماكياج والماكيير , وبات منظر المذيعة المتعرية منظرا عاديا في قنوات يمتلكها شيوخ في التسعينيات من عمرهم الطويل , ثم بدا الغزو المنظم لهذه القنوات في ادخال ودحش قليلي الخبرة في الاعلام العربي , والذي اعاد سقوطه , ليبدوا وكانه عاد ادراجه الاولى بل اسوا مما كان عليه , ولم تعد الحرفية والتخصص الاعلامي هو المطلوب , ويكفي ان ينظر المشاهد الى غسان بن جدو والذي عمل شبه مراسل حربي في حرب تموز , ويراه الى جانب صاروخ قصير المدى , ويتحدث عنه انه منطاد , ليقدم صورة واضحة عن غباء الاعلام العربي والاعلامي العربي الذي لايميز بين الصاروخ والمنطاد , وهذا في قناة الجزيرة فما ادراك عزيزي المشاهد عن القنوات الاخرى , ولهذا فقد تحول المشاهد العربي عن هذه القنوات وانصرف عنها لعودتها الى نفس النمط القديم , وتحولت قنوات عريقة جدا اسهمت في تطوير الانسان العربية ويشاهدها الملايين الى قناة لايشاهدها الالاف , بل وتحول بعض كتاب الجرائد الالكتروني الى كتاب يقرأ لهم مئات الالاف في الوقت الذي تترفع فيه الصحف عن نشر مقال صغير له في زوايا القراء , ومع هذا فان المشاهد والقاريء العربي على موعد جديد مع زرقات جديدة من الكورتيزون وربنا يستر .

د.محمد رحال. السويد