الرئيسية » مقالات » المثقف والسلطة والواقع العراقي الراهن

المثقف والسلطة والواقع العراقي الراهن

لم يختلف وضع المثقفة والمثقف في هذه المرحلة عن مراحل سابقة من تطور المجتمع العراقي والدولة العراقية , فهو موزع بين لصيق بالسلطة أو مؤيد ومنتقد لها في آن , وبين معارض بمستويات مختلفة أو معاد لها يريد الخلاص منها . وإذا كان المثقف أو المثقفة في العقود الأربعة التي سبقت سقوط النظام قد واجها استبداداً لا مثيل له في العراق سابقاً , فهما يمتلكان اليوم حرية نسبة في التعبير عما يريدان قوله و ولكن ليس لهما من يحمي حريتهما هذه. ومن هنا سقط للمثقفات والمثقفين عدد كبير من الشهداء الأبرار الذين اعتقدوا أن في مقدورهم التعبير عن وجهات نظرهم , فكان الموت بكاتم صوت بانتظارهم , ولن يكون الشهيد كامل عبد الله شياع آخر من استشهد على هذا الطريق.
الواقع الراهن بحاجة ماسة وملحة إلى دور المثقفة والمثقف لإيصال الفكر الحر والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية باعتبارها من المسائل التي لا غنى عنها أي مجتمع مدني ديمقراطي حديث ودولة مؤسسية ديمقراطية. فالمجتمع العراقي , ودون أي تجميل وتزويق أو رتوش خادعة , يعاني من أمراض شتى , أمراض نفسية وتربوية واجتماعية وتعقيدات عصبية كثيرة وذات أثر بالغ على حياته ونشاطه وحيويته وعلاقاته وأعماله اليومية , ذات أثر بالغ على علاقته بالدولة والسلطة السياسية وبالمجتمع عموماً. والمجتمع مبتلى منذ قرون بتركة دينية متخلفة وغير متنورة وثقيلة على عقله وتفكيره وحركته وقدرته على المبادرة والإبداع والتقدم. إذ كلما خطا خطوة إلى أمام تجده بفعل كل ذلك يتراجع خطوات إلى الوراء. فالمثقفة والمثقف حاجة ماسة للفرد والمجتمع وفي جميع مجالات الثقافة , ومعها التربية والتعليم.
وفي مقابل هذا تقف السلطة مهيمنة على الحياة العامة مانعة عملياً المثقفة والمثقف من أن يؤديا دوريهما في الحياة الثقافية اليومية. لا يأتي هذا المنع من خلال قرار يصدر عن مجلس النواب أو عن الحكومة مباشرة و بل هو ناشئ عن وجود آليات ومؤسسات تحرم المثقفة والمثقف من أداء هذا الدور. وعلينا أن نلاحظ ذلك من خلال واقع العراق الراهن:
1. يسود في العراق مجلس نواب , أغلب أعضائه من غير السياسيين المثقفين , ولو كانوا كذلك لما كانوا طائفيين سياسيين يهدرون الهوية الوطنية العراقية ويتشبثون بالهوية المذهبية , فهم من حيث المبدأ ضد الثقافة الديمقراطية الحرة. كما أن السياسيين المثقفين في المجلس إما يعيشون حالة التطويق الحزبي التي تفرض عليهم مواقف محددة لا ترتبط بتحكيم الضمير , بل بتحكم هذا الحزب أو ذاك في الموقف الذي يفترض أن يتخذه السياسي المثقف. ولكن هناك من المثقفات والمثقفين من يناضلوا من أجل أن يعي المجلس مهماته ودوره في مجال الثقافة ويفسح للثقافة مجالاً ومالاً ودعماً لكي تنمو وتتطور.
2. أغلب أعضاء الحكومة لا يؤدون واجبهم في وزاراتهم , وهم في الغالب الأعم (الثلثين منهم) ينتمون إلى أحزاب سياسية دينية تفرض عليهم مواقف محددة و كما أن وزارتهم مفرغة من المثقفات والمثقفين الديمقراطيين ويعملون وفق أجندة حزبية مذهبية ومليئة بالطائفيين من الأعضاء والمؤيدين. وبالتالي فأن رفضهم للثقافة الديمقراطية ما باب تحصيل حاصل كمن يخشى الطاعون.
3. وزارة الثقافة تشكو من انعدام الثقافة فيها , ومن فيها من مثقفات ومثقفين قلة يواجهون شتى الصعوبات والتهديدات أو ينتهون كما انتهى إليه المثقف البارز ومستشار الثقافة في الوزارة كامل عبد الله شياع , ولم يجد وكيل وزارة الثقافة أكثر من أن يقول لأهل الشهيد , لتسعد العائلة فقد مات شهيداً , ولكن وزير الثقافة تحميه ثلة كاملة من الحرس الحزبي المسلح تسليحاً حديثاً لكي لا يموت شهيدا وتسعد عائلته بذلك! (بعيد البله عنه)
4. المليشيات الطائفية المسلحة لمختلف الفصائل السياسية وقوى الإرهاب البعثية والقاعدة وغيرها تقف بالمرصاد منتظرة الأوامر لتنفيذها في تصفية حياة هذا المثقف أو ذاك أو أحد أفراد عائلته أو العائلة بكامل أفرادها انتقاماً منه لأنه كتب شيئاً أو تحدث بشيء ما أو كتب عن الفساد المالي والوظيفي أو انتقد جماعة من الجماعات الإسلامية السياسية المتنفذة. وهكذا فقدنا عشرات بل مئات الأساتذة والعلماء والأطباء والإعلاميين (من صحفيين وعاملين في قنوات التلفزة وغيرها) , ومن المثقفات والمثقفين الديمقراطيين والتقدميين على مدى السنوات الخمس المنصرمة.
5. حرمان الاتحادات الثقافية ودور الثقافة ومختلف الفنون الجميلة من رعاية وحماية وتمويل هذه المجالات مما يجعلها تعيش على الكفاف ويصعب عليها تحقيق الأهداف التي وضعتها على عاتقها و كما يحصل الآن لاتحاد الأدباء في العراق , رغم الصوت المرتفع دوماً لرئيس الاتحاد الأستاذ فاضل ثامر.
6. اضطرار الكثير من المثقفات والمثقفين العيش في الغربية وفي حالة يرثى لها من البؤس والفاقة والحرمان. وما نشر عن الفنان , الممثل والمخرج المسرحي المبدع , الأستاذ بدري حسون فريد , القابع في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها عدة أمتار مربعة , لينتظر مصيره , وهو أحد أعمدة المسرح والفن في العراق ممن تبقى من جيل الأستاذ الراحل جعفر السعدي , أو الأساتذة الكبار يوسف العاني وخليل شوقي ومنذر حلمي وسامي عبد الحميد ..الخ الذين نرجو لهم الصحة وطول العمر.
7. لا وجود لممولين في القطاع الخاص يهتمون بالثقافة والمبدعات والمبدعين إلا ما ندر , إذ لا يظهر مثل هؤلاء إلا في مجتمع مدني وديمقراطي حديث.
إن الثقافة في العراق تعيش محنة حقيقية في ظل هيمنة الأحزاب الإسلامية السياسية على السلطة وعلى المواقع السياسية والإدارية المتحكمة بالصرف المالي. ومن هذه المعاناة تنبع معاناة المثقفة والمثقف العراقي الديمقراطي الحر. ففي الوقت الذي تصرف مئات الملايين من أجل حماية الطقوس الدينية التي لا يقرها علماء المسلمين الشيعة الكبار ويعتبرونها مصيبة وكارثة على الدين , تحرم الثقافة مما هو ضروري لتمارس بعض مهماتها الأساسية في مجتمع هو بأمس الحاجة إلة نشاط حملة الثقافة الديمقراطية العراقية والذين ناضلوا بصلابة وعناد وتحملوا الكثير في ظل العهد الصدامي البغيض , ولا زالوا يعانون اليوم في ظل أوضاع أخرى , ولكن كما يقول المثل الشعبي “تعددت الأسباب والموت واحد”!

25/10/2008 كاظم حبيب