الرئيسية » مقالات » سيباستيان فاور 1903 الشيوعية التحررية

سيباستيان فاور 1903 الشيوعية التحررية

قلبك مفعم بالشفقة و الحزن لمنظر الآلام التي تجتاح البشرية , و من الحيرة و التغيرات التي تعذبها .
و قلبي كذلك . فما الذي فعلتيه , عندئذ , بهذا الصدد يا آنستي ؟
مثل كل أولئك الذين يعتقدون بضرورة و حتمية المؤسسات التي تحكمنا , فأنت لا تفكرين بالسؤال فيما إذا كانت كل هذه المجموعة من الشرور التي يئن البشر تحت وطأتها يمكن أن تعزى إلى نفس تلك المؤسسات أم لا . و دون أن يتغير موقفك الذي لا تشكين بصحته البتة إلى أولئك الذين يحاربوها , الذين يستنكرونها , و يعملون على استبدالها بترتيبات اجتماعية أخرى , و الذين تطلبين أنت منهم أن يتبرؤوا من العمل الشرير الذي ينجزونه . إنني يا آنستي واحد من هؤلاء العمال الشريرين , و إنني أرد عليك في عملي الدعائي , مبينا الأسباب التي أملك الحجة لأعتبرها حاسمة .

إنني أقول :

إن الإله ضلال , و أنا لم أعد أؤمن به بعد اليوم , إن الإله كذبة و نفاق , و أنا أحاربه , الإله هو الدين , و هذا لا يعزيني ( يقدم لي التعزية ) فقط , لكنه أيضا محنة أو ابتلاء , و هذا لا يمنح البشرية فقط السكينة و السرور , بل إنه قد كتب أكثر صفحات التاريخ ألما و دموية , و لهذا فإنني أحارب الدين .

إنني أقول :

الوطنية هي دوغما ( عقيدة جامدة ) جديدة . تظهر على أنقاض العقائد القديمة التي تنهار , إنها الإيمان الجديد , الضروري للسادة بحيث يمكنهم أن يحتفظوا بالسلاسل التي أعدوها للعبيد .

الوطنية هي الكراهية غير المبررة و الغبية لكل شيء ليس بجزء من الوطن الأم .

الوطنية هي الثكنات , هي الجيش , هي البروليتاريا في الزي العسكري و هي ترتكب المجازر , لصالح , و بأوامر , من الطبقة الرأسمالية , إنها البروليتاريا في ملابس العمل .

الوطنية هي الرغبة بالانتقام التي تفرض نفسها على الشعوب المهزومة و تحول كوكبنا إلى ساحة حرب هائلة أو عملاقة حيث سيستمر القتال إلى ما لا نهاية .

لهذا فإنني أشن حربا على الحرب , لذلك أنا أعمل من أجل الحياة لا الموت , لذلك أنا أممي و أنادي بصرف كل الجيوش و أبشر بالسلام العالمي .

أنا أقول :

إن الحب , بطبيعته الخاصة بالذات , يتوقف على الهوى , إنه نزق , مكهرب . من الجنون أن نريد إخضاعه لقواعد ثابتة تنطبق على الجميع . إن الحرية , فلسفيا , هي النظام الوحيد الذي يمكنه أن يتكيف معه .

في الممارسة يؤدي الزواج إلى نتائج مأساوية . بعيدا عن أن يكون ضمانة للألفة و السعادة , فإنه يؤدي إلى أسوأ أشكال النفاق و أكثر الأوضاع كآبة .

إن القيد مفيد و خطر دوما في نفس الوقت , إن القيد لا يطاق دائما , و يجب تدميره فقط .

يعاني كل الأطفال بسبب الأسرة , بعضهم لأن لديهم أسرة , و آخرون لأنه ليس لديهم واحدة .

لهذه الأسباب فإنني أصم الزواج و كل الشكليات الفارغة التي تحيط به . إنني أقسم بالتدمير الوشيك و الضروري للعائلة القانونية أو الشرعية التي تقوم على الجشع و التي يجب استبدالها بالعائلة الإنسانية العظيمة , التي تقوم على التفتح الصارم لكل الاهتمامات الفردية .

و إنني أعطي كلا من هذه الاعتبارات التطور الذي أعتبره ضروريا .

و الآن يا آنستي فإنني ألخص :

إن الحياة التي يحياها الجيل الحالي هي تعيسة , تعيسة جدا . و مع ذلك فإن القوة التي تحرك كل الأعمال البشرية هو البحث عن نوع ما من الرضا , و المثال الأعلى للمجتمع هو تحقيق أكبر مقدار من السعادة للجميع .

إن الدين , الملكية , الوطن الأم و العائلة – أي الاعتقادات و المؤسسات التي تنشأ من مبدأ السلطة – صنعت و ما تزال تصنع التاريخ كمأساة مؤلمة و دموية لقرون طويلة .

هذه المأساة , التي بتأبيدها الجهل الذي يمكنه وحده فقط أن ينتجها , تريدين أنت إطالتها .

هذه المأساة التي أريد , بكل ما أوتيت من حماسة , أن أضع نهاية مبكرة لها .

و نحو هذه النهاية فإنني أستخدم كل قوتي لتدمير كل الباستيلات ( نسبة للباستيل السجن الباريسي الشهير ) التسلطية : الحكومة , الرأسمالية , الدين , الجيش , البرلمان , هيئة الحكام , الشرطة , الأسرة .

هذا هو الجزء الأول من مهمتي .

لكن الإنسان لم يخلق ليعيش وسط هذه الأنقاض . إن روحه لا تتغذى فقط بالنفي , و قلبه لم يخلق فقط للكراهية .

إن الجسد الاجتماعي يعاني في كل أجزائه : في معدته , في دماغه , في قلبه . إنه يموت من البؤس . بؤس المعدة هو الجوع , بؤس الروح هو الجهل , بؤس القلب هو الكراهية .

يجب القضاء على هذه الوحوش الثلاثة .

لقد وجد العلاج : الشيوعية التحررية .

بواسطتها سيجد الجميع , في الثروة المادية الهائلة التي سيجري الحفاظ عليها من خلال الجهد المشترك , كل ما يحتاجونه لإشباع حاجاتهم الجسدية أو المادية .

بواسطتها سيجد كل شخص , في الثروة الثقافية الهائلة التي ستتغذى بالعمل المستمر للأرواح أثناء عملها , كل ما يحتاجونه لإشباع شهيتهم العلمية , و أذواقهم الفنية .

بواسطتها سيجد كل شخص في الثروة العاطفية التي لا تنضب , و التي تزداد غنى بالحاجة للحب , كل ما يحتاجونه لتهدئة تعطشهم للحنان .

الشيوعية التحررية , التي يمكن من خلالها لكل البطون , لكل العقول و كل القلوب أن تتحرر و التي سوف تتحرر , هي العلاج .

هذا العلاج ساري المفعول , لكنه غير معروف بعد بشكل كاف . لذلك من الضروري نشره . و أنا واحد ممن يقومون بنشره و لا شيء آخر . و هذا يكفيني في كل نشاطي و طموحي .


ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.marxists.org/reference/archive/faure/index.htm