الرئيسية » مقالات » على هامش طرح مسودة الاتفاقية العراقية-الامريكية على المسؤولين العراقيين أن يكونوا هم أصحاب القرار

على هامش طرح مسودة الاتفاقية العراقية-الامريكية على المسؤولين العراقيين أن يكونوا هم أصحاب القرار

من الواضح أن الوفد المفاوض العراقي الذي ناقش مع شريكه الأمريكي بنود مسودة الاتفاقية المزمع عقدها بين البلدين قد حالفه التوفيق في ضمان المطالب الرئيسية التي تمسك بها المسؤولون وغالبية السياسيون العراقيون من أجل تحرر العراق من ربقة البند السابع ووضع حدود زمنية مقبولة لوجود القوات الأمريكية والأجنبية على الأراضي العراقية. وفي هذا الإطار يأتي تصريح القاضي العراقي وعضو مجلس النواب السيد وائل عبد اللطيف منسجماً مع ذلك حيث قال :”أن الاتفاقية تضمن السيادة العراقية”.

وإذا أردنا الحديث بلغة الحوار الصريح والمسؤول وليس حديث “العبارة الثورية الطنانة” و”التخوين”، فأن العراق هو الذي يحتاج إلى هذه الإتفاقية بالدرجة الأولى وليس الولايات المتحدة. فلدى الولايات المتحدة قواعد هامة في غالبية دول الخليج، والتي استخدمتها عند غزو أفغانستان والعراق والإطاحة بالطغيان فيه في عام 2003. وعلاوة على ذلك فلديها قواعد ضخمة متحركة وثابتة في الخليج وفي ديوغارسيا قادرة على توجيه عمليات عسكرية متنوعة في أكثر من ميدان في المنطقة دون الحاجة إلى قواعد لها في العراق. ولذا جاء تصريح المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع تعقيباً على صدور تعليقات سلبية من بعض المسؤولين العراقيين حول المسودة، حيث أكدت هذه التصريحات على أنه في حالة عدم الاتفاق فإن الولايات المتحدة ستسحب قواتها من طرف واحد من العراق. وهناك ضغوط داخلية في الولايات المتحدة تعمل بهذا الاتجاه.

أما العراق فسيكون هو الخاسر في حال عدم الموافقة على الاتفاقية، وعلى الخروج المفاجئ للقوات الأجنبية دون حدوث تغيير جذري في إستعداد القوات المسلحة وقوى الأمن العراقية ونمط تسليحها لتسلم مهامها، ومن دون تغيير جذري في القرارات الدولية التي عاقبت العراق بعد مغامرة حاكمه في غزو الكويت. إن الخروج المفاجئ سيضع أمن العراق على كف عفريت، هذا الأمن الذي يحتل المرتبة الأولى في اهتمام العراقيين. فالأمن في بلادنا يتعرض إلى تهديد بسبب التدخل المستمر لحد الآن من قبل دول إقليمية تنهش كالذئاب في الجسم العراقي وتثير الفتن بين أطيافه وتعرقل مسيرة العملية السياسية، ناهيك عن أن الإرهاب الدولي مازال قادراً على تحريك وتفعيل خلاياه النائمة بالتحالف مع فلول العهد البائد. كما يضاف إلى ذلك حالة عدم الاستقرار السياسي وعدم إرساء أركان البناء الجديد الذي مازال هشاً رغم تحسنه، ويحتاج إلى فترة إضافية ليرسي بعد أن تسود الحكمة والالتزام بقواعد الديمقراطية والحوار المسؤول لدى النخب السياسية بدلاً من المزايدات التي لا تحل أية مشكلة من كوم المشاكل التي خلفها النظام السابق ولا تجلب الاستقرار. إن جميع العراقيين المعنيين بالشأن الأمني، وبضمنهم السيد وزير الدفاع العراقي السيد عبد القادر محمد جاسم ومن منطلق مهني، يؤكدون على حاجة العراق لمثل هذه الفترة الزمنية، إضافة إلى حاجته للدعم من القوات المتعددة الجنسيات لتأهيل وتدريب وتسليح قواتنا العسكرية والأمنية.

لقد أشبعت موضوعة الاتفاقية مع الولايات المتحدة بحثاً ونقاشاً، وقدمت أكوام من المقترحات والاتهامات والتعديلات المتبادلة لتصل إلى هذه الصيغة التي تعد خطوة كبيرة جداً على طريق السيادة الوطنية لعراقنا العزيز. فالاتفاقية تنقل العراق عملياً إلى بسط نفوذ قواته العسكرية والأمنية إلى جميع المحافظات، وتفسح المجال لاتخاذ خطوات أخرى نحو استكمال كل السيادة متى ما شعر الطرف العراقي أن هناك حاجة لتعديلات في الاتفاقية. وفي الإطار فليس من الحكمة أن يتوقف العراقيون عند قضايا فرعية وربما نادرة عن احتمالات إساءة أو جرم يرتكب والجهة التي تمارس حقها في ملاحقة الجاني. فالتجربة السابقة أكدت أن من كشف انتهاكات العسكريين الأمريكان، كما حدث في جريمة أبو غريب، هو الطرف الأمريكي وليس العراقي. كما تتوفر الإمكانية لدى المواطن العراقي الذي يتعرض لأي انتهاك من جانب القوات الأجنبية أن يرفع دعواه ضد الجناة سواء في المحاكم العراقية أو المحاكم الأجنبية كما حدث في حوادث البصرة وغيرها، حيث حصل العراقيون على تعويضات لقاء ذلك. ففي الاتفاقية الكثير من الأمور الرئيسية المهمة لصالح العراق وعلى طريق استعادة سيادته بحيث تتجاوز هذه الأمور الثانوية. ويمكن إزالة كل ما يمس السيادة تدريجياً و “العافية على دفعات” كما يقول المثل العراقي.

أما أن نرهن مواقفنا لجهات خارجية لا تضمر إلا الشر لشعبنا، هذا الموقف الذي يتبناه بعض المسؤولين عندنا، فهو التفريط بالسيادة قبل أن تفرط بها أية اتفاقية متوازنة مع الولايات المتحدة وبضمنها المسودة الحالية. فعلى المسؤولين العراقيين أن يكونوا هم أصحاب القرار الذي يخدم المصلحة الوطنية العراقية إزاء أية اتفاقية. فمن غير المعقول ولا المقبول وليس من الوطنية بمكان أن ينبري أحد المسؤولين في حكومتنا في اجتماع لكتلة الائتلاف العراقي الموحد، وهو السيد خضير الخزاعي وزير التربية وبشكل فج أثناء مناقشة مسودة الاتفاقية، ليطلق الكلام الغريب الآتي:” مادام خامنئي أفتى بعدم قبول الاتفاقية فيجب ان لا نمررها”!!!. بهذه الكلمات ينسف هذا الوزير كل الثقة التي أولاها الشعب له عند انتخابه لهذا المنصب الخطير. فهذا الوزير لا يريد عرض المسودة على الشعب وممثليه في مجلس النواب كما تتطلبه قواعد الديمقراطية التي أقسم بالدفاع عنها عند استيزاره، بل تسليم رقاب ومصير العراقيين إلى شخصية خارجية تناصب العداء للعملية الديمقراطية الجارية في العراق برمتها. وعجبي أن يبقى هذا الوزير في منصبه ولا يحاسب من قبل مجلس الوزراء ولا من قبل مجلس النواب وهو الذي يريد أن ترتهن السيادة العراقية لشخص مثل علي خامنئي.

إن حكام إيران يريدون “العنب والناطور” في العراق، ولا تحركهم دوافع الدين والمذهب الذي انتهكوه قبل كل شئ في بلادهم. ولا نسهب هنا في الحديث عن ما ارتكبوه من جرائم في العراق منذ الإطاحة بالطغيان البائد. فالسراب المذهبي الذي يتشبث به حكام إيران وأنصارهم من بعض العراقيين ممن طبّلوا حتى لشاه إيران لكونه”ينتمي إلى المذهب الفلاني”، هو خديعة لبسطاء الناس. فالنهب الذي قاموا به اثناء انتفاضة آذار عام 1991 يشهد عليه العراقيون سواء في إقليم كردستان وفي حاجي عمران بالذات أو في كل المحافظات الشرقية المحاذية لإيران وخاصة في الشلامجه وبدرة وجصان. ويطل علينا رئيس الجمهورية في إيران ليلقي علينا دروساً في الوطنية وليعلن دون أن يقرأ مسودة الاتفاقية :”إن مسودة الاتفاق الأمني بين الولايات المتحدة والعراق تهدف الى إبقاء العراق ضعيفاً وإلى مساعدة واشنطن على نهب هذا البلد”. والغريب أن يصدر هذا الكلام من رجل يعمل جهده لإضعاف العراق. وأدلا رجل آخر من رجالات نظام إيران وهو لاريجاني بدلوه ليقول:” بأن الاتفاقية “استسلام”، وقارن مسودة الاتفاقية بالاتفاقية التي وقعتها الولايات المتحدة مع النظام الإمبراطوري الإيراني السابق”!!. وهذا يؤكد أن هذا المسؤول الإيراني لم يطّلع حتى على الاتفاقية الإيرانية الأمريكية المهينة التي عقدها الشاه مع الولايات المتحدة في بداية الستينيات والتي رفضها الشعب الإيراني.

نعم آن الأوان أن يلتزم المسؤولون العراقيون بالثوابت الوطنية، ويتخذوا قراراتهم دون الخضوع لابتزازات حكام دول الجوار أو غيرهم، وأن لا يقعوا فريسة السراب المذهبي ولا يستجدوا آراء أناس ليس لديهم أي هم سوى إضعاف العراق العزيز، ويتجهوا نحو دراسة مسودة الاتفاقية بروح من الحرص على العراق في الظرف الدقيق الذي يمر به، لكي يقودوا البلاد إلى شاطئ السلام والأمان وتحقيق سيادته الكاملة ويقلبوا صفحة على التدخلات الإقليمية الفجّة في شؤوننا الداخلية.

24 تشرين الأول 2008