الرئيسية » مقالات » هل هو فعلا إحساس مفرط بالوطنية ؟

هل هو فعلا إحساس مفرط بالوطنية ؟

وصف نائب رئيس هيئة الأركان للقوات الإيرانية مسعود جزائري في تصريح لوكالة أسوشييتد برس الاتفاقية الأمنية بـ”وصمة عار” في تاريخ العراق . هذا التصريح الذي تجاوز الخطوط الحمراء التي ينبغي ان تحترمها الدول. ومن الغريب لم يصدر أي رد عراقي رسمي على الذي وصف هذه الاتفاقية “وصمة عار” في تاريخ العراق. والعراق ليس موصوم بعار الاتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية بل موصوم بعار بعض قادته الجدد الذين يعملون على حساب المصلحة الوطنية العراقية بإمرة دول الجوار التي لا تريد أن يصبح العراق قوة سياسية واقتصادية مؤثرة في المنطقة ويلعب دورا محوريا في مستقبلها كما كان دائما عبر التأريخ.
حسب أنباء وكالة فارس الإيرانية صرح إبراهيم الاشيقر ” الجعفري” ، إثناء لقاءه علي لارجاني ، رئيس مجلس الشورى الإيراني بأن الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين العراق والولايات المتحدة “وصمة عار” على جبين العراق. وهو نفس ما قاله مسعود جزائري.
لقد صرح الجنرال اوديرنو قائد القوات المتعددة الجنسية في العراق لصحيفة “واشنطن بوست” بأن التقارير الأستخباراتية تشير إلى محاولات النظام الإيراني دفع رشاوى لنواب في البرلمان العراقي في محاولة لتقويض اتفاقية وضع القوات الأمريكية في العراق بين بغداد وواشنطن. وأن النظام الإيراني ينشط علناً وسراً لنسف الاتفاق الأمني. مضيفاً أن هناك تقارير استخباراتية كثيرة تؤكد أن عملاء للنظام الإيراني يعملون على دفع مبالغ لنواب عراقيين للتصويت بالضد من الاتفاقية الأمنية.
وقال: أرى أن العراقيين هم وطنيون يريدون أن يختاروا بأنفسهم ما يرونه بمصلحتهم ولا يريدون أن يقرر طرف آخر مصالحهم نيابة عنهم. وهذا يتفق ما قاله المالكي خلال استقباله في مكتبه ببغداد ، كلا من وكيل وزير الخارجية البريطاني لشؤون الشرق الأوسط بيل رايميل والسفير البريطاني في بغداد كريستوفر بيانتس :” إن شأن توقيع الاتفاقية مع الولايات المتحدة إطلاق الأموال العراقية المجمدة وإخراج العراق من البند السابع”. ومن المؤسف إن نوري المالكي خلال استقباله وفدا إعلاميا استثماريا كويتيتا وجّه انتقادات حادة للقائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق الجنرال رايموند أوديرنو تلك ٬وهو يعرف قبل غيره إن ما قاله الجنرال اوديرنو ليس محاولة وإنما حقيقة سنعرضها لاحقا.
وفقاً لما صرح به مسئول أمريكي رفيع المستوى لشبكة CNN تؤكد المعلومات التي أدلى بها الجنرال ريموند أوديرن بأن القوات الأمريكية اعتقلت مؤخراً عميداً في الجيش العراقي تلقى أموالاً من إيران بهدف توزيعها من أجل تعطيل الاتفاقية الأمنية المعلقة بين الحكومتين الأمريكية والعراقية. وقد تم اعتقال العميد العراقي قبل أسابيع قليلة على الحدود العراقية الإيرانية، وصادرت منه مبالغ كبيرة من الأموال النقدية. وللعميد هذا علاقات مع قوات الحرس الثوري الإيراني، الذي يقود عمليات إرهابية في العراق. وبحسب آخر تقييم صادر عن الاستخبارات الأمريكية، فإن الجهد الإيراني يتوزع على ثلاث جهات، هي: عصائب الحق، وكتائب حزب الله والجماعات الخاصة. و أن الجماعتين الأوليتين تمثلان عناصر تم تنظيمها وتنسيق عملياتها بواسطة عناصر إيرانية، أصبحوا بديلاً عن جيش المهدي. وأن التنظيمات الثلاثة غيرت من تكتيكاتها وأساليبها، وتركز بشكل أساسي على الاغتيالات والاختطاف، إلى جانب الهجمات المنظمة بالقنابل والعبوات الناسفة، وذلك بدل الأسلوب السابق الذي تلخص بشن هجمات بأعداد كبيرة ضد مدنيين عراقيين. أما المجموعات الخاصة التي جاءت من رحم المليشيات وبخاصة بعد هروب أو انتقال العديد من كوادرها إلى إيران وجرى تأهيلها على فنّ جديد من القتل والاغتيال بهدف خلق فتنة تتهم فيها العديد من الأطراف وصولاً لعودة الوضع الأمني الهش جداً إلى نقطة الصفر، وكل ذلك بذريعة وجود القوات الأمريكية والخوف من تدخلها في الشأن الإيراني الداخلي. ولحد هذه اللحظة لم تعلق الحكومة العراقية حول الاغتيالات الأخيرة بواسطة القنابل اللاصقة أو كاتم الصوت كأسلوب جديد واحد ضحاياه مستشار وزارة الثقافة كامل شياع وغيره. وبقيت الحكومة والأحزاب الحاكمة فيها صامتة عن المجموعات الخاصة وملف تهريب الأسلحة الإيرانية إلى بعض الجهات المرتبطة بإيران. ومن الملفت لاهتمام المتتبع ما صرح به علي الأديب، رجل النظام الإيراني في بغداد والمسئول الثاني في حزب الدعوة الحاكم :” منذ البداية أرسلنا وفداً إلى إيران للتحدث بهذا الشأن وقلنا لهم دعمكم لهذه المجموعات يربك الوضع الأمني والسياسي ” ، لكنه برر ما يقوم به نظام ملالي طهران بأنه بسبب وجود القوات الأمريكية وعلاقات إيران المرتبكة مع أمريكا قائلا: ” لذلك إيران تقوم بتسليح المليشيات لإرباك أمريكا في العراق وليس للاحتراب الداخلي “.
ويفهم من قول علي الأديب بأن إيران تريد محاربة أمريكيا بمنظمات تمولها وتديرها على الساحة العراقية. فأين الخلل فيما قاله الجنرال رايموند أوديرنو إذا؟
أكد عضو التحالف الكردستاني محمود عثمان صحت تصريحات قائد القوات الأمريكية في العراق بالقول أن إيران تحاول منذ أشهر التقرب من حلفائها في البرلمان العراقي بهدف التأثير على الاتفاقية العراقية الأمريكية. وقال عثمان :” إن الإيرانيين سيحاولون ممارسة نفوذهم على كل من يستطيعون التأثير عليه وسيقولون للأشخاص إن هذه الاتفاقية خطيرة وأنها ليست في مصلحة العراق. وكشف النائب سامي العسكري من كتلة الائتلاف والمقرب من المالكي أن إيران والمجلس الأعلى الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم هما من يعرقلان توقيع الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة. وقال العسكري:” إن حزب الحكيم وإيران يضغطان لعرقلة عملية تمرير الاتفاقية الأمنية وتوقع أن تشهد الأيام القليلة القادمة تصعيدا من قبل بعض القوى لرفض الاتفاقية”. وهذا ما حدث في تنظيم مظاهرة لجيش المهدي دعي لها مقتدى من قم، كما افتى مرشده كاظم الحائري القابع هناك.
قال الناطق باسم القائمة العراقية عزت الشابندر بان إيران تعطي لنفسها حق الوصاية على العراق بتلك التصريحات وان سبب ذلك يعود إلى التبعية والولاء المطلق من بعض القوى السياسية العراقية لطهران. هذا وأكد النائب عن قائمة التحالف الكردستاني عادل برواري ان كتلته ترفض تدخل أي من دول الجوار في شؤون العراق الداخلية.
أما عن ارتباط المجلس الأعلى وذراعه العسكرية “مليشيات بدر” بإيران حقيقة لا يراها إلا الأعمى. فقد اعترف القائد الأسبق للحرس الإيراني (محسن رضايي) في مدينة أهواز (جنوب غربي إيران) بأن المليشيات المسماة بـ قوات بدر 9 ، هي في الحقيقة جزء تابع لقوات الحرس الإيراني أسسها (دقائقي) وهو من قادة الحرس الإيراني الذي قتل خلال الحرب الإيرانية العراقية. وكتبت وكالة أنباء «مهر» الإيرانية: “أشار رضايي إلى إن إسماعيل دقايقي من الطلاب المتفوقين في كلية النفط وبادر بتأسيس فرقة بدر 9 التي يدير العراق اليوم معظم أعضائها “.
وكانت نشرة “صبح صادق “الناطقة باسم قوات الحرس الإيراني قد كتبت في عددها الـ 287 الصادر بتاريخ 22 كانون الثاني 1980 نقلاً عن رحيم صفوي قائد قوات الحرس الإيراني السابق بأن تأسيس و بناء لواء بدر والذي تحول لاحقاً إلى فرقة بدر تم على يد إسماعيل دقايقي. ولم يعد منسيا ما طالب به عبد العزيز الحكيم وهو في منصب رئيس مجلس الحكم من تعويض إيران مائه مليون دولار عن حرب الخليج الأولى.
اعتبر الكاتب والسياسي العراقي الدكتور كاظم حبيب في مقال له في “عراق الغد” :ان المليشيات مرتزقة بكل معنى الكلمة وبأكثر من 95 % من قواها المسلحة. وكان الهدف من وراء تشكيلها أن تلعب دوراً مهماً ومباشراً في السياسة العراقية لصالح التحالف مع الدولة الإسلامية الإيرانية يضاهي وينافس دور حزب الله في لبنان, الذي تأسس بقرار إيراني ثابت في العام 1982 (وهي الفترة التي شكل فيها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يقوده الآن عبد العزيز الحكيم، كاتب هذا المقال) . فلمليشيات تمتلك موارد مالية كبيرة تصلها من مختلف بقاع العالم الشيعي٬ وخاصة القوى السلفية الشيعية٬ والتي يوزع بعضها على قوى جيش المهدي بشكل ثابت وعلى عائلاتهم”.
وليس خافيا على احد بان في مقدمة مصادر التمويل لتلك الجماعات ومليشياتها تأتي بالدرجة الأولى من النظام الإيراني. وبما إن العديد ، كما نشرته المعارضة الإيرانية في باريس العام الماضي من أسماء لأشخاص برتبهم العسكرية ومواقعهم في جهاز الاستخبارات الإيرانية ومنهم نواب في البرلمان العراقي وكذلك مسئولين كبار في الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية وفي هرم النظام العراقي يستلمون رواتبهم من طهران بما فيها منظمات وهمية تابعة ل”اطلاعات” تعززها الدعوات التي يتلقاها العراقيين لزيارة إيران من اجل توظيفهم لمصلحة النظام الإيراني في العراق وتغدق عليه الأموال ولذلك ليس بعيدا عن الحقيقة ما جاء على لسان الجنرال رايموند أوديرنو ولربما كان أكثر دبلوماسيا في تعبيره ” محاولة” رشي بعض.

قال الأدميرال باتريك دريسكول الناطق باسم القوات متعددة الجنسية في العراق في مؤتمر صحفي الذي نشره موقع القوات ، حيث رد على سؤال مراسل صحفي فيما يخص تصريحات الجنرال ريموند اوديرنو القائلة بمحاولات إيران لعرقلة مجريات الاتفاقية الأمنية بين أمريكا والعراق وذلك عبر تقديمه رشاوى لنواب عراقيين فأجاب: “إن ما قاله الجنرال اوديرنو هو أننا لدينا معلومات تفيد أن عملاء إيران يعملون أو سيعملون على دفع رشاوى للتأثير على موقف العراقيين من الاتفاقية الأمنية. هناك مؤشرات تدل على أن عملاء لإيران تسللوا إلى العراق لدفع رشاوى إلى سياسيين عراقيين بالمال والإمكانات الأخرى”.
فاحتجاج البرلمان العراقي على تصريحات الجنرال ريموند اوديرنو ٬ أو إعطائه الحق في تقرير مستقبل وطننا وسلامته تحتاج إلى تأمل.
فالبرلمان العراقي يسود تركيبته خلل كبير وفي مستوى الوعي وتحمل المسؤولية لدى بعض أعضاءه. والمتتبع لجلساته يلاحظ ضعف الأداء والالتزام بالحضور والكثير منها لم يكتمل نصابها مما أدي إلى تأجيل مناقشة القوانين ، بينما اكتمل نصابه في جلستين واحدة الموافقة على زيادة رواتب أعضاءه والثانية رفع الحصانة عن النائب مثال الألوسي ٬ خاصة وانه البرلمان الثاني بعد الإيراني يحتل المعممين نصف مقاعده ونصف أعضائه لا يحملون شهادات.
ومن الغريب أن يحتج هذا البرلمان والحكومة العراقية التي يقودها ألتلاف طائفي قومي على تصريح الجنرال ريموند أوديرنو على اعتبارها تدخلا في شؤون العراق الداخلية وخرقاً للنظام الداخلي لمجلس النواب وخرقا للأعراف الدبلوماسية وإهانة إلى ممثلي الشعب العراقي. وعلى الرغم من مجازفة العراقيين بانتخاب هذا البرلمان وحسب نظام القوائم مما سمح للعديد من عناصر النظام السابق والكثير من عناصر أجهزة الاستخبارات الإيرانية ومن كان جزء من نشاطاتها ضد العراق ان يحتل مكان فيه. يمكن اعتبار الانتخابات السابقة مخطط استغفال استباقي ذو نوازع قومية وطائفية استهدف الديمقراطية التي انتظرها شعبنا أربعة عقود. وكانت مسرحية منظمة لعب فيها القومي ذاهبا إلى صندوق الاقتراع ليصوت إلى قوميته وكذلك فعل الطائفي ولسوء الحظ ذهبت الأصوات التي أريد منها أن تكون من اجل الوطن العراقي مهب الريح وخلفت ورائها خيبة أمل كبيرة. فالبرلمان العراقي الذي يسوده التجاذب والسجال، عند مناقشة قضايا صغيرة، فكيف إذا ما تمت مناقشة اتفاق أمني واسع النطاق ، خصوصاً إن هناك أطرافاً داخل البرلمان ترفض عقد الاتفاق من حيث المبدأ فجماعة مقتدى الصدر كما قال المتحدث باسمها في البرلمان احمد المسعودي ، أن كتلته رفضت حتى دعوة رئاسة الجمهورية لحضور اجتماع المجلس السياسي للأمن الوطني لمناقشة الاتفاقية.
ولسوء الحظ كما كان حال البرلمان خلفت لنا مرحلة ما بعد سقوط النظام الصدامي دستورا صيغ لكي يكون ملائما لرغبات المتحالفين قلوبهم بعيدا عن المصلحة الوطنية العراقية مما خلف ويخلف الكثير من المشاكل ومنها المادة 50 التي حرمت أبناء وطننا الأصليين من المساهمة في صنع القرار السياسي.
لقد دعا الرئيس احمدي نجاد لدى استقباله المشهداني رئيس برلماننا “الوطني جدا” الذي وصل على طائرة إيرانية خاصة إلى طهران، الشعب العراقي وحكومته إلى مجابهة ما سماه “أطماع قوات الاحتلال في العراق” لإبرام الاتفاقية الأمنية. وكذلك تلقى من علي لاريجاني، درسا في عدم التوقيع على الاتفاقية لأمنية. وتعلم المشهداني من الدرس في تصريح له في طهران بان اكبر المشاكل وجود قوات التحالف في العراق . ودرس نجاد ولارجاني سمعه نوري المالكي أثناء مقابلته المرشد الإيراني علي خامنئي وسائر أعضاء القيادة في النظام الإيراني. وطالب رئيس السلطة القضائية الإيرانية محمود هاشمي الحكومة العراقية بعدم توقيع الاتفاق ولم تعلّق الحكومة العراقية على ذلك الذي هو تدخل فج في الشأن الداخلي العراقي. ولذلك يظهر إن الاعتراض على تصريحات الجنرال اوديرنو والوقوف ضد الاتفاقية الأمنية “صوفا” جاء ليس بدافع الغيرة الوطنية وإحساس مفرط نحوها ، وإنما تنفيذ لإملاءات خارجية في مقدمتها النظام الإيراني لدموياته التي تحتل أماكن لها في هرم السلطة العراقية، البرلمان، الحكومة وأجهزة الدولة المختلفة.